เข้าสู่ระบบ
تحت وابل المطر الذي يهطل بلا رحمة، كان يقف كظل ساحق بقامته الطويلة وملامحه الحادة التي نحتها الغضب كالحجر. في قبضته اليسرى، كان يحمل قلباً بشرياً ما زال يخفق بعجز، يبعث دفئاً زائفا في هواء الليل القارس، بينما تتساقط منه الدماء قطرة تلو الأخرى لتختلط بماء المطر على الأرض.
تحت قدميه، كانت ترقد جثة خاوية.. جسد كان يتنفس منذ لحظات فقط، قبل أن يبتلعه هذا الزقاق المظلم، وقبل أن يشق صوت المنشار المرعب صمت الصدر ليفترس قفصه الصدري. في تلك اللحظة، استيقظت سديم من نومها وهي تصارع لاستعادة أنفاسها الهاربة. كانت هذه هي المرة المليون التي يطاردها فيها كابوس من هذا النوع؛ كابوس ترى فيه ضحية تُقتل بأبشع طريقة ممكنة.. لكن الأكثر رعباً وحيرة، أن كل الضحايا الذين تراهم في أحلامها يقتلون بالأسلوب ذاته في الواقع! حاولت النهوض من فراشها والتحرك نحو الباب، لكن قدميها الخائرتين كانتا تتعثران مع كل خطوة تخطوها. فجأة، شق صوت رنين الهاتف سكون الغرفة. أسرعت للرد وهي تعلم يقيناً أنه لا أحد يتصل بها في هذا الوقت المتأخر سوى "كايل".. صديقها المقرب، والشخص الوحيد الذي ظل واقفا بجانبها في أحلك أوقاتها. كانت تكن له عشقاً سرياً يلتهم قلبها، حباً خفياً تخشى الاعتراف به كي لا تخسر وجوده، أو تفسد تلك المساحة الآمنة التي تعيش فيها معه. رفعَت السماعَة وصرَخت أنفاسَها الاضطرابيّة: — «مرحباً.. كايل!» جاءها صوته دافئاً عبر الهاتف ، مستفسراً باهتمام: — «أهلاً يا عزيزتي سديم.. هل تناولتِ دواءكِ؟» ابتسمت سديم رغماً عنها، وأجابت وهي تحاول استعادة أنفاسها: — «هل أصبحتَ أمي الآن؟» ضحك كايل بخفة، ثم قال بنبرة مداعبة: — «هل تسخرين مني الآن يا رأس البطيخ؟» (كان يطلق عليها هذا اللقب الداعب منذ أن صبغت شعرها باللون الأحمر الناري). ردت عليه بسرعة وهي تدعي التذمر: — «أخبرتكَ مراراً أنه ليس لون البطيخ! إنه أحمر قاني.. وأنا أعشقه!» توقف كايل لبرهة، قبل أن ينساب صوته بنبرة عميقة وداكنة، تحمل كثيرا من الدفئ : — «نعم.. وأنا أيضاً أعشقه؛ فأنتِ ساحرة في جميع حالاتكِ.» سكتت سديم تماماً، وشعرت بسخونة الموقف بينما تصاعدت الدماء إلى وجنتيها لترسم حمرة خجل قانية، واضطربت دقات قلبها في صدرها كأنها تبادل كلامه المشتعل ذات الرغبة. عمّ الصمت لبرهة عبر الهاتف، صمتٌ ثقيلٌ محملٌ بأسئلة غير مَقولة، قبل أن يقطعه كايل بنبرة هادئة لكنها تحمل أمراً خفياً: — «مهلاً.. هل أنتِ متفرغة الآن؟» اتسعت عينا سديم بذهول وصدمة، وردت بنبرة مرتبكة: — «الآن؟! لكن الساعة تجاوزت الثانية فجراً!» أتاها صوته دافئاً ومشحوناً بتركيز غريب: — «لا تقلقي، لن نخرج في هذا الوقت.. أنا من سيأتى إليكِ الآن.» قطعت أنفاسها وتساءلت بوجل: — «تأتي الآن؟! ولكن.. لماذا؟» انسابت نبرته عبر الأثير بطيئة، جائعة، وذات هوس مكتوم جعل قشعريرة تسري في جسدها: — «لأني اشتقتُ إليكِ.. واشتقتُ إلى الطعام من يديكِ.» ضحكت سديم بخفة لتهدئة التوتر الصامت الذي أحدثته كلماته، وقالت وهي تحاول استعادة تمالكها: — «اعترف أنك جائع فقط! حسناً.. تعال، سأعدّ لك قطعة لحم بالطريقة التي تحبها.» ارتسمت ابتسامة مظلمة على شفتيه خلف السماعة، وقال بصوت منخفض: — «نعم.. هذه هي عزيزتي سديم. لن أتأخر.» أغلقت الخط ووضعت الهاتف جانباً، ثم اتجهت بخطوات بطيئة نحو المطبخ لطهي شريحة اللحم المفضل لديه.. لم تكن تدرك في تلك اللحظة أن زيارته في هذا الوقت المتأخر لم تكن مجرد رغبة في شريحة لحم، بل كانت بداية لنوايا أشد قسوة، وأكبر مما يتخيله عقلها !انطلقت السيارة كالسهم المارق في عتمة الليل الشديدة، يلتف حولها صمتٌ ثقيل داخل الكابينة، صمتٌ يُطاق بصعوبة بالغة ويحبس الأنفاس. كانت قبضة كايل على عجلة القيادة صلبة كالصخر، ومفاصل أصابعه قد أبيضّت من شدة الضغط، بينما ظل وجهه جماداً كمنحوتة رخامية، وعيناه المظلمتان تركّزان على الأسفلت الممتد أمامه ببرودٍ مرعب، كمن اتخذ قراراً أخيرًا لا رجعة فيه ولا مضمار للتراجع عنه.توقفت السيارة أسفل البناية بفرملة حادة أحدثت احتكاكاً صريحاً بالأرض. وقبل أن تستوعب سديم الموقف أو تجد متسعاً لالتقاط أنفاسها، قفز كايل من مقعده ودار ليفاجئها بفتح بابها، ممتداً بيده القوية ليجذبها بقوة للخارج. وحين حاولت التراجع والدفع بكفيها المرتجفتين ضد صدره، انحنى بجسده الفارع، وأحاط خاصرتها بذراعه الصلبة، ثم حملها بين ذراعيه دفعة واحدة كالريشة.تعالت أنفاس سديم المذعورة، وشعرت بدوارٍ حاد يداهم رأسها فور فقدان قدميها للاتصال بالأرض. ولما أحست أنها على وشك السقوط والارتطام، انقبضت كفاها بعفوية وغريزة بقاء خالصتين على كتفيه، متمسكة بياقة معطفه الأسود بكل ما أوتيت من قوة.استغل كايل حركتها التلقائية تلك ليضمها أكثر إلى
جلس كايل في ظلال صالته المغلقة، يسند رأسه إلى الخلف وعيناه معلقتان بالسقف. كان الهدوء يلتف حوله كغطاءٍ أملس، وثقته النرجسية تطمئنه بثبات؛ سديم لن تبتعد كثيراً. يعلم أنها متخبطة، مشتعلة بالغيرة، ومكبلة بأغلال الخوف والفضول نحو الرقم (567).. يعلم أنها لا تستطيع العيش في عالمها البارد دونه، وأنها ستطرق بابه مجدداً فور أن يهدأ غضبها.لكن مرت ساعة.. ثم ساعتان.بدأت عقارب الساعة الكلاسيكية تتحرك ببطء قاتل، وتلاشت الثقة الصقيعية من ملامحه تدريجياً، ليحل محلها توتر حاد ينهك صدره. نهض من مكانه بحركة مباغتة، والتقط معطفه وهو يشعر بخطوط السيطرة وهي تفلت من بين أصابعه لأول مرة.اندفع نحو شقتها، يدفعه جنون مكتوم ورغبة عارمة في انتزاعها من أي مكان تخبأت فيه. اقتحم شقتها الغارقة في فوضى الأمس، ونادى باسمها بنبرة حادة ارتجفت فيها هيبته.. لكن الصمت كان الرد الوحيد.طاف بالغرف كوحشٍ جريح، يقلّب الأشياء بعنف؛ ليست هنا.وقف في منتصف صالتها، والأنفاس الثقيلة تصعد وتهبط من صدره بغضب جارف. انقبضت قبضتاه حتى أبيضّت مفاصِله، واستوعب الصفعة المرة: سديم لم تكن تمثل، وجرح كبريائها هذه المرة كان أعمق مما توه
جلس آدم في الجانب المقابل لسديم، بينما كان الصمت بينهما ثقيلاً كجدارٍ خرساني. كان هدوء المكان يتخلله فقط صوت أنفاسهما المنتظمة، وحركة عينيه الباردتين اللتين استقرتا على وجهها.لم يكن تأمله لها عادياً؛ بل كان يدرس ملامحها الشاحبة، والهالات السوداء التي تحيط بعينيها كأثرٍ حسي وجسدي لكل ما مرت به مع كايل في الآونة الأخيرة. كانت تعاستها وانهيارها المكتوم واضحين، كأنهما خريطة مرسومة على بشرتها.ساد سكونٌ حذر، قطعه آدم أخيراً بوضع يديه على الطاولة أمامه، متكئاً بجسده إلى الأمام قليلاً. تلاشت الابتسامة المائعة من وجهه، وانسكبت في نبرته جدية صقيعية وهو ينظر في عينيها مباشرة دون مقدمات:— «مرحباً، أنا آدم... وسأدخل في الموضوع مباشرةً دون تجميل؛ أريدكِ أن تشهدي ضد كايل في جريمة القتل.»تجمّدت سديم في مكانها، وانقبض صدرها برودة تسللت إلى أعماق أطرافها. لم تكن الكلمة مجرد اتهام، بل كانت القنبلة التي طالما خشت تفجيرها، والربط المباشر الذي كان ينقصها للغوص في ظلام قضية كايل والمتاهة التي حبسها فيها.تصلبت أطراف سديم، وارتفعت برودة حادة من أقدامها لتشق طريقها إلى قلبها. لم تنطق بحرف واحد، ولم ت
ابتلعت ريقها بصعوبة، ونفضت عنها ترددها وهي تتقدم بخطوات حافية خفيضة نحو الصالة. كانت تتوقع أن ترى طيف كايل بهيبته المعتمة ومعطفه الداكن، أو ربما ابتسامته الجانبية المظلمة التي اعتادت أن تطمئنها وتربكها في آنٍ واحد... لكن خطوتها تسمرت عند عتبة الغرفة.لم يكن كايل.كانت تقف عند مدخل الشقة امرأةٌ غريبة، في أواخر العشرينيات، تتمتع بملامح حادة وأنيقة ببرود. ترتدي معطفاً مطرياً أسود يتساقط منه أثر الرذاذ الخفيف، وتكشف نظراتها الفاحصة عن ثقة متكلفة وهي تجيل عينيها في أرجاء الشقة، قبل أن تستقر حدقتاها على سديم.ساد الصمتُ المكان، وتقاطعت أعينهما في مواجهة صامتة حادة. طالعت المرأةُ سديمَ بنظرةٍ خاطفة تناظرت فيها هيئتها؛ شعرها المبعثر، وجهها الشاحب، وملابسها التي تفوح برائحة كايل. ارتسمت على شفتي الغريبة ابتسامةٌ خفيفة غير مريحة، تجسد مزيجاً من التهكم والفضول المريب.كسرت المرأة السكون بنبرة صوتٍ هادئة، واثقة، وتفيض بتحدٍّ خفي:— «أوه.. لم أكن أعلم أن لديه ضيفة. أين كايل؟»عقدت سديم حاجبَيها، وسرت برودة مفاجئة في أطرافها. لم تجب فوراً، بل وقفت تستجمع شتات ذاتها أمام هذه الغريبة التي دخلت
تلاشت شهقاتها تدريجياً، وبدلاً من السكون المباغت الذي يتبع الإغماء، شعرتُ بجسدها يسترخي ببطءٍ شديد تحت أثر الإنهاك. لم يكن سقوطاً لجسدٍ فاقد للوعي، بل كان استسلاماً بطيئاً من عقلٍ أنهكه الأرق، وجسدٍ لم يذق طعم الراحة منذ دهور.أنفاسها التي كانت متقطعة ومضطربة بسبب البكاء، بدأت تستقيم وتنتظم في إيقاعٍ عميق وهادئ. شعر كايل بذلك التحول؛ كيف تحولت نبضات صدرها المرتجفة ضد صدره إلى إيقاعٍ رتيب، ثقيل، ومطمئن. لقد أخذها النومُ قسراً، ليس بضربةٍ واحدة، بل بغرقه في بحرٍ من الراحة التي لم تجدها إلا في حضنه.تصلب كايل في مكانه لثوانٍ، وعيناه المظلمتان تراقب وجهها الساكن. انطلقت من حنجرته ضحكة خفيضة، جافة، ومكتومة.. ضحكة خيبة أملٍ ممزوجةٍ براحةٍ شيطانية. لقد ألقى باعترافاته في فراغ، ولم تصل كلماته لوعيها؛ لقد غلبتها "الحاجة للراحة" على "الرغبة في المواجهة".أمال رأسه ليتأمل ملامحها الشاحبة تحت ضوء القمر الخافت الذي يتسلل من خلف الستائر الممزقة. لم يغضب من نومها، بل شعر بنوعٍ من السلطة المطلقة؛ فهي الآن كائنٌ وديع بين يديه، كائنٌ أنهكه العالم فجاء يطلب الأمان في عرينه.انحنى وحملها بين ذراعيه ب
كانت الشقة غارقة في عتمة خانقة، تحجبها الستائر الثقيلة التي لم تُفتح منذ أسابيع. فوحت في الأرجاء رائحة العفن والرطوبة الممتزجة برائحة الطعام الفاسد؛ إذ كانت علب الوجبات الجاهزة والأكواب الباردة متناثرة على الأرضية والسجاد بإهمال بشع. جلست سديم وسط هذا الخراب على أريكة المطبخ، تجر البطانية المتربة حول جسدها النحيل، بوجنتين شاحبتين وعينين غائرتين تغطيهما الظلال السوداء. لم تعد تبالي بقعة العصير المسكوبة، ولا بالأوراق الممزقة التي طوحتها في نوبة يأس سابقة؛ لقد أصبحت الشقة تشبه روحها تماماً... جثة مهجورة يتآكلها الفراغ. فجأة، انقطع السكون الميت بفرقعة خفيفة، ثم تلاها صوتُ دوران المفتاح في قفل الباب الخارجي! تجمّد الدم في عروقها، واتسعت عيناها برعب شل أطرافها. لم تستطع الحركة، بل اكتفت بالحدق نحو الممر المعتم بينما انفتح الباب ببطء... انفتح الباب بضربة حادة اهتزت لها الجدران، وتجلّى حجر الزاوية في ظلامها... كايل. لم يدخل بهدوئه المعتاد، بل اقتحم المكان كالثور الهائج؛ كانت هيبته تفيض بغضبٍ عارم وشرارة مظلمة تتطاير من عينيه. وما إن استقرت نظرته على العفن المنتشر، وعلب الطعام المتناث







