Home / الرومانسية / لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم / الفصل الرابع: مطاردة الأشباح

Share

الفصل الرابع: مطاردة الأشباح

last update publish date: 2026-06-20 10:07:45

انطلقت السيارة الفارهة كقذيفة سوداء تشق جدار الضباب الذي لف طريق مصحة "الشفاء المعزولة" القابعة في أحضان المرتفعات الجبلية البعيدة عن صخب العاصمة. كان عاصم الكيلاني يقبض على مقود السيارة بقوة جعلت عظام يده تبيض، في حين كانت عيناه المدممتان بالدموع والجنون تحدقان في الطريق المظلم كأنه يسابق الموت نفسه.

لم يكن الصراع النفسي في صدر عاصم مجرد أفكار وتخمينات، بل كان زلزالاً سيكولوجياً يفتت كبرياءه الطاغي حجرًا تلو الآخر. طيف حور وهي ترتمي بين ذراعي ذلك الطبيب الغريب في مقطع الفيديو كان ينهش عقله كوحش ضارٍ، يضرم في عروقه نيران غيرة عمياء ومهووسة لم يختبرها قط طوال حياته. كان يصرخ في جوف ليله بنبرة مجروحة: *"كيف تجرؤ؟ كيف تجرؤ على منح ذلك النقاء الروحي الساحر لرجل غيري؟"* لقد كان يعتقد أنها طوع بنانه، لوحة مقلدة اشتراها بماله وعقده السري، فإذ به يكتشف أنها كانت الروح التي تبقيه على قيد الحياة، والآن، ترحل تلك الروح لتتلاشى في صمت بعيداً عنه، وتتركه جثة هامدة تتحرك بين قصوره الخاوية.

كلما تذكر الشروط المريضة التي فرضها عليها—الحرير الأبيض البارد، خلوها التام من أي عطر، صمتها الأثيري كأشباح مطيعة—كان يشعر بقرف عارم من نفسه. لم يكن يملكها، بل كان يعذبها؛ كان يمتص أنفاسها بشراهة وعنف يخلو من العاطفة المتبادلة، في حين كانت هي تتجرع غيابه العاطفي وجفاءه وتداوي نوبات جنونه بالمهدئات والصبر المقبوض عليه بجمر الحب الصادق.

ضغط عاصم على مكابح السيارة فجأة لتتوقف بعنف أمام البوابة الحديدية الضخمة للمصحة المعزولة، محدثة صريراً صم الآذان في سكون الليل المتأخر. تَرَجّل من السيارة بهالته الطاغية وجسده المنحوت الذي بدا محطماً هذه المرة؛ سترته الرسمية الفاخرة ملقاة في المقعد الخلفي، قميصه الأبيض مفتوح الأزرار مبلل بحبات المطر الخفيفة التي بدأت تتساقط، وعضلات فكه الحادة تتشنج برعب لم يعرفه الطاغية من قبل.

اقتحم عاصم بوابة المصحة بجبروت وعنف، متجاهلاً نداءات أفراد الأمن الذين حاولوا اعتراض طريقه هيبةً وخوفاً من ملامحه المرعبة التي توحي بالقتل. كان يسير في الممرات البيضاء الباردة ذات الرائحة الطبية النفاذة، يلتفت يمنة ويسرة كذئب جريح يبحث عن طريدته المفقودة، حتى وصل إلى الباحة الخلفية الشاسعة للمصحة، حيث تتناثر أشجار الخريف العارية تحت ضوء القمر الشاحب الذي انقشع عنه الضباب فجأة.

وهناك.. عند نهاية الممر الحجري، تجمدت قدماه في مكانهما، وانقطع حبل أنفاسه تماماً.

كانت حور تجلس على ذات المقعد الحجري الأبيض الذي رآه في الفيديو. كانت ترتدي ثوباً أسود مخملياً طويلًا يجر خلفه أذيال كبريائها الجريح، وتضع فوق رأسها وحول عنقها الطفولي طرحة حمراء كبيرة، داكنة كدموع قلب احترق لسنوات خلف الجدران. كانت تبدو واهنة جداً، جسدها النحيل يبدو كغصن يوشك أن يكسره الهواء، ووجهها الشاحب يحمل جمالاً ملائكياً نقياً، تقاوم به سكرات الموت والتليف الحاد الذي ينهش رئتها المتعبة بدم بارد.

وبجانبها، كان يقف ذلك الطبيب الشاب، ينحنى نحوها ويتحدث برفق ولين يفيضان بالاحترام والتقدير الحقيقي، يمسك بيده كوباً من الأعشاب الدافئة ويقربه من شفتيها بحنان افتقدته طوال خمس سنوات من زواجها السري.

لم يحتمل عاصم الكيلاني هذا المشهد الرومانسي المظلم؛ تحركت عروق الهوس والسيطرة في جسده كبراكين هادرة. اندفع نحوهما بخطوات ثقيلة ومزلزلة، وصاح بصوت هائج أجش بحّته نيران الندم والغيرة:

"حور!!!"

التفت الطبيب بريبة وحذر، في حين رفعت حور رأسها بتمهل شديد. لم تتفاجأ، ولم تهتز ملامحها؛ بل نظرت إليه بعينيها الواسعتين اللتين استقر فيهما برود صخري وقوة صلبة جعلت عاصم يتراجع خطوة إلى الخلف رغماً عنه. لم تعد تلك الفتاة الوديعة المطيعة التي تذوب تحت لمساته العنيفة، بل أضحت امرأة أخرى ولدت من رحم الموت لتواجه جلادها.

وقف الطبيب حائلاً بين عاصم وحور، وقال بنبرة هادئة وصارمة في آن واحد:

"سيد عاصم الكيلاني.. أظن أن وجودك هنا غير مرغوب فيه، والمريضة تحتاج إلى الراحة التامة بعيداً عن أي ضغوط نفسية قد تعجل بـ..."

"ابتعد عن طريقي قبل أن أدفنك هنا!" قاطعه عاصم بفحيح مرعب وعينين تشتعلان بالجنون، ودفعه بيده القوية بعنف أبعده خطوات، وسقط على ركبتيه فوق الحصى البارد عند قدمي حور.

امتدت يدا عاصم المرتجفتان لتقبضا على طرف ثوبها الأسود، ورفع وجهه الحاد نحوها، والدموع تنهمر بغزارة تبلل وجنتيه، وقال بنبرة قطعت نياط الصمت، نبرة تحمل التوسل والرجاء لأول مرة في تاريخه:

"حور.. أرجوكِ، عودي معي. لقد ألغيتُ كل شيء.. طردتُ شاهيناز، وأغلقتُ القصر، ومزقتُ ذلك العقد الملعون! أنتِ زوجتي علناً أمام العالم كله منذ هذه اللحظة. سأنقل لكِ أكبر أطباء الأرض، سأشتري لكِ رئتين جديدتين ب أموالي كلها.. فقط لا تنظري إليّ هكذا، لا تتركيني في هذا الصقيع وحدي!"

نظرت حور إلى الرجل الراكع عند قدميها، ذلك الطاغية الذي كان يهز أسواق المال بكلمة منه، يتوسل إليها الآن ب ذل وهوان. لم تشعر بنشوة الانتصار، بل شعرت بشفقة عميقة على هوسه المريض. انحنت برفق، ونزعت طرف ثوبها من بين أصابعه الطويلة باحتقار وهدوء تام، وقالت بصوت نقي، بليغ، وبارد كأوراق الخريف المتساقطة:

"لقد جئت متأخراً جداً يا سيد عاصم.. أموالك وإمبراطوريتك لا يمكنها شراء نَفَسٍ واحد حرمتني منه بقسوتك لسنوات. جسدي لم يعد ملكاً لهوسك المريض، وروحي غادرت ذلك السجن الأبيض والحرير البارد بالفعل."

حاول عاصم الإمساك ب يدها الدافئة، لكنها أبعدتها ب حزم وقوة وثبتت عينيها في عينيه المظلمتين، وتابعت بنبرة تفيض بالانتقام الناعم والكبرياء الشامخ:

"البديلة الأكمل التي اخترتها هي واجهتك المناسبة التي تشبه قلبك الزجاجي الزائف.. أما أنا، فقد وجدتُ هنا من يقدر أنفاسي المعدودة، من يحتويني كإنسانة لا كتحفة فنية في متحف هوسك السري. ارحل يا عاصم.. فلم يعد لك مكان في حياتي، ولا حتى فوق قبَري."

نهضت حور بمساعدة الطبيب الذي تقدم وسندها برفق، واستدارت لتدخل مبنى المصحة بخطوات ملكية ثابتة، تاركة وراءها عاصم الكيلاني راكعاً في الطين تحت المطر، يصرخ باسمها بجنون وهيستيريا مزقت سكون الليل الدامس دون مجيب.

وفي صباح اليوم التالي، كان عاصم يجلس في مكتبه بالقصر، جسده متصلب وعيناه شاخصتان في الفراغ كأنه جثة بلا روح، يحاط ب زجاجات المهدئات التي تركتها له حور. فجأة، رن هاتف الجناح الداخلي بصوت حاد روع صمت المكان.

التقط السماعة ب يد واهنة ترتجف، ليأتيه صوت مدير المصحة المعزولة متهدجاً، خائفاً، ويحمل فصاحة الموت الصادمة:

"السيد عاصم الكيلاني؟.. نأسف لإبلاغك بهذا الخبر. المريضة حور الكيلاني قد لفظت أنفاسها الأخيرة منذ ساعتين نتيجة توقف مفاجئ في عضلة القلب ووظائف الرئة.. وقبل وفاتها، تركت وصية رسمية وموثقة تمنعك فيها منعاً باتاً وقاطعاً من حضور جنازتها، أو لمس جسدها، أو حتى معرفة مكان القبر الذي ستدفن فيه!"

سقطت السماعة من يد عاصم الكيلاني، وانفجرت من حجر عينيه صرخة جنون وهيستيريا هزت أركان القصر بالكامل، وبدأ يلطم وجهه ويحطم كل ما حوله من زجاج وثريات كالممسوس.. لقد ماتت حور، ورحلت بسرها ونقائها للأبد، وتركت له أبشع أنواع العقاب السيكولوجي: **لعنة البحث عن قبر امرأة أقسمت ألا يبكي فوقه أبداً!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل الثالث عشر: سياج العشق الحارق

    بينما كانت المهلة الزمنية التي فرضها عاصم الكيلاني في تهديده الملعون تحبس أنفاس العاصمة، كانت أذرعه التنفيذية تنبش في دهاليز الماضي السيكولوجي لـ "حور"؛ فالرجل الذي تلقى صفعة مالية صفدت كبرياءه في البورصة، لم يكن يكتفي بحصار مبنى الشافعي، بل كان مدفوعاً بـ هوس مرضيّ لمعرفة كيف استطاعت هذه الجوهرة المستكينة المستضعفة أن تفلت من بين أصابعه الطاغية وتزور تقرير وفاتها في المصحة الحكومية الموحشة.وفي ذات الليلة العاصفة، وبينما كان المطر يجلد النوافذ الخشبية المتهالكة، اقتحم عاصم الكيلاني الشقة القديمة التي كانت تقطنها حور برفقة عائلتها البسيطة في أزقة الفقر قبل أن يطوق معصمها بأغلاله الأرستقراطية. دلف عاصم بخطواته المتسلطة الهادرة، يرتدي معطفه الجلدي الأسود الثمين الذي تقطر منه مياه المطر كدماء داكنة، وعيناه الغائرتان المدممتان تفحصان المكان بـ جفاء واشمئزاز نرجسي مريض.كانت الشقة تفوح برائحة الرطوبة والذكريات المنسية؛ هنا طاولة خشبية مقشرة، وهناك بقايا أوراق رسم قديمة ممزقة. تقدم عاصم نحو غرفتها الصغيرة، وبأنامل ترتجف بفعل الشد والجذب الرومانسي الملوث بالماضي، بدأ يقلب محتوياتها

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل الثاني عشر: سلاح المال والقلب

    لم يكن قرار الاستحواذ القسريّ الذي خطط له عاصم الكيلاني سوى وهمٍ من أوهام النرجسية المريضة التي ظنت أن السوق المالي يركع بأكمله تحت سطوتها؛ فبينما كانت الوثيقة المختومة بالشمع الأحمر بين يدي حور، كان أدهم الشافعي يقف خلف مكتبه بكامل ثباته الجليدي وهيبته الأرستقراطية النبيلة. لم يهتز له جفن، بل التقط الوثيقة ببرود تام ومزقها بضربة واحدة من أنامله القوية، ملقياً بالقصاصات في سلة المهملات، وهو ينظر في عيني حور الواسعتين اللتين تفيضان بالوجل والشتات السيكولوجي. "ألم أخبركِ من قبل يا حور.. أن زمن صكوك العبودية قد ولى؟" نطق أدهم بكلماته بنبرة صوت رجولية دافئة، عميقة، تفيض بالاحتواء الرائد والعشق الصادق الذي لم تختبره يوماً في محراب الكيلاني. في ذات اللحظة، رن الهاتف المكتبي مجدداً، لياتي صوت المحامي المالي بنبرة تلهث فرحاً وذهولاً: "سيد أدهم.. لقد تم إحباط المكيدة بالكامل! خطتك الاستباقية نجحت؛ البنك المركزي رفض اعتماد الصفقة العدائية لأنك قمت بتحويل كافة أسهم المدام حور إلى 'أسهم ممتازة' مغلقة غير قابلة للتداول أو البيع إلا بموافقتها الشخصية المشروطة بـ 'حق الشفعة' ال

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل الحادي عشر: حصار النفوذ

    لم تكن النيران التي التهمت مخازن "أدهم الشافعي" سوى إعلان ماديّ عن بركان الغيرة السيكولوجية الهادر في صدر عاصم الكيلاني؛ فالرجل الذي اعتاد إخضاع السوق بنظرة من عينيه المظلمتين، لم يكن يرى في مئات الملايين المحترقة سوى ثمن بخس لكسر كبرياء المرأة التي تجرأت وصفعته أمام مجتمع المال والأعمال. وفي الصباح التالي للحريق، وداخل قاعة الاجتماعات الكبرى ببنك "العاصمة الدولي"—حيث الجدران المكسوة بأخشاب الماهوجني الفاخرة والنوافذ الزجاجية التي تطل على ناطحات السحاب—كان عاصم يجلس بكامل هيبته الأرستقراطية الطاغية، يرتدي حُلة سوداء كالحك الشديد، وعيناه الغائرتان المدممتان تلمعان ببريق الهوس والسيطرة التي بلغت ذروتها.كان يحيط به كبار المستشارين الماليين ورؤساء مجالس إدارة البنوك الحليفة، والذين كانوا يتبادلون نظرات الواجف المستكين أمام جبروت "ابن الكيلاني". وضع عاصم هاتفاً محملاً بأحدث تقارير البورصة فوق الطاولة البلورية الضخمة، ونظر إلى رئيس البنك التنفيذي بنبرة صوت رجولية جافة، رخامية، لا تقبل النقاش:"أريد شراء كافة الأسهم المطروحة لمشروع مجوهرات الشافعي الجديد.. لا يهمني الثمن، ضاعفوا ا

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل العاشر: ليلة العطر المتمرد

    رمقته حور ببرود تام، برود جليدي صلب خلع قلب الطاغية من موضعه. لم تهتز، ولم تظهر ضعف رئتها، بل نظرت في عيني عاصم المدممتين بنظرة خالية من أي أثر للحب القديم، وقالت بصوت رخامي هادئ، حاد كالشفرة استقر في أعماق كبريائه:"السيد عاصم أخطأ العنوان.. أنا لستُ جثتك المفقودة، ولستُ الدمية المطيعة التي تنازلت لك عن حياتها ذات ليلة تحت التهديد. حور التي كنت تمتلكها وتطردها في منتصف الليل قد ماتت ودُفنت في رماد قسوتك.. والمرأة الواقفة أمامك الآن هي شريكة أدهم الشافعي، المرأة التي سترى إمبراطوريتك تتهاوى كأوراق الخريف دون أن يرف لها جفن."وبحركة سريعة ومفاجئة تفيض بالكبرياء والأنوثة الثائرة، خلصت معصمها من بين أصابعه القاسية، وخطت خطوة للأمام دافعة صدره بيدها بنعومة قاتلة، تاركة إياه وحيداً في الشرفة يتجرع سم الهزيمة النرجسية بينما كان المطر يغسل دموع عجزها القديم التي تحولت الآن إلى نيران تحرق عرشه. (فلاش باك):بينما كانت حور تخطو عاجلة في ممرات الفندق الداخلية لتغادر ذلك الحصار النفسي المرير، اصطدمت خصلات شعرها الفاحم بنسمة هواء باردة محملة بعطر الياسمين البري النقي الذي ت

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل التاسع: صك النرجسية

    دلف عاصم إلى المكتب بخطواته المتسلطة، يرتدي ثوبه الحريري الأبيض البارد، وعلامات البرود والجفاء ترتسم على وجهه الوسيم الحاد. تقدمت نحوه بحماس طفولي، وعيناها الواسعتان تلمعان ببريق الرجاء، وقدمت له الدفتر قائلة بصوت متهدج من رقة المشاعر:"عاصم.. انظر، هذه تصاميمي الأولى للمجوهرات.. لقد سميتها 'أنفاس الحرية'. جازفت بصحتي ورئتي لأصنع شيئاً يليق باسمك، لعلنا نعلن زواجنا قريباً وتفتخر بي كمصممة أمام العالم.."لم يمد عاصم يده ليأخذ الدفتر بحنان، بل سحبه من بين أصابعها بجفاء ووعيد، وقلّب الصفحات بـ نظرة سريعة ملؤها الاحتقار والتهكم النرجسي. أطلق ضحكة ساخرة، باردة، نزلت على روحها كالصاعقة، ثم ألقى بالدفتر فوق الطاولة الخشبية الفخمة وقال بنبرة رخامية قاسية:"ما هذا العبث يا حور؟ هل تظنين نفسكِ مصممة حقاً؟ هذه الرسومات الرخيصة لا تصلح إلا لتكون ألعاباً للأطفال، ولا تليق بـ ذوق مجموعة الكيلاني الفاخرة. المرأة التي آتي بها من أزقة الفقر لتسكن قصوري، لا يحق لها أن تحلم بـ أضواء الشهرة أو تزاحم اسمي في السوق."انهمرت دموع الانكسار والمهانة على وجنتي حور الشاحبتين، وتقدمت خطوة تتوسل

  • لا تبك فوق قبري يا سيد عاصم   الفصل الثامن: المواجهة الأولى

    (فلاش باك): في غرفتها الفاخرة، كانت حور تتكئ برأسها على مسند المقعد المخملي، وعيناها الواسعتان تراقبان قطرات المطر التي تنساب على زجاج النافذة كدموع صامتة. ومع شهيقها الضعيف الذي كان يصاحبه ألم حاد في أعماق صدرها، انفتح سرداب مأساة الماضي، ليعيدها الذاكرة السيكولوجية إلى تلك الليلة الشتوية المريرة قبل عام ونصف في قصر الكيلاني.كانت حور تعاني من نوبة حادة جداً من التليف الرئوي، جسدها النحيل يرتجف تحت الأغطية، ووجنتاها شاحبتان كالموت، وسعالها المكتوم يمزق سكون الجناح الشرقي الموحش، مخلّفاً قطرات صغيرة من الدم على منديلها الأبيض. كانت في أشد حالات وهنها الوجودي، ترجو فقط بضع ساعات من النوم لتسترد أنفاسها الهاربة.وفجأة، دلف عاصم إلى الغرفة بكامل هيبته الأرستقراطية الطاغية، يرتدي حُلة رسمية سوداء فاخرة، وشعره مصفف بعناية، وعطره النفاذ يملأ الأرجاء دون مراعاة لاختناق رئتها. نظر إليها ببرود تام، وألقى فوق الفراش صندوقاً مخملياً كبيراً يحتوي على ثوب من الحرير الأبيض المرصع بالماس النادر."نهوضاً يا حور.. أمامك ساعة واحدة فقط لتكوني جاهزة"، قال عاصم بنبرة رخامية جافة، خالية

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status