로그인ثبتت سهى قدميها على الرصيف الحجري بصعوبة، بعدما تمايل القارب مع آخر موجة ارتطمت به. كان الضباب كثيفًا حتى إنها لم تستطع رؤية أكثر من بضعة أمتار أمامها، بينما لفحتها نسمة بحر باردة لم تتناسب أبدًا مع دفء صباح الصيف. استدارت نحو الرجل العجوز الذي أوصلها، محاولة أن تشكره على الرحلة، لكنها فوجئت به يفك الحبل بسرعة وكأنه كان مستعجلًا لمغادرة الجزيرة.
رفعت يدها وهي تناديه. "انتظر... أريد أن أسألك شيئًا!" رفع الرجل رأسه إليها للحظة، وكانت ملامحه أكثر شحوبًا مما كانت عليه أثناء الرحلة. "إذا كنتِ تستطيعين العودة... فلا تتأخري." لم يمنحها فرصة لتسأله عما يقصده. دفع القارب بعيدًا عن الرصيف بقوة، ثم أدار المحرك. خلال ثوانٍ قليلة ابتلعه الضباب، واختفى صوته شيئًا فشيئًا حتى لم يبقَ سوى هدير الأمواج وهي ترتطم بالصخور. وقفت سهى مكانها، تحدق في البحر الفارغ. لأول مرة منذ قررت المجيء، أدركت أنها أصبحت وحدها تمامًا. لا وسيلة للعودة، ولا شخص تعرفه في هذه الجزيرة الغريبة. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أدارت رأسها ببطء نحو القصر. كان يقف فوق تلة صخرية مرتفعة، شامخًا وسط الضباب، وكأنه خرج من إحدى الحكايات القديمة. جدرانه الحجرية الداكنة بدت متشققة بفعل الزمن، أما نوافذه الطويلة فكانت سوداء بالكامل، حتى إنها لم تستطع رؤية انعكاس الضوء عليها. شعرت للحظة أن القصر ينظر إليها... يراقب كل خطوة تخطوها. شدت حقيبة سفرها إلى صدرها، ثم بدأت تصعد الطريق الحجري المؤدي إليه. كان المكان ساكنًا على نحو مريب. لا زقزقة عصافير، ولا صوت رياح بين الأشجار، ولا حتى حركة أوراق. الصمت وحده كان يرافقها، صمت ثقيل جعل وقع خطواتها يبدو أعلى من المعتاد. كلما اقتربت من البوابة الحديدية، بدأت ترى أشخاصًا يقفون خلفها. واحد... اثنان... ثلاثة... سبعة. كانوا مصطفين في هدوء، وكأنهم كانوا ينتظرون وصولها منذ ساعات. لم يتحرك أي واحد منهم عندما اقتربت، بل اكتفوا بمراقبتها بنظرات مختلفة؛ بعضها فضولي، وبعضها بارد، وبعضها يحمل شيئًا لم تستطع تفسيره. توقفت على بعد خطوات منهم، وشعرت بانقباض غريب في صدرها. ساد صمت طويل، حتى خُيل إليها أن لا أحد منهم ينوي الكلام. ثم انفتح الباب الحديدي ببطء، مصدراً صريرًا حادًا اخترق السكون. خرج رجل مسن يرتدي بدلة سوداء أنيقة وقف أمامهم، ثم قال بصوت هادئ يحمل نبرة رسمية: "مرحبًا بكم... لقد اكتمل عدد الورثة." التفتت سهى إليه باستغراب. "الورثة؟" أومأ الرجل برأسه. "نعم... وأنسة سهى كانت آخر الواصلين." ساد صمت قصير، قبل أن يتقدم الشاب الطويل خطوة إلى الأمام. "إذن يمكن أن تبدأ الوصية أخيرًا." نظرت إليه سهى باستغراب. "أتعرفني؟" ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه. "لا... لكنني كنت أنتظرك." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، دون أن تعرف السبب. تحرك الرجل المسن ببطء، ثم فتح البوابة على مصراعيها، مشيرًا إليهم بالدخول. لم يتحرك أحد في البداية، وكأن الجميع ينتظر أن يخطو شخص آخر قبلهم. شعرت سهى بأن نظرات الغرباء السبعة تثقل كتفيها، فخفضت بصرها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تعبر البوابة. وما إن وضعت قدمها داخل حدود القصر حتى سمعت صوت البوابة الحديدية تُغلق خلفهم بعنف. التفتت بسرعة، فرأت الرجل المسن يسحب المزلاج الحديدي ويقفل الباب بسلسلة سميكة ومفتاح قديم، ثم أعاد المفتاح إلى جيبه بهدوء وكأن الأمر طبيعي. عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه باستغراب. "لماذا أغلقت البوابة؟" رفع عينيه إليها وأجاب بنبرة ثابتة: "هذه تعليمات السيد يوسف." تقدمت خطوة أخرى وهي تشعر بعدم الارتياح. "ومتى ستُفتح مجددًا؟" نظر إليها للحظات، ثم قال بصوت خافت لم يخلُ من الغموض: "عندما يسمح القصر بذلك."كان الطريق إلى الدار هادئًا أكثر مما ينبغي.سُهى لم تتحدث منذ خرجت من المكان.كانت تمشي إلى جانب آدم، بينما كان كريم وباقي المجموعة خلفهما.كل شيء كان يبدو طبيعيًا.لكن داخلها لم يكن هناك شيء طبيعي.كانت تفكر في أمها.في كل كلمة أخفتها عنها.في كل مرة حاولت فيها أن تمنعها من تذكر الماضي.وفي السؤال الذي ظل يطاردها منذ بدأت ذكرياتها تعود:لماذا هربت أمها بها؟ولماذا كانت مستعدة لفعل كل شيء حتى لا تعود سُهى إلى الجزيرة؟عندما وصلوا إلى الدار، دخلت سُهى بسرعة.كانت تتوقع أن تجد أمها في مكانها المعتاد.نادتها.«أمي؟»لم يجبها أحد.تقدمت أكثر.نادتها مرة أخرى.«أمي... أنا رجعت.»بقي المكان ساكنًا.شعرت سُهى بشيء ينقبض داخل صدرها.بدأت تبحث عنها في الغرف.ثم وصلت إلى غرفتها.كان الباب مفتوحًا.دخلت.توقفت.كانت أمها مستلقية على السرير، ساكنة تمامًا.اقتربت سُهى منها ببطء.«أمي؟»لم تجب.مدت يدها ولمستها.كانت باردة.تراجعت سُهى خطوة.لم تستطع أن تتنفس.ثم لاحظت شيئًا فوق الطاولة.ظرف أبيض.كان مكتوبًا عليه اسمها.سُهى.جلست أمام الطاولة وفتحت الظرف بيدين مرتجفتين.كانت الرسالة طويلة.بدأت ت
فتحت سُهى عينيها ببطء.كانت ما تزال على الأرض، وذراعاها ترتجفان من شدة التعب. للحظات لم تستطع أن تتذكر أين هي، ثم عادت إليها صورة الغرفة، والتعويذة، والضوء الذي ظهر أمامها.حاولت أن تنهض.هذه المرة شعرت بشيء مختلف.لم تعد الغرفة تضغط عليها كما كانت من قبل.رفعت رأسها ونظرت إلى الدائرة الموجودة على الأرض.كانت مكتملة.والطريق الذي حاولت فتحه مرتين أصبح مفتوحًا تمامًا.ثم سمعت أصواتًا.لم تكن قريبة.كانت تأتي من مكان بعيد، كأنها تعبر من خلال جدار غير مرئي.أصوات كثيرة.همسات متداخلة.ثم بدأ الضوء ينتشر داخل الغرفة.تراجعت سُهى خطوة.ظهر أمامها ممر من النور، وفي نهايته ظلال تتحرك ببطء.فهمت في تلك اللحظة أن التعويذة نجحت.كانت الأرواح عالقة في ذلك العالم، والآن أصبح بإمكانها الخروج.بدأت الظلال تعبر واحدًا تلو الآخر.لم تحاول سُهى إيقافها.وقفت فقط تراقب الطريق وهو ينفتح أمامها.كل روح كانت تعبر من خلال الضوء، ثم تختفي بعد أن تخرج من العالم الذي احتجزها.لم يكن هناك صراخ.لم تكن هناك مقاومة.فقط إحساس غريب بأن شيئًا ثقيلًا كان يغادر المكان للمرة الأخيرة.ومع مرور الوقت، بدأ الضوء يضعف.آ
وقفت سُهى أمام الكيان، تحدّق فيه دون أن تتراجع.كان وجوده يملأ الغرفة بشعور ثقيل، لكنها لم تعد تلك الفتاة التي دخلت المكان وهي لا تعرف شيئًا. الآن كانت تعرف اللغة، وتعرف أن هناك أرواحًا عالقة في مكان ما بين العالمين، وتعرف أن الطريق إليها موجود أمامها، حتى لو لم تستطع رؤيته بوضوح.بقي الكيان يراقبها.قالت سُهى:«أين الأرواح التي احتجزتها هنا؟»أجابها:«لن تجديها خلف باب، بل في العالم الذي فُتح بينكم وبينهم.»لم تقل شيئًا بعد ذلك.لم تكن تريد أن تسمع منه المزيد.خفضت نظرها إلى الأرض، حيث كانت العلامات القديمة ممتدة أمامها. بعضها كان واضحًا، وبعضها الآخر بدا وكأنه يتحرك قليلًا كلما حاولت التركيز عليه.وضعت يدها فوق أول علامة.في اللحظة التي لمستها، شعرت ببرودة شديدة تسري من أطراف أصابعها إلى ذراعها.أغمضت عينيها.بدأت الكلمات تظهر في ذاكرتها واحدة تلو الأخرى.لم تكن تتذكرها مثل درس قديم.كانت تعرفها.تعرف معناها ونطقها وترتيبها.كانت اللغة التي علّمها لها والدها خلال العامين اللذين قضتهما في هذا البيت.بدأت تنطق الكلمة الأولى.ثم توقفت للحظة.سمعت صوتًا بعيدًا، كأن أحدًا يناديها من مكان
بقيت سُهى واقفة في الممر.ثلاث طرقات.ثم صمت.لم تتحرك.كانت تحدق في الظلام أمامها، وكأنها تنتظر أن يتكرر الصوت.لكن القصر عاد إلى هدوئه الغريب.لم يكن هناك شيء سوى صوت أنفاسها.وضعت يدها على صدرها، وحاولت أن تهدئ قلبها.لقد عرفت منذ لحظة دخولها القصر أن هذا المكان لم يكن ينتظرها من أجل شيء بسيط.كل الطرق التي سلكتها منذ وصولها إلى الجزيرة، وكل الاختفاءات، وكل الكلمات التي ظهرت أمامها، كانت تقود إلى حقيقة واحدة لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد.رفعت عينيها نحو نهاية الممر.ثم بدأت تمشي.خطوة بعد خطوة.لم تكن تسمع أي صوت خلفها.وهذا أخافها أكثر من سماع الأصوات.كانت تشعر وكأن القصر يراقبها، لكنه هذه المرة لم يحاول خداعها.كأنه كان ينتظر أن تصل بنفسها.وصلت إلى نهاية الممر.هناك لاحظت شيئًا لم تره من قبل.درجًا حجريًا ضيقًا ينزل إلى الأسفل.وقفت أمامه.لم تتذكر وجوده في المرات السابقة التي كانت فيها داخل القصر.لكنها أدركت أن هذا المكان لم يكن يظهر لمن لا يعرف طريقه.فتحت الكتاب.كانت الصفحة التي ظهرت أمامها تحمل الرمز نفسه الذي رأته على الجدار.تأملته للحظات.ثم قرأت الكلمات الموجودة تحته.
تقدمت سُهى نحو الضوء.في البداية لم تشعر إلا بالبرودة.ثم اختفى الممر خلفها.فتحت عينيها ببطء.كانت واقفة أمام بوابة حديدية ضخمة.تجمدت في مكانها.لم تكن تحتاج إلى وقت طويل حتى تعرف أين هي.القصر.نظرت إلى البوابة، ثم إلى المبنى المرتفع خلفها.كل شيء كان ساكنًا.لا أصوات.لا حركة.ولا أثر لأي شخص.لكنها لم تشعر بأنها وصلت إلى مكان جديد.بل شعرت وكأنها عادت إلى مكان كان ينتظرها منذ البداية.اقتربت من البوابة.وضعت يدها عليها.كانت باردة بشكل غير طبيعي.دفعتها قليلًا.انفتحت بسهولة.توقفت سُهى.تذكرت كيف كان الجميع يحاولون فتح الأبواب في هذا المكان، وكيف كانت الأشياء ترفض أن تتحرك عندما لا تريد ذلك.أما الآن...فالبوابة فتحت لها.دخلت.خطت بضع خطوات في الساحة، ثم التفتت خلفها.لم يكن هناك أي أثر للطريق الذي جاءت منه.لا ضوء.لا جدار.لا فتحة.فقط الأشجار والظلام.تنفست ببطء.«يعني... رجعت للقصر.»قالتها وكأنها تحاول إقناع نفسها.واصلت السير.كانت الواجهة أمامها كما تتذكرها، لكن هناك شيء مختلف.المكان كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.وصلت إلى الباب الرئيسي.قبل أن تلمسه، انفتح وحده.تراجعت
بقيت سُهى وحدها في الغرفة.كان الكتاب أمامها، مفتوحًا على الصفحة التي توقفت عندها، بينما كانت عيناها تتحركان بين الرموز دون أن تشعر بالحاجة إلى ترجمتها.كانت تعرف معناها.لكن ما كانت تبحث عنه الآن لم يكن كلمة جديدة، ولا ذكرى أخرى.كانت تبحث عن طريق.طريق يخرجها من هذا المكان.رفعت رأسها ونظرت حولها.منذ أن وجدت نفسها هنا، كان كل شيء يشبه البيت الذي تعرفه، لكنه لم يكن ثابتًا.أحيانًا كان الممر يبدو أطول مما تتذكر.وأحيانًا كانت الأبواب تظهر في أماكن لم تكن موجودة فيها من قبل.حتى الضوء كان مختلفًا.كأن المكان نفسه لا يعرف إلى أي عالم ينتمي.عادت إلى الكتاب.قلبت عدة صفحات، ثم توقفت عند مجموعة من الرموز.كانت مرتبة بطريقة مختلفة عن بقية الكتاب.ثلاثة رموز في الأعلى، وتحتها سطر واحد.مررت إصبعها فوقها، ثم قرأت.تغير تعبير وجهها.لم تكن الكلمات تتحدث عن باب أو غرفة.كانت تتحدث عن الحد الفاصل.أعادت القراءة ببطء.ثم همست:«إذن... المخرج ليس مكانًا.»رفعت عينيها.«إنه نقطة.»بدأت تفكر في كل الأماكن التي تغيرت أمامها منذ وصولها.الممر.الغرفة.الجدران.الأصوات.ثم تذكرت شيئًا.كلما اقتربت من