로그인"خلف كل وجه مثالي، ثمة تصميم مزيف.. وخلف كل حقيقة، ثمة عمران عزام." في ليلةٍ مطرية، سقطت جُمان من حياتها القديمة كما تسقط ورقةٌ أخيرة من شجرة أنهكها الشتاء. أغلِق في وجهها بابٌ ظنّت أنه آخر ما تملك، لتفتح الأقدار أمامها بوابةً أخرى أشد فخامة… وأشد ظلمة حين أفاقت بين جدران قصرٍ يلمع كبريق الزجاج ويخفي هشاشته خلف البذخ، أدركت أن بعض الوجوه ليست بنعمة بل ربما تكون لعنة، وأن الشبه قد يصبح قيدًا لا يُرى. هناك، في عالمٍ تُقال فيه الحقائق همسًا وتُخفى الأسرار خلف نظرات باردة، وجدت نفسها ترتدي اسمًا لا يخصها، وتقترب من رجلٍ يشبه الليل في هيبته وغموضه؛ رجل لا يكشف ما يشعر به، لكنه يربك القلب كما يربك المصير. ومع كل خطوة، كانت الشقوق تمتد في القناع الذي ترتديه، حتى صار السؤال الأشد قسوة ليس: كيف تهرب؟ بل: ماذا لو كان الوجه الذي تخفيه هو الوجه الوحيد الذي تريد أن تُرى به؟
더 보기الفصل الأول "بعد التعديل "
كان المطر في تلك الليلة ينهال كالسياط, يغسل أذقة الحارة الضيقة من غبار النهار لكنه لم يستطع غسل الغضب المشتعل في صدر جُمان.
كانت تركض، وحقيبتها القماشية المهترئة تضرب جانبها وصوت صراخ والدها لا يزال يتردد في أذنيها
" إمشي يا جُمان ، اللي تكسر كلمتي ملهاش مكان في بيتي "!
اختلطت دموعها مع أعتى الليالي شتاءًا ، لم تكن تشعر بردُا ولا مطرًا ، بل كان بقلبها ما يكفي من نيران الخذلان التي سحبت من كل شيء حولها قيمته!
تسير وتسير تضرب الأرض بقدمين أهلكهما التعب، وعينان مثبتتان على اللا شيء, فراغ , وظلام دامس كذلك الذي يغوص بأعماقها ... وحينما ألح عليها كبرياؤها وأنّت كرامتها لهيئتها المبعثرة، توقفت عند ناصية الشارع الرئيسي ، تلهث والماء يقطر من خصلات شعرها المبللة على وجهها الشاحب ثم رفعت رأسها لتصطدم عينيها بسيارة سوداء انبثقت من العدم كأنها شبح معدني تسد عليها الطريق ، لملمت شتات نفسها وأدركت خطورة موقفها ، ظلام دامس ، ليلة شتوية داكنة ، شوارع فارغة وسيارة ضخمة يخرج منها رجلين بملابس سوداء وملامحهما خطرة لدرجة دبت الرعب في قلبها .
إدعت اللا مبالاة وتنحّت بنفسها قليلا فاقترب أحدهما يقول بلهجة إحترام وحزم في وقت واحد
": ميرا هانم ، من فضلك كفاية لعب تحت المطر ، ويلا نرجع القصر "
برقت عينيها بإستغراب والخوف ما زال يحوم بداخلها فنطقت بتلعثم حاولت أن تخفيه
": ميرا هانم مين ؟! شكلك غلطان"
:" من ميرا ؟! يبدو أنك مخطيء "
أشاحت بيدها وحاولت تجاوزه بأرجل متخبطة فوقف قبالتها يسد عليها الطريق وهو يقول
": لو سمحتى ميرا هانم ، اتفضلى معانا بهدوء ومفيش داعي للمشاكل "
زاد الخوف بقلبها ولكنها أجلت صوتها قائلة
": هو في هانم بالشكل دة يا بني آدم إنت ! أنصحك تلبس نضارة لإن عندك مشكلة في النظر"
حاولت التمسك بزمام الخوف حتى لا تقع فريسة سهلة ثم أزاحته بيدها وهي تقول
": يلا عديني ، وروح دور على الهانم بتاعتك دي بعيد عني "
لم يتزحزح من مكانه ولكنها شعرت بظل ضخم آخر يطبق على أنفاسها ،ففغرت عيناها بصدمة ورعب ورائحة مخدر نفاذة قضت على الباقى من وعيها وبدأ العالم يدور من حولها وتلاشت أضواء الشارع الخافتة شيئا فشيئا فأخذت تهمم قبل أن يتملك منها الضياع
": أنا مش ميرا "!
سريعًا ما سُحبت داخل جوف السيارة المُظلم التى إنطلقت بسرعة البرق ، تاركة خلفها وحل الحارة ، وحقيبة جُمان القماشية ملقاة على الأرض .. الحقيبة التي كانت تحمل هويتها الحقيقية ، وكل ما يثبت أنها كانت موجودة يومًا والتى دعسها إطار السيارة ليمسح "جُمان " من الوجود .
الفصل الأول :
كان أول ما شعرت به هو البرد .. ليس برد المطر الذي مزق جسدها في الشوارع قبل ساعات ، بل كان بردًا ناعمًا وقاسيًا في آنٍِ واحد، يتسلل إلى عظامها ببطء كأنها مستلقية داخل قبرٍ مغطى بالحرير. استفاقت " جُمان " على ملمس حريري بارد ورائحة بخور عود فاخر تخنق أنفاسها .
فتحت عينيها بصعوبة لتجد سقفًا مرتفعًا تتدلى منه ثريا ضخمة كأنها قطعة من السماء ، تتدلى كأنها نصل مسلط فوق رأسها . ستائر عاجية طويلة تتحرك ببطء مع هواء المكيف البارد ، وغرفة أوسع من البيت الذي عاشت فيه طول عمرها.
حاولت النهوض ، لكن رأسها كان يئن تحت تأثير المخدر . اتسعت عيناها بذهول وهي تحدق حولها كأنها سقطت داخل حلم لا يخصها ، الآن فقط تذكرت !
الظلام الحالك ، السيارة المعتمة و رجال في ملابس سوداء، واسم لا يخصها أبدًا كذلك المكان الذي استيقظت فيه للتو .
طرقات خافتة و دخول هاديء يتناسب مع طيبة قلب صاحبته ، دخلت إمرأة في أواخر الخمسينات ، ملامحها هادئة بشكل مريب ، ترتدي ثوبًا رماديًا أنيقًا ، وشعرها الفضي مصفف بعناية .
ألقت صوفيا نظرة سريعة على جُمان ثم اتجهت إلى الستائر تنحيها جانبًا كاشفة عن نوافذ ضخمة انبثق النور من خلالها ثم قالت
:" صباح الخير ، ميرا هانم "
مجددًا، تلك الحروف التي رسمت لها كابوسًا منذ الأمس. اعتدلت في جلستها وقالت بتحفز
": أنا مش ميرا ! أقسم بالله مش هي "
دققت صوفيا النظر فيها ثم تحركت بهدوء إلى ممر في جانب الغرفة كأن ما قالته الأخرى لا يعنيها، عادت تحمل ملابس
أنيقة وقالت بإبتسامتها الهادئة
": حضرتلك الملابس اللي بتحبيها ، هجهزلك الحمام ، شكلك محتاجة حمام دافيء ميرا هانم "
وكأنها تريد استفزازها عندما تتفوه بهذا الإسم ، فإنتفضت جُمان من نومتها ونفضت عنها غلالة الخوف ، ثم استدعت شراسة الحارة التي خبأتها تحت جلدها ، وقفت على قدمين أرهقها الزمان و صوت لم يعتد الخنوع فقالت بغضب مكتوم
:" أنا جُمان ، اسمي جُمان "
تأملتها صوفيا بإهتمام وذلك العنفوان الذي يطل من عينيها غريب لا يمت لميرا بأي صلة !
نفضت هذا عن عقلها وتحدثت بلباقة ومهادنة
": طيب تمام ، نسيبنا من دة دلوقتي، ايه رأيك تغيري الهدوم المبلولة دي "
سألت جُمان وسؤال حائر يصطدم بعقلها و استخدمت ذكاءها ، فهدأت من روعها قليلا حين أدركت ان الصراخ لن يفتح لها الأبواب المؤصدة ، وعليها أن تكتشف سبب وجودها هنا بنفسها.
": مين ميرا ؟ وايه وجه الشبه اللي بيني وبينها علشان تنادوني بإسمها ؟!
لم تجد ردًا وكانت علامات الدهشة مرسومة على ملامح تلك السيدة التي تبدو لبقة أكثر مما ينبغي !
التفتت بعيناها تبحث عن مخرج ، فوقع نظرها على صورة ضخمة بإطار مذهب. هنا .. سقطت الحروف من ذاكرتها ، فاقتربت من البرواز بخطوات واهنة ، رفعت يدها لتلمس تلك الصورة وهي تدقق النظر .. نفس تقويسة الحاجب ، رسمة العينين التي ورثتها عن أمها كما يخبرها والدها دومًا!
التفتت إلى صوفيا تسألها بأحرف تخشى الإجابة
:" مين دي ؟!"
رددت صوفيا و هي تدقق النظر فيها
:" دي إنتِ ميرا هانم "
تمتمت جُمان لنفسها بعدم تصديق
:" معقول! دي البنت اللي بتنادى بإسمها من إمبارح !"
مدت يدها بإرتجافة واضحة تلمس إطار الصورة المذهب ، فلمحت كف يدها .. هناك عند الندبة الصغيرة ، أثر جرح قديم من طفولتها في زقاق الحارة ، جرح يعرفُه الفقر ولا تعرفه رفاهية القصور !
نظرت إلى يد ميرا في الصورة ، كانت أناملها مخملية ، خالية من أي أثر للحياة القاسية . في تلك اللحظة لم تدرك جُمان أن هذا التطابق لم يكن صدفة وان الفارق الوحيد بينهما هو تاريخ محفور تحت الجلد.
إنها هي ولكن في إطار مختلف لم تحلم به يومًا . همست لنفسها بتوهان
:" إزاي يكون في شخصين ملامحمهم متطابقة بالشكل دة ؟!"
هنا استدارت نحو صوفيا وعزمت أن تعلم السر وهي تشعر أن هذه السيدة تعلم الكثير عن سبب وجودها .
تحدثت بهدوء واثق وهي تنظر في عينيها مباشرة
:" تمام ، أنا هعمل اللي إنتِ عايزاه .. حمام دافيء ، هدوم من الغالية "
تابعتها صوفيا بنظرة ثاقبة تقرأ خلف ما هذا الهدوء المفاجيء وقالت
:" تمام وبعدين ؟!"
إبتسامة جانبية خافتة شقت ثغرها الجميل فتابعت جُمان وهي تشدد على حروفها مسترجعة صلابة ابنة الحارة الكامنة في أعماقها
:" تقوليلي مين ميرا دي ؟ وإيه سبب الشبه الغريب اللي بيني وبينها دة .. والأهم بقى أنا هنا ليه ؟"
كانت جُمان ثابتة والذكاء يشع من عينيها كشرارات تتحدي برودة الغرفة . وقبل أن تفتح صوفيا فمها لتجيب اخترق سكون الغرفة صوت وقع خطوات ثقيلة ومتحكمة ، خطوات رجل يعرف تمام أن الأرض تحت قدميه ملك له .
توقفت الخطوات خلفها مباشرة ، تجمد جسد جُمان للحظة ورائحة عطر رجالي حاد يمتزج فيه التبغ بخشب الصندل تخترق حواسها ، فشعرت بقشعريرة باردة تزحف على طول ظهرها قبل أن يصلها صوته.
جاء صوته حادًا مفعما بسخرية مريرة وجارحة
:" بس إنتِ اللي لازم تقوليلنا الحقيقة يا ميرا .. امتى اتعلمت التمثيل المبهر دة والستايلست بتاعتك المرة دي تفوقت على نفسها بصراحة ، شابوه بجد"
التفتت جُمان ببطء ، لم يكن مجرد رجل دخل الغرفة ، بل كان هو سيد المكان الذي انحنت له الجدرات قبل البشر ، رائحته التي مزجت رصانة خشب الصندل وتمرد التبغ كانت تحاصره بهالة من السلطة المفرطة . وحين نطق لم يكن صوته مجرد كلمات ، بل كان صرير باب يُغلق على حريتها ، يرمي في وجهها اتهاماته ببرود يجمد الدماء وكأنه يراقب مسرحية هزلية يظن أنها بطلتها !
حين التقت عينيهما ، لم تكن في نظرته رغبة في الاطمئنان بل هناك نصلا حادًا من الشك ، هو يرى وجه ميرا لكنه للمرة الأولى يرى بريقًا لم يعهده ، شرارة ابنة الحارة التي لا تعرف الانحناء ، نظرة جعلته يتوقف للحظة وكأن ملامحها المألوفة تهمس بغة غريبة لا يفهمها ، والروح التي تسكنها جاءت من عالم مختلف تمامًا !
ابتسم ابتسامة باردة بالكاد لامست شفتيه ، ثم قال بصوت خفيض حمل من التهديد أكثر مما حمل من الكلمات
:" أهلا برجوعك يا ميرا "
فتحت صوفيا الباب ودخلت الغرفة مجدداً، لم تكن جُمان على الفراش، بل كانت تجلس فوق مقعد وارف بجوار النافذة الضخمة، تسند رأسها الثقيل إلى الزجاج البارد لعله يطفئ النيران التي تنهش جبينها. كان الفستان الحريري الناعم الذي يخص "ميرا" يتدلى حول جسدها الشاحب، وبدت فيه كقديسة أسيرة تنتظر حكماً بالإعدام.لم تتحدث صوفيا، بل بدأت تتحرك في الغرفة بنشاط وهدوء مدروس. اتجهت أولاً إلى خزائن الملابس الضخمة، فتحت ضلفاتها الفخمة لتنبعث منها رائحة عطر فرنسي ثقيل وخاص، وبدأت تخرج قطعاً محددة من الملابس، والأحذية ذات الكعوب العالية، ثم اتجهت إلى طاولة الزينة المرصعة بالمرمر، والتقطت صناديق المخمل التي تحوي مجوهرات ميرا، وزجاجات عطرها، وحتى ألبومات صورها الصغيرة.نثرت صوفيا كل تلك الأشياء على الفراش الكبير الواسع، وكأنها تفكك جثة امرأة لتعيد تركيبها من جديد. التفتت إلى جُمان وقالت بصوت دافئ حنون يترفق بمرضها: —طلبتك شاي سخن بالليمون علشان تخفي أسرع ، ودلوقتي ابعدي عن الشباك اللي بيدخل هواء بارد وتعالي هنا لو سمحتي لم تتحرك جُمان، بل سألتها بنبرة مبحوحة وعيناها معلقتان بالفراغ: - ايه كل الحاجات دى ؟تقدمت ص
الفصل الثالث " قناع من حرير"طرقات خافتة شقت السكون حولها , سباتها الذي لم يكن هادئًا ابدًا بل كان متعبًا لدرجة أنهكتها , عناء طويل وتفكير طيلة ليل في حياتها المقبلة وما ستؤول اليه الأمور في هذا المكان الذي لا يشبهها , ماذا عن والدها !هل يبحث عنها ؟أم ترك أمرها للأبد ؟!هل المال كان أهم منها ! أم كانت مخطئة عندما إختارت أن تنسحب بكرامتها قبل أن يهدرها ذلك الوغد الذي كانت تعمل معه في المكتب. كانت تتحمل سماجته لأنها تعمل بمهنة التصميم الجرافيكي التي تحبها ،ولم يكن وصلت به الحماقة إلي حد الوقاحة و الدهس على كرامتها بهذا الشكل ، وحينما فعل ، تركت كل شيء حولها و إنهالت عليه بشظاياها الجارحة لم تأبه بخسارة عملها الذي تحبه ولا مصدر الدخل الأساسي لها ولوالدها الذي لا يعمل وهي على علم بأن والدها سيثور عندما يعلم بما فعلت ، وكانت على صواب فقد أجبرها والدها على الخروج من البيت وعدم العودة إلا بعد الحصول على عمل بأي طريقة كانت!رفعت رأسها بثقل فرأت صوفيا تدخل بإبتسامة هادئة وتلقى تحية الصباح:"صباح الخير "أرخت رأسها مرة أخرى وهي تشعر بالدوار يجوب بوعيها, كحة خافتة صدرت من صدرها فإنتبهت لها ص
الفصل الثاني " رقصة فوق نصل الحقيقة"أصبحت الغرفة خالية تماما بعد ان خرج عمران وصوفيا وتركاها وحدها لا تفهم شيئا, وحدها مع تلك الصورة التي تحمل نسخة أخري منها ..إقتربت منها بخطى متعثرة تتأملها مرة أخري , تشبهها لدرجة مخيفة .لمحت مراه صغيرة لها يد مزخرفة بزخارف ذهبية تشبه التي تحيط الصورة المعلقة علي الحائط .تناولتها بأيد مرتجفة تتأمل ملامحها مرة أخري ربما أخطأت وربما تجد حلا لهذا اللغز!أخذت نظراتها تجوب بين تلك الصورة و إنعكاس ملامحها في المرآة .لم يزدها الأمر سوي حيرة تفوق حيرتها التي ألجمتها أمام ذلك الشخص الذي لا تعلم حتى إسمه!دققت النظر بعين خبيرة في التصميم , عملها الذي تعشقه ويبدو أنها لن تعود له مجددا .لحظة !ثمة أمر مختلف ثمة فرق لا يظهر في خطوط الوجه بل فيما يسكن روحها,تلك النظرة الباردة المتعالية التي تحملها صاحبة الصورة التي تدعى "ميرا" , لا تتطابق بأي شكل من الاشكال مع نظرة عينيها !تلك النظرة التي تحمل خوفًا وكبرياء يرفض الخضوع.لكن كيف تثبت هذا ! كيف تثبت شيئًا لا يُري! كيف تقنع ذلك الغامض المخيف أن ثمة إختلاف قوي بينهم , كيف تقنع من لا يريد أن يري الحقيقة , هو ف
الفصل الأول "بعد التعديل "كان المطر في تلك الليلة ينهال كالسياط, يغسل أذقة الحارة الضيقة من غبار النهار لكنه لم يستطع غسل الغضب المشتعل في صدر جُمان.كانت تركض، وحقيبتها القماشية المهترئة تضرب جانبها وصوت صراخ والدها لا يزال يتردد في أذنيها" إمشي يا جُمان ، اللي تكسر كلمتي ملهاش مكان في بيتي "!اختلطت دموعها مع أعتى الليالي شتاءًا ، لم تكن تشعر بردُا ولا مطرًا ، بل كان بقلبها ما يكفي من نيران الخذلان التي سحبت من كل شيء حولها قيمته!تسير وتسير تضرب الأرض بقدمين أهلكهما التعب، وعينان مثبتتان على اللا شيء, فراغ , وظلام دامس كذلك الذي يغوص بأعماقها ... وحينما ألح عليها كبرياؤها وأنّت كرامتها لهيئتها المبعثرة، توقفت عند ناصية الشارع الرئيسي ، تلهث والماء يقطر من خصلات شعرها المبللة على وجهها الشاحب ثم رفعت رأسها لتصطدم عينيها بسيارة سوداء انبثقت من العدم كأنها شبح معدني تسد عليها الطريق ، لملمت شتات نفسها وأدركت خطورة موقفها ، ظلام دامس ، ليلة شتوية داكنة ، شوارع فارغة وسيارة ضخمة يخرج منها رجلين بملابس سوداء وملامحهما خطرة لدرجة دبت الرعب في قلبها .إدعت اللا مبالاة وتنحّت بنفسها قليلا