Share

لا شيء ينخر العظام كالشوق
لا شيء ينخر العظام كالشوق
Author: فرح السكينة

الفصل 1

Author: فرح السكينة
ظل ساري صامتا زمنا طويلا.

طال صمته حتى غرست ليال أظافرها في كفها، وتركت فيها آثارا دامية.

قال أخيرا بصوت منخفض: "لا. لم يحدث ذلك أبدا."

وفي لحظة، تحولت دموع سهى إلى ابتسامة. وقفت على أطراف أصابعها وقبلت شفتيه. ظلّت يد ساري معلقة في الهواء، ثم هبطت ببطء في النهاية إلى خصرها، ليعمق تلك القبلة.

وقفت ليال غير بعيد عنهما، وشعرت في تلك اللحظة كأن السماء انطبقت على الأرض.

إذا كان لم ينس سهى قط، فما الذي كانت تمثله هي إذن؟!

"بيب..."

أفاقها صوت البوق الحاد. أدارت رأسها مرتجفة، فرأت ثلاث سيارات مايباخ سوداء تقف على جانب الطريق، ونزل منها الإخوة الثلاثة من عائلة النبهاني ببدلات أنيقة.

"هل أنهيتما تسجيل الزواج؟ لقد حجزنا مطعما للاحتفال."

ارتجف جسد ليال كله.

هؤلاء هم إخوتها الذين أعدوا لها الفطور بأيديهم هذا الصباح...

"أخي راكان! أخي مهاب! أخي كنان!" اندفعت سهى باكية إلى أحضانهم، وقالت: "ظننت أنكم لن تعترفوا بي بعد الآن..."

تبادل الإخوة الثلاثة النظرات، وبدت على وجوههم مشاعر معقدة. وفي النهاية، مد كنان النبهاني يده وربت على شعرها قائلا: "يا حمقاء صغيرة، منذ طفولتك وأنت تثيرين المتاعب، وفي كل مرة كنا نحن من نتولى معالجة ما تتركينه وراءك، أليس كذلك؟"

تحولت دموع سهى إلى ابتسامة. أمسكت بأذرع إخوتها الثلاثة كما كانت تفعل في صغرها.

صعد الأربعة إلى السيارة في أجواء دافئة وسعيدة. ولم ير أحد منهم ليال الواقفة على الجهة المقابلة من الطريق، ووجهها شاحب كالورق.

لمّا اختفى موكب السيارات عن ناظريها، تعثرت ليال واستندت إلى جذع شجرة. خدش لحاء الشجرة الخشن ذراعها، لكن ذلك الألم لم يكن يساوي واحدا من عشرة آلاف مما في صدرها.

منذ طفولتهما، كانت سهى دائما محط أنظار الجميع ومدللتهم.

مع أنهما توأمان، لم يكن الإخوة الثلاثة يرون إلا سهى.

عندما كانت ليال ترقد في فراشها محمومة بحرارة عالية، كانوا يرافقون سهى إلى مدينة الملاهي.

وفي يوم عيد ميلادها، انتظرت وحدها حتى عمق الليل، بينما كانوا جميعا يحتفلون بعيد ميلاد سهى.

أحبت ساري سرا لعشر سنوات، لكنها لم تستطع إلا أن تراه بعينيها وهو يتقدم لخطبة سهى.

كانت تظن يوما أن لا أحد يحبها، وأن هذا هو قدرها.

حتى ذلك الزفاف قبل خمس سنوات—

هربت سهى بفستان زفاف ثمنه الملايين، ورحلت مع شاب منحرف إلى مكان بعيد.

فقدت عائلتا النبهاني واليافعي ماء الوجه، وغضب إخوتها الثلاثة حتى أعلنوا في المكان نفسه: "من اليوم فصاعدا، لن تكون لنا أخت سوى ليال!"

في تلك الليلة، اقتحم ساري غرفتها وهو ثمل.

ثبتها إلى الجدار، ومرر أصابعه على وجهها، ثم قال بعينين غائمتين من السكر: "أنت وهي... متشابهتان جدا."

ثم أخذ خاتم الزواج الذي كان يجب أن يوضع في إصبع سهى، وألبسه في بنصرها.

"بما أنها هربت، فتزوجيني أنت بدلا منها، أرجوك."

كانت تعرف جيدا أنه لا ينبغي لها أن توافق، لكنها كانت تحبه أكثر مما ينبغي.

خلال هذه السنوات الخمس، دللها ساري حتى صارت أكثر امرأة تغبطها المدينة كلها.

في مزاد علني، أنفق مالا طائلا فقط ليحصل لها على عقد من الماس الأزرق لأنها أطالت النظر إليه مرة واحدة. وحجز مطعم الطابق العلوي في برج إيفل، وجعل سماء المدينة تضيء بالألعاب النارية من أجلها. وفي كل ليلة كانت تستيقظ فيها مفزوعة من كابوس، كان يترك اجتماعا دوليا ويضمها إلى صدره، ويهدئها بصوت خافت.

حتى إخوتها الثلاثة تغيروا.

كان أخوها الأكبر راكان النبهاني يظهر كل يوم في موعد ثابت أسفل شركتها، لا يمنعه مطر ولا ريح؛ وكان أخوها الثاني مهاب النبهاني يتذكر أنها تتحسس من المأكولات البحرية، حتى إنه كان يفحص التوابل بعناية؛ أما أخوها الثالث كنان، فكان يسهر ليساعدها على تعديل تصاميمها، ويقول مبتسما: "أمور ليال في عائلتنا تأتي قبل كل شيء."

صدقت بسذاجة أنها أخيرا أصبحت محبوبة.

حتى هذا اليوم، حين عادت سهى.

وعندها، كان حب الجميع كمد البحر حين ينحسر، انسحب من حولها في لحظة.

نظرت ليال إلى السيارات التي ابتعدت، وفجأة ضحكت.

كان ضحكها خافتا في البداية، ثم أخذ يعلو شيئا فشيئا. ضحكت حتى انحنت، وضحكت حتى راحت دموعها الكبيرة تتساقط على الأرض. كان المارة يلتفتون إليها واحدا بعد آخر، لكن لم يعرف أحد لماذا تبكي هذه الفتاة الجميلة بكل هذا الحزن.

اتضح أنها طوال هذه السنوات لم تكن إلا سارقة.

لقد سرقت الحب الذي كان في الأصل من نصيب سهى. والآن عادت صاحبته الحقيقية، أما هي، مجرد البديلة، فقد حان وقت خروجها من المشهد!

"بما أنكم جميعا لا تحبون سواها..." أخذت نفسا عميقا. وكأن يدا قاسية تعتصر قلبها بعنف حتى كادت تختنق من شدة الألم، "فأنا أيضا لا أريدكم بعد الآن!"

مدت يدها وأوقفت سيارة أجرة، ثم قالت للسائق: "إلى المركز الدولي لصفقات الجزر الخاصة."

بعد نصف ساعة، دفعت الباب الزجاجي الثقيل، وقالت لموظفة الاستقبال: "مرحبا، أريد شراء جزيرة غير مأهولة."

بدت الدهشة واضحة على موظفة الاستقبال للحظة، لكنها سرعان ما استدعت المدير.

كان المدير رجلا في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، وتلمع في عينيه فطنة واضحة.

"الآنسة ليال، الجزيرة غير المأهولة التي اخترتها مميزة جدا. صحيح أن مناظرها جميلة، لكنها بلا إشارة، ولا خطوط ملاحة تصل إليها، وحتى أقرب سفينة تموين لا تذهب إليها إلا مرة كل ثلاثة أشهر."

توقف قليلا، ثم قال: "بمجرد أن تقرري الانتقال إلى تلك الجزيرة، فهذا يعني أنك ستنعزلين عن العالم، وتختفين تماما. هل أنت متأكدة من أنك تريدين شراءها؟"

"أنا متأكدة."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 22

    كانوا ما زالوا يتمسكون بوهمهم، ويريدون طلب مسامحتها.كانت الهدايا تصل إلى ليال كالسيل، ثم تعاد إليهم من جديد.نظر يامن إلى الطريقة التي كانت ترمي بها تلك الهدايا إلى الخارج، فلم يستطع منع نفسه من الضحك.قال: "المشروع الذي أعمل عليه هنا سينتهي قريبا. هل ترغبين في أن ترافقيني إلى مدينة الساحل؟"توقفت حركة ليال لحظة."يامن، هل تحبني حقا؟""ألن تمانع حقا كل ما مضى من حياتي؟"نظر إليها يامن بعينين ثابتتين رقيقتين، وقال: "ليال، أنا رجل بالغ. أستطيع أن أميز بين الحب والامتنان. أنا معجب بك، أحبك، وأريد أن أحميك.""أما ما مررت به في الماضي، فلن يجعلني إلا أتألم من أجلك، وأندم لأنني لم ألتق بك في وقت أبكر."كان يامن رجلا رائعا في سعيه إليها؛ يهتم بكل شيء، ويضع في كل كلمة شيئا من العناية.أما ليال، فقد تجاوزت منذ زمن مرحلة احتياجها إلى حب عاصف صاخب، قائم على عهود لا تتغير حتى الموت. أما هذا الاهتمام الهادئ المختبئ في التفاصيل، فكان أكثر ما يعلق في قلبها ولا تستطيع نسيانه."يامن، لنعد معا إلى مدينة الساحل."وقبيل رحيلهما، جاء ساري للبحث عن ليال.خلال هذه الفترة، كان قد ازداد هزالا وذبولا، وكأن جسد

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 21

    أمام كل ما فعلوه، لم تشعر ليال إلا بالاشمئزاز."هناك كلام قلته بوضوح شديد من قبل. لا أريد أن أكون أختا في عائلة النبهاني بعد الآن، ولا أريد أن أكون زوجة ساري. أريد فقط أن أكون ليال.""ظهوركم أمامي الآن لا يثير فيّ إلا الاشمئزاز."حين سمعوا كلامها، ظهرت على وجوههم ملامح الحزن."ليال، نحن نعرف حقا أننا أخطأنا. كل هذا كان بسبب سهى، ولهذا ارتكبنا تلك الأخطاء."سخرت ليال، ثم رفعت ذراعها."هنا، عضتني الأفعى السامة التي وضعتها سهى في علبة الهدية. ولأنكم رفضتم علاجي، كدت أموت. وبسبب أثر السم، ما زال ذراعي يؤلمني أحيانا بألم عصبي."ثم نظرت إلى راكان، وأشارت إلى ظهرها، وقالت كلمة كلمة:"وعلى ظهري، بسبب اتهام كاذب لفّقته سهى ومثلته بنفسها، عوقبت بمائة جلدة. وحتى الآن، ما زالت الندوب هناك لا تزول."ثم أشارت إلى صدرها، "وساري، أنت صدمتني بسيارتك وكسرت ثلاثة من أضلاعي. وكلما هطل المطر، عاد الألم من جديد.""وهنا، على معصمي، هذه الندوب التي لا تختفي، تركتها الحبال الخشنة حين ربطتموني بأيديكم عند حافة الجرف."كان جسدها ممتلئا بندوب كبيرة وصغيرة. وكل ندبة منها تحمل ذنبهم."أنا أيضا أريد أن أنسى. تلك الذ

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 20

    لم تتكلم ليال، وساد الصمت بينهما.ظل ساري يحدق فيها، آملا أن يجعلها اعترافه هذا تلين ولو قليلا.قالت وهي تهز رأسها: "ساري، لماذا تفعل هذا بنفسك؟" ثم رفضته بلا أدنى مجاملة: "ينبغي أن تعرف أنه لا يوجد في هذا العالم دواء للندم.""ولو كان هناك دواء للندم، فأكثر ما أندم عليه هو أنني ولدت في عائلة النبهاني. ثم يأتي بعد ذلك زواجي منك قبل خمس سنوات."لم تكن ليال تريد أن تواصل التشابك معه. "ساري، حين عُلقت على حافة الجرف، كنت قد مت مرة بالفعل. اعتبر الأمر كذلك، ودعني وشأني، حسنا؟"أرادت أن تستدير وترحل، لكن ساري أمسك معصمها."لا، ليس حسنا، ليال. أنا أخطأت حقا، وندمت حقا. ألم يكن أكثر ما تتمنينه دائما أن تتزوجيني؟ عودي معي، وسأذهب معك إلى مكتب الشؤون المدنية لنسجل زواجنا رسميا، حسنا؟"كلما قال مثل هذا الكلام، ازداد اشمئزاز ليال منه.وفي اللحظة التي لم تستطع فيها الإفلات منه، امتدت يد وحررت معصمها من يد ساري.التفتت ليال، ولمع في عينيها ضوء خافت، وجاء صوتها بشيء من المفاجأة السعيدة:"يامن، كيف أتيت إلى هنا؟"قال: "هناك مناقصة لمشروع في هذه المنطقة، فجئت من أجلها. وصادف أن قابلتك بالقرب من هنا."ن

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 19

    في هذه الفترة، ظلت ليال تسافر بين أماكن مختلفة، إلى أن استقرت أخيرا في مدينة حدودية تشتهر بالزهور.كانت ليال تتجول في الشارع بلا هدف، وترفع الكاميرا بين الحين والآخر لتلتقط بعض الصور."ليال!"حين سمعت من ينادي اسمها، التفتت ليال لتنظر.مع أنه لم يكن سوى ظل باهت، فإنها عرفته من النظرة الأولى. كان ساري.لم تستطع إلا أن تقطب حاجبيها. لقد طال الوقت منذ رأت أي شخص له علاقة بساري، حتى كادت تنسى كل شيء.لم تفهم ليال. ما دام لا يحبها، وما دامت هي قد رحلت من تلقاء نفسها، فلماذا ما زال يطاردها ويتشبث بها؟كلما فكرت في ساري، تذكرت تلك الأيام التي عاشتها في عائلة النبهاني.كان الطقس هنا دافئا، ولم يؤلمها موضع كسر أضلاعها منذ زمن طويل.لكن ما إن رأت ساري، حتى عاد ألم تلك الجراح القديمة ليتقلب في صدرها من جديد.أسرعت ليال خطواتها لتغادر، وفصلتها الجموع والأزقة عن ساري.أما ساري، ففي اللحظة التي رأى فيها ليال، كاد لا يصدق عينيه. ثم اجتاحته فرحة هائلة.إنها لم تمت، ليال ما زالت حية!ظنت ليال أن الأمر لم يكن سوى لقاء عابر، لكنها لم تتوقع أن يظهر ساري في اليوم التالي عند باب النزل الذي تقيم فيه.حين رأت

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 18

    بعد أن جاء يامن إلى هنا، تغيرت حياة ليال فعلا كثيرا.في السابق، كانت تشعر دائما كأن جزءا من قلبها فارغ.لكن بعد أن جاء يامن، صار الاثنان يتحدثان أحيانا. وحتى إن لم يتكلما، كان يأتي إلى جانبها ويقف معها قليلا.وضعت ليال يدها على صدرها، فاكتشفت أن ذلك الشعور السابق بالفراغ والضياع لم يظهر منذ وقت طويل.وفي تلك اللحظة فقط، أدركت ليال فجأة أن السبب في شعورها بأن جزءا من قلبها فارغ، هو أن الهدوء كان شديدا حين تكون وحدها.فالإنسان كائن اجتماعي. وما دام إنسانا، فسيميل إلى الجماعة. وإن ابتعد عن الجماعة طويلا، فسيشعر بالوحدة حتما.كانت قد فكرت يوما في أن تقضي ما تبقى من حياتها على هذه الجزيرة النائية الخالية من الناس، لكن ليال غيرت رأيها الآن.لقد مرت أشهر، لابد أنهم نسوها بالفعل.وما دامت قد "ماتت" مرة، فلم يعد هناك داع لأن تقسو على نفسها أو تظلمها بعد الآن.عند هذا الخاطر، لم ترفض ليال اقتراح يامن.قالت: "سأغادر غدا أيضا. لكن لا داعي لأن ترافقني في جولة. نحن مجرد غريبين جمعتهما الصدفة، وبعد أن نخرج من هنا، لا داعي لأن نلتقي مرة أخرى.""أما عن رد جميل إنقاذك، فإن كنت تريد حقا أن ترد لي هذا الج

  • لا شيء ينخر العظام كالشوق   الفصل 17

    كانت ليال قد عاشت على هذه الجزيرة المنعزلة عدة أشهر. وباستثناء سفينة التموين التي تأتي أحيانا، لم يكن في هذا المكان أحد تقريبا.لم يكن يرافقها كل يوم سوى ريح البحر المالحة، وطيور بحرية تمر أحيانا خارج نافذتها.كانت أيامها وحدها هادئة إلى حد لا بأس به. في البداية، كانت ليال تتذكر أحيانا ما عاشته في عائلة النبهاني. ثم بدأت تنسى ذلك شيئا فشيئا، كأن تلك الذكريات غير السعيدة دُفنت في مكان بعيد.كل ما حدث بينها وبين عائلة النبهاني، وبينها وبين ساري، بدا كأنه وقع في حياة سابقة.نظرت ليال إلى تحذير الإعصار المنشور على هاتفها، ثم أغلقت أبواب ونوافذ الفيلا الواقعة في قلب الجزيرة، وجلست تنتظر انقشاع السماء.وكان يوما مشمسا نادرا بالفعل.نظرت ليال إلى السماء الصافية التي لا غيمة فيها، فخطر لها أن تخرج للتنزه.كانت مياه البحر هنا زرقاء جدا. وكثيرا ما كانت ليال تشعر كأنها وصلت إلى نهاية العالم.وفجأة، لفت شيء على الشاطئ البعيد انتباهها.سارت إليه، فاكتشفت رجلا منكمشا على الرمال.كان مبتلا بالكامل، والرمال تحته ملطخة بالدم. لا بد أن إعصار الليلة الماضية حمله إلى هذه الجزيرة.قرفصت ليال، وتفقدت حالته،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status