LOGINكان وسيم يقود سيارته القديمة ببطء على الطريق الإسفلتي الخالي، بينما كان صوت المحرك يتردد في سكون الليل المظلم. لم يكن من عادة وسيم القيادة في هذا الوقت المتأخر وفي هذا الطريق المهجور المحاذي للغابة، لكنه اضطر لذلك بعد أن أمره مديره في الشركة التي يعمل بها أن يأخذ آخر طلبات اليوم ويقوم بتوصيلها لزبون تأخر في تسلمها من البلدة المجاورة.
كان الإرهاق يثقل كاهله، ورغبته الوحيدة هي الوصول إلى بيته الهادئ للراحة، حتى شق نور كشافات سيارته حافة الطريق الترابي و التمع شيء على رصيفه. في البداية، ظن أن النور انعكس على كتلة صخور، لكنه عندما اقترب، تباطأت حركته وهو يرى هيئة فتاة تنكمش على رصيف متهالك. ترجل بحذر؛ فالمكان معزول تماماً، وتواجد فتاة بمفردها هنا كان أمراً غير عادي. وعندما نظرت إليه ملامحها الشاحبة وعيناها البنيتان الواسعتان، شعر بوخزة غريبة في قلبه. لم يكن في عينيها مكر، بل رعب خالص و براءه جعلته يتخلى عن كل شكوكه. همست بصوتها الفاتن و أخبرته أنها ضلت الطريق، فلم يستطع تركها في هذا الظلام، و أخذها إلى بيته الريفي. خلال الأيام الثلاثة التالية، شعر وسيم بأن بيته البسيط قد تغيرت أجواؤه تماماً. منذ وفاة والديه،. كان المنزل يبدو فارغاً، لكن وجود ميلا أضفى عليه دفئاً لم يألفه منذ سنوات. لم يضغط عليها بأسئلة؛ فقد خمن أنها تريد أن تهرب من ماضٍ قاسي، ففضل أن يمنحها الأمان أولاً، يعود إليها كل يوم بكتاب أو زهرة برية أو كوب شاي ساخن. مر يومان وهي مازالت في منزله وقت احس انها بدأت تشعر بالآمان فقرر التحدث معها ليفهمها اكثر وفي مساء اليوم الثالث، وبينما كان المطر يقرع النوافذ، جلس معها في صالة المنزل على أريكة بنية قديمة و أخرج وسيم ألبوم الصور القديم، وأراها صور والديه اللذين علماه أن البيت يعتمد على الدفء لا الجدران. وبعد حديث دافئ دار بينهما لاحظ أنها تجهل معظم الاشياء المنزل واكثر ما اثار استغرابها كانت كمرته القديمة الموضوعه على طاولة الصالة فحمل وسيم كاميرته القديمة ووضع يد ميلا الباردة على زر التصوير ليعلمها، التقطت الصورة وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة ورائعة ثم انجرف وسيم بعد تلك اللحظة الدافئة، وشعر برغبة عارمة في احتضان هذا الجمال التائه بين يديه. تلاقت أعينهما في صمت عميق، ولم تبتعد ميلا؛ بل استسلمت للمشاعر المتبادلة بينهما في تلك الليلة الماطرة. تقربا من بعضهما في لحظة صادقة غاب فيها الخوف، ونامت في حضنه ليلة كاملة شهدت على امتزاج عالمين مختلفين، واستقرت في أحشائها نطفة جديدة لم يكن يتخيل أحدهما وجودها. انسحب وسيم إلى غرفته بعد ذلك متمنياً أن تكون قد وجدت أمانها الأبدي معه. لكن في منتصف الليل، استيقظ فجأة على ضوء أحمر خافت ومريب يتسلل من تحت باب غرفته. ظن في البداية أنه حلم، لكن الضوء كان يزداد شدة ويتحرك على الجدران. نهض بخطوات ثقيلة وحذرة، وسار نحو غرفة الجلوس بخوف يتسلل إلى صدره. وما إن وصل إلى العتبة ونظر نحو النافذة، حتى تجمد الدم في عروقه وتوقف عن التنفس؛ كانت ميلا تقف هناك، وينبعث من جسدها العاري وهج أحمر غريب ، بينما تتشكل على بشرتها خطوط ووسوم مضيئة كأنها عروق من نار. تراجع خطوة إلى الخلف من شدة الذهول، وفي تلك اللحظة احست بوجوده واستدارت ميلا ، لتلتفت عينها بعينيه في صدمة أنهت كل شيء.❦ ما وراء الكلمات ❦بقي باسل للحظات طويلة يحدّق في الجملة الأخيرة.لم يتحرك.كانت كلمات زيراثا ما تزال أمام عينيه، واضحة في شكلها، لكنها تحمل معنىً أبعد من قدرتهم على الفهم.«لم أستطع كسر العهد... لكنني عرفت كيف يمكن أن ينتهي.»أعاد قراءتها بصمت مرة أخرى.ثم أغلق المذكرات ببطء.صدر صوت خافت حين أُطبقت الصفحات القديمة، وكأن الكتاب نفسه كان يرفض أن تنتهي قصته عند هذه النقطة.وضعه باسل أمامه على الطاولة.ولم يتحدث أحد.ظل الأربعة جالسين في صمت داخل الغرفة القديمة، بينما كانت آثار الكلمات التي قرأوها أثقل من أي جواب.كانت مارا تنظر إلى المذكرات، تحاول ترتيب كل ما سمعته.دم يحمل جهتين.حجر شهد بداية العهد.باب يفصل بين عالمين.وعهد بدأ بالحماية ثم تحول إلى استعباد.لكن كلما حاولت جمع الكلمات معًا، شعرت بأنها تبتعد أكثر.قالت بهدوء:«زيراثا لم تترك لنا حلاً... تركت لنا أجزاء من شيء أكبر.»رفع باسل نظره إليها.«بالضبط.»أشار إلى المذكرات.«لم تكن تريد أن تعطينا الإجابة كاملة. كانت تعرف أن كيان لو وجدها قد يفهمها قبلنا.»أخذ فارس نفسًا عميقًا.ثم قال:«لكن بعض الجمل لا تزال عالقة في رأسي.»نظ
وتجمّدت أصابع باسل قبل أن يقلب الورقة الأخيرة؛ بقي للحظات يحدّق في طرفها، وكأن شيئًا داخله يخبره أن ما سيقرأه لن يكون مجرد كلمات أخرى في مذكرات زيراثا.ثم قلب الصفحة... كانت مختلفة تمامًا.لم يكن فيها شرح، ولا أسماء، ولا تواريخ؛ فقط رموز قديمة مرسومة في أعلى الورقة، وتحتها كلمات كُتبت بحبر داكن، رغم أن الورقة نفسها بدت أقدم من الصفحات السابقة.وفي منتصفها، كتبت زيراثا:«إلى من يصل إلى هنا...لا تبحث عن نهاية العهد في السيوف، ولا في النار، ولا في قوة أقوى من قوة كيان.فالعهد الذي حُفظ بالخوف لا يسقط بالقوة وحدها، بل يعود إلى أصله حين يُفهم ما كان عليه قبل أن يُشوَّه.»توقف باسل لحظة، ثم تابع:«كان هناك دم... دمٌ يحمل جهتين، ولا تعترف به جهة كاملة، ولا تنكره الجهة الأخرى. دمٌ يحمل أثر طريقين، دون أن ينتمي إلى أحدهما وحده.فإن سألتم: أي الدمين هو الأصل؟ فاعلموا أن السؤال نفسه خاطئ؛ فما اجتمع في دمٍ واحد... لا يحتاج إلى أن ينفصل ليُثبت أصله، وما انقسم يومًا... قد يجتمع من جديد.»قطّب باسل حاجبيه.قال مازن:ـ هذا لا يشبه نبوءة.أجاب فارس بصوت خافت:ـ بل يشبه شيئًا أقدم من النبوءات.تابع با
❦ سر الكاهن ❦لم تكن الصفحة التالية تشبه ما سبقها.كانت الورقة أقدم، وحوافها متآكلة، بينما بدا الحبر باهتاً في بعض المواضع، كأن الزمن حاول محو الكلمات قبل أن تصل إلى أحد.قلب باسل الصفحة بحذر.ثم ظهرت جملة في منتصف الورقة.قرأها بصوت منخفض:«إذا وصلت هذه المذكرات إلى أحد بعدي، فاعلموا أنني كنت الوحيدة التي عرفت الحقيقة كاملة.»تبادل باسل ومارا النظرات.تابع القراءة.«عرفت من يكون كيان.»«ليس كما أخبر أهل لازومارا.»«وليس كما أرادهم أن يعتقدوا.»توقفت أنفاس مارا.قال فارس:«شيطان مارد..»لم يجب باسل.كانت عيناه تنتقلان بين السطور بسرعة.«عرفت أصله قبل أن يصبح كاهناً.»«وعرفت أن الحاجز لم يظهر بإرادته وحدها.»«وعرفت أن القوة التي يستخدمها ليست ملكاً له بالكامل.»توقّف قليلاً.ثم قرأ:«إنها قوة العهد القديم.»ساد الصمت.قال مازن:«العهد مع والديه؟»قلب باسل الصفحة.كانت الكلمات التالية أشد غموضاً.«منذ سنوات، ظننت أن كيان يحمي العهد.»«لكنني اكتشفت الحقيقة متأخرة.»«كيان لم يكن يحميه.»«كيان هو أحد من ارتبطوا به واستغلوه.»رفع باسل عينيه.كان في وجهه شيء من القلق.تابع:«كلما استخدم كيان
❦ لعنة الهاربين ❦قلب باسل الصفحة التالية ببطء.كانت الكتابة أكثر اضطراباً هذه المرة.بدت الحروف وكأنها كُتبت على عجل، وبعض الكلمات امتدت فوق السطور كأن صاحبتها لم تكن تملك وقتاً لتتوقف.قرأ باسل:«عرف كيان بأمر الهاربين.»توقفت أنفاس مارا للحظة.تابع:«في البداية، لم يرسل أحداً خلفهم.»«ولم يحاول إيقافهم عند الحاجز.»قال مازن:«إذن تركهم يرحلون؟»هز باسل رأسه، وعيناه ما زالتا على الصفحة.«هكذا ظنوا.»«كانوا يعتقدون أن كيان فهم أخيراً أن زمن الحاجز قد انتهى.»«لم يعرفوا أنه كان ينتظرهم.»نظر فارس إلى مارا.كانت تحدق في المذكرات بصمت.ثم تابع باسل القراءة:«وصلوا إلى الحاجز في الليل.»«كان عددهم كبيراً.»«بعضهم حمل أطفاله.»«وبعضهم لم يحمل سوى أشياء قليلة، لأنه كان يؤمن أن العالم الخارجي ينتظرهم.»«وقفوا أمام الحاجز لأول مرة دون خوف.»«ثم عبر أولهم.»توقف باسل.رفع عينيه إلى الآخرين.قال:«هنا تبدأ اللعنة.»عاد إلى الصفحة.«ما إن تجاوزوا الحاجز حتى تغيّر كل شيء.»«لم يكن كيان بحاجة إلى الاقتراب منهم.»«رفع يده فقط.»«وفجأة، شعر الهاربون بأن شيئاً يطاردهم من الداخل.»«توقفت خطواتهم.»«ح
❦ عندما تغيّر العالم ❦قلب باسل الصفحة التالية ببطء.كانت الكتابة مختلفة.أكثر هدوءًا من الصفحات السابقة، لكن ذلك الهدوء لم يكن مطمئنًا.قرأ:«مرت سنوات طويلة.»توقف قليلاً، ثم تابع:«لم أعد أحصي عددها.»«في البداية، كنت أظن أن العالم سيبقى كما كان عندما صنعت لازومارا.»«كنت أظن أن البشر سيواصلون مطاردتنا، وأن الخوف منهم لن ينتهي.»«ولهذا صدّق الجميع أن الحاجز سيبقى ضرورياً إلى الأبد.»رفعت مارا عينيها عن الصفحة.قالت:«هل تغير العالم؟.»أومأ باسل، وعاد إلى القراءة.«لم يتغير عالمنا وحده.»«في الخارج أيضاً... كانت أشياء كثيرة تتغير.»«بدأت الأخبار تصل إلينا بطرق متفرقة.»«في البداية، لم يصدقها أحد.»«قيل إن الحروب انتهت في بعض الأماكن.»«وإن الأراضي التي كان يُطرد منها الناس أصبحت تحكمها قوانين جديدة.»«وإن الذين كانوا يُعاملون على أنهم أقل من غيرهم أصبح لهم الحق في الحماية.»توقف باسل.قال فارس:«بعد كل تلك السنوات؟»أجاب باسل:«يبدو أن الأمر احتاج إلى وقت طويل.»ثم تابع:«بدأ الاستعمار يتراجع.»«وسقطت أنظمة كانت تقوم على إخضاع الناس.»«ظهرت قوانين تمنع الاضطهاد، وتحمي من كانوا بلا ص
❦ سقوط زيراثا ❦قلب باسل الصفحة ببطء.كانت الأوراق التالية أكثر اصفرارًا من سابقاتها، وبعض أطرافها أصبحت هشة، وكأن السنوات الطويلة لم تمر على لازومارا وحدها، بل مرّت على هذه المذكرات أيضًا.بدأ يقرأ:«مرت سنوات أخرى.»«كنت أظن أنني سأبقى قادرة على حماية القرية ما دمت موجودة، لكنني لم ألاحظ أن الزمن كان يأخذ مني قوتي شيئًا فشيئًا.»سكت باسل للحظة.ثم تابع:«كبرت.»«ولم تعد يداي كما كانتا من قبل.»«أصبحت الطقوس التي كنت أنجزها بسهولة تحتاج مني إلى وقت طويل، وبعضها لم أعد قادرة على إتمامه مهما حاولت.»نظرت مارا إلى الصفحة.قالت بهدوء:«بدأ سحرها يختفي.»أومأ باسل.«يبدو ذلك.»وعاد باسل إلى القراءة:«ولم يكن ضعفي هو الشيء الوحيد الذي تغير.»«الشياطين الذين كانوا يساعدونني بدأوا بالابتعاد.»«في البداية، كان بعضهم يأتي بين الحين والآخر.»«ثم أصبحوا يكتفون بإرسال رسائل قصيرة.»«وبعدها... لم يعودوا يأتون أبداً.»توقفت زيراثا عن الكتابة قليلاً.ثم كتبت:«كنت أعرف السبب.»«كيان.»رفع فارس عينيه وقال.«كانوا يخافون منه.»قال باسل:«نعم.»ثم تابع:«كانت قوته قد تجاوزت ما كنت أتوقعه. لم يعد مجرد ا







