Home / المدينة / لازومارا / Chapter 1 - Chapter 10

All Chapters of لازومارا: Chapter 1 - Chapter 10

61 Chapters

ما حدث مع ميلا

كانت برودة الأرض الحجرية تتسلل عبر حذائها النحيل، لتسري في جسدها كقشعريرة لا تنتهي. لم تكن ميلا تسمع صدى قطرات الماء المتساقطة من سقف الكهف فحسب، بل كانت تسمع دقات قلبها وهي تتسارع داخل صدرها كطبول تحذيرية حادة. وقفت في مقدمة الصف، محاولة قدر الإمكان ألا تظهر ارتجاف يديها أو اضطراب أنفاسها. كانت تعلم أن عين الكاهن كيان الصفراء الغائرتين لا تغفلان عن أصغر التفاصيل، وأن أي إشارة ضعف قد تكلفها الكثير. وعندما ارتفع صوته الخشن المجوف وهو يتحدث عن الحاجز السحري وعن دماء الغرباء التي تجدد حياته، شعرت ميلا بضيق شديد في تنفسها، وكأن الهواء حولها تحول إلى عبء ثقيل يكتسح رئتيها. لم يكن الخوف من المهمة المجهولة فقط هو ما يعصر قلبها، بل تلك النظرات المظلمة التي تخيم على أرجاء القاعة. كانت نظرات الحسد الصامت تبدو جلية في عيون المشوهين الواقفين عند أطراف الكهف، وهم يراقبون أجساد السلالة النقية بشوق وحسرة. وإلى جوارها، كانت تشعر بحضور آريا الثقيل، و تلك النظرة الحادة الحاقدة التي أطلقتها نحوها. رمقت آريا بطرف عينها للحظة قصيرة؛ كانت آريا تقف بثبات يشبه الصخر، واثقة ومستعدة، بينما كانت ميلا تشع
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

ما فعلته آريا

كانت برودة الكهف تسري في المكان، لكن آريا لم تشعر بتلك القشعريرة التي جعلت أجساد بقية أفراد السلالة النقية ترتجف. وقفت بكتفين مستقيمين وقامة مستقيمة، ترسل نظراتها الثابتة نحو الكاهن كيان، وكأنها تلتهم كل كلمة تخرج من صوته الخشن المجوف. لم تكن ترى في كلامه عن اللعنة وحاجة الحاجز لدماء الغرباء مجرد تهديد أو عبء ثقيل، بل فرصة ذهبية لإثبات قوتها وانتزاع السيطرة التي تستحقها والتقرب من الكاهن. كانت تدرك جيداً أن النفوذ في لازومارا لا يُمنح للضعفاء أو للذين تسيطر عليهم المشاعر. وفي تلك اللحظة بالذات، حوّلت عينيها العسليتين الحادتين نحو ميلا الواقفة إلى جوارها. كانت تراقب اضطراب أنفاسها، وارتجاف يديها الخفيف، ونظرة الخوف التائهة في عينيها البنيتين. ارتسمت على شفتي آريا ابتسامة خفيفة تحمل مزيجاً من السخرية والتحدي؛ فبالنسبة لها، لم تكن ميلا سوى عقبة تنافسها عبر رقتها و ملامحها البريئة لذالك كان يجب إزاحتها عن الطريق. كانت آريا تشعر بالغيرة تحرق صدرها كلما رأت نظرات الاهتمام تتوجه نحو ميلا بسبب جمالها الهادئ ووداعتها. كانت تفكر في سرها: "البرود والضعف لن يحميا لازومارا، وميلا ستفسد كل شي
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

الفصل 2

❦ اللقاء الأول عند حدود العالمين ❦ في تلك الليلة، كانت السماء فوق الطريق الإسفلتي الخالي، المحاذي للغابة المظلمة، ملبدة بغيومٍ حجبت ضوء القمر، فلم يبقَ سوى خيوطٍ باهتة تتسلل بين الأشجار الساكنة. خرجت ميلا من أطراف الضباب بخطواتٍ مترددة... توقفت للحظة، وأغمضت عينيها وهي تستنشق هواء العالم الخارجي لأول مرة. كان مختلفاً... أخفَّ، أنقى، وخالياً من تلك الرائحة الثقيلة التي التصقت بأنفاسها منذ ولادتها في لازومارا. تقدمت حتى جلست على رصيفٍ متهالك بمحاذاة الطريق الترابي، تضم يديها إلى صدرها، وتبدو بكل براءتها كفتاةٍ ضلّت طريقها في ليلةٍ موحشة. لم تكن تحتاج إلى التمثيل كثيرًا... فداخلها كان الخوف حقيقيًا. مرّت دقائق ثقيلة، لم يُسمع خلالها سوى صفير الريح بين الأشجار... وفجأة... شقَّ سكون الليل ضوء كشافي سيارةٍ قديمة، أخذ يقترب شيئاً فشيئاً حتى تباطأت السيارة وتوقفت بمحاذاتها. فُتح الباب، وترجل منها شاب في أواخر العشرينيات. كانت ملامحه هادئة، يرتدي معطفاً بسيطاً، وفي عينيه دفءٌ صادق سبق كلماته. وما إن وقعت عيناه على الفتاة الجميلة الجالسة وحدها في ذلك المكان المقفر، حتى ارتسم القلق على
last updateLast Updated : 2026-07-30
Read more

الفصل 3

❦ ثلاثة أيام في المنزل ❦ مرّت الأيام الثلاثة بهدوءٍ لم تألفه. كان وسيم يخرج صباحاً لإنهاء أعماله، ثم يعود حاملًا معه شيئاً جديداً يريها إياه: مرةً كتاباً، ومرةً زهرةً برية وجدها على الطريق، وأحياناً يكتفي بأن يدعوها لمشاركته كوباً من الشاي عند غروب الشمس. لم يكن يحاول استجوابها، ولم يُشعرها يومًا بأنها عبءٌ ثقيل، كان يريد التعرف عليها وعلى قصتها وكلما سألته عن السبب، كان يجيبها بابتسامة بسيطة: «لا أظن أن الإنسان يحتاج إلى سببٍ ليساعد إنساناً آخر.» كانت تلك الجملة، على بساطتها، تهز شيئاً في أعماقها... ففي لازومارا، لم يكن أحد يقدم شيئاً دون ثمن. وفي مساء اليوم الثالث، كان المطر يقرع زجاج النوافذ بهدوء، بينما انتشرت رائحة الشاي الساخن في أرجاء المنزل. جلس وسيم قبالتها، ثم مد يده إلى رفٍ خشبي صغير، وأخرج ألبوماً قديمًا غطاه الغبار... مسح الغلاف بكفه، وابتسم ابتسامة امتزج فيها الحنين بالألم. فتح الألبوم برفق، فظهرت صورة لرجلٍ وامرأة يبتسمان أمام منزلٍ ريفي... مرر أصابعه فوق الصورة وكأنه يخشى أن تتلاشى: «هذان والداي...» ساد صمتٌ قصير، ثم تابع بصوتٍ خافت: «رحلا منذ سنوات... لكن
last updateLast Updated : 2026-07-30
Read more

ما رآه وسيم

كان وسيم يقود سيارته القديمة ببطء على الطريق الإسفلتي الخالي، بينما كان صوت المحرك يتردد في سكون الليل المظلم. لم يكن من عادة وسيم القيادة في هذا الوقت المتأخر وفي هذا الطريق المهجور المحاذي للغابة، لكنه اضطر لذلك بعد أن أمره مديره في الشركة التي يعمل بها أن يأخذ آخر طلبات اليوم ويقوم بتوصيلها لزبون تأخر في تسلمها من البلدة المجاورة. كان الإرهاق يثقل كاهله، ورغبته الوحيدة هي الوصول إلى بيته الهادئ للراحة، حتى شق نور كشافات سيارته حافة الطريق الترابي و التمع شيء على رصيفه. في البداية، ظن أن النور انعكس على كتلة صخور، لكنه عندما اقترب، تباطأت حركته وهو يرى هيئة فتاة تنكمش على رصيف متهالك. ترجل بحذر؛ فالمكان معزول تماماً، وتواجد فتاة بمفردها هنا كان أمراً غير عادي. وعندما نظرت إليه ملامحها الشاحبة وعيناها البنيتان الواسعتان، شعر بوخزة غريبة في قلبه. لم يكن في عينيها مكر، بل رعب خالص و براءه جعلته يتخلى عن كل شكوكه. همست بصوتها الفاتن و أخبرته أنها ضلت الطريق، فلم يستطع تركها في هذا الظلام، و أخذها إلى بيته الريفي. خلال الأيام الثلاثة التالية، شعر وسيم بأن بيته البسيط قد تغيرت
last updateLast Updated : 2026-08-04
Read more

دفءٌ مسروق

❦ دفءٌ مسروق ❦عندما أغلقت ميلا باب سيارة وسيم، وابتعدت المركبة ببطء عن حدود الغابة، بقيت عيناها معلقتين بخط الضباب الأبيض الذي أخذ يتلاشى خلفهما شيئًا فشيئًا، حتى ابتلعته العتمة تمامًا. شعرت بانقباضٍ مؤلم في صدرها؛ فلم تكن تعرف إن كانت تهرب من المصير الذي وُلدت من أجله، أم تسير بإرادتها نحو خطيئةٍ قد تجر على لازومارا كارثة لا تُغتفر.كان الهواء داخل السيارة مختلفًا عن كل ما عرفته في حياتها. دافئًا، نقيًا، يحمل رائحة المطر وأخشاب الصنوبر، لا رائحة الرطوبة والعفن التي التصقت بأنفاسها منذ ولدت في أعماق الجبل. ظلت تراقب العالم خلف النافذة بصمت، وكل طريقٍ يبتعد بها عن الضباب كان يزرع داخلها خوفًا جديدًا... وخيطًا خفيًا من الفضول.وصلت إلى منزل صغير تحيط به أشجار الصنوبر وسياج خشبي قديم، تتراقص على نوافذه قطرات المطر تحت ضوء مصباحٍ أصفر دافئ. لم يكن بيتًا فخمًا، لكنه امتلأ بحياةٍ لم تعرفها من قبل؛ ستائر تتحرك مع النسيم، رائحة خبزٍ طازج تتسلل من المطبخ، وصور عائلية تزين الجدران، كأن أصحابها ما زالوا يبتسمون لمن يدخل المكان.خلال اليومين التاليين، بقيت ميلا تراقب وسيم بحذر. كانت تنتظر أن يسق
last updateLast Updated : 2026-08-06
Read more

الفصل 4

❦ لحظات تحبس الأنفاس ❦ ساد صمتٌ ثقيل يُشبه حشرجة الأنفاس الأخيرة... كان كلٌ منهما ينظر إلى الآخر، وكأن بينهما عالماً كاملا انهار في لحظة بينما ازداد التوهج الأحمر الخارج من جسدها العاري وترددت أصداء أنفاسهما المتسارعة في أرجاء المكان المظلم، وقطع وسيم الصمت أخيرًا، بصوتآ مرتبكاً وتائهاً. وسيم: «ميلا... ما... هذا؟» لم تجب... خفضت رأسها، وأسرعت تشد أكمام ثوبها محاولةً إخفاء الوسوم المشعة، لكن الضوء الفسفوري الساطع كان يزداد وضوحاً ليفضح السر الخبيث. اقترب منها خطوة، ونظرات الشك والاندهاش تتصارعان في عينيه: «من أنتِ؟ منذ ثلاثة أيام وأنا أحاول أن أقنع نفسي أن وراء صمتكِ قصةً مؤلمة... لكن ما أراه الآن، لا أستطيع تفسيره. هل كنتِ تكذبين علي؟» هزت ميلا رأسها بسرعة، وكأنها تختنق بحسرتها: «لا...» لكن صوتها خرج مكسوراً خافتاً، وكأنه لم يقنع حتى صاحبه. ظل وسيم ينظر إليها طويلًا... ولم يتحرك، كانت الحيرة والذهول وحدها تملأ ملامحه المشدودة. أما هي... فكانت تسمع صوت الكاهن يتردد كالحديد في رأسها: «من يعبر الضباب... لا يعود. السر فوق الجميع. بقاء القرية... قبل كل شيء.»، شعرت بقلبها يض
last updateLast Updated : 2026-07-30
Read more

الفصل 5

❦ قناع الثلج على المذبح ❦ حين استعاد وعيه... كان مقيداً بسلاسل معدنية باردة فوق المذبح الحجري الصُلب، وثقل الظلام يضغط على صدره. اشتعلت المشاعل الفسفورية فجأة من حوله، فارتسمت ظلال الوحوش وأقنعة الصخر على الجدران الرطبة، كأنها كوابيس أسطورية خرجت لتوهها من أعماق الأرض وتنفست الخوف في أرجاء المكان. رفع رأسه بصعوبة بالغة وهو يشعر برأسه يغلي، كانت القاعة المعتمة مكتظة بأهل لازومارا بوجوههم الشاحبة الصامتة، وفي مقدمتهم وقف الكاهن كيان بعباءته الثقيلة، وعيناه تشرقان ببريق صفراوي مرعب. وعلى يمينه كانت آريا تراقبه بابتسامةٍ باردة وقاسية تجردت من أي رحمة... أما أمامه مباشرة، وعلى بعد خطوات معدودة، فوقفت ميلا. رفع بصره إليها بضعف وشوق، وكأن وجودها وحده هو القشة الأخيرة القادرة على تفسير هذا الكابوس وشق سكون الموت: وسيم: «ميلا... ما هذا المكان؟ قولي أي شيء...» لكنها بقيت صامتة كالصنم. كانت ملامحها جامدة كالصخر الصم: لا دموع تتوسل... لا خوف يكسر النظرة... ولا حتى ارتجافة واحدة في جسدها المنهك. لو رآها غريب، لظن أنها لم تعرف هذا الرجل يومًا، وأن قصة الحب الثلاثية الأيام لم تكن إلا خيالاً
last updateLast Updated : 2026-07-30
Read more

الفصل 6

❦ أثر على الطريق ❦ في العالم الخارجي البشري، كانت أضواء المدينة تتلألأ وتنعكس فوق الأسفلت المبتل تحت زخات المطر الخفيف، بينما خيّم صمتٌ ثقيل ومريب على مبنى الشركة الهادئ التي يعمل بها وسيم. مرّت ثلاثة أيام كاملة على اختفائه المفاجئ. ثلاثة أيام بلياليها الطويلة... دون اتصالٍ يطمئن القلوب، أو رسالةٍ نصية خاطفة، أو حتى عذرٍ طارئ يبرر هذا الغياب الذي أشعل التساؤلات في الوجوه. لم يكن ذلك التصرف يشبه وسيم أبدًا... فمنذ أن عرفه باسل قبل سنواتٍ طويلة وسارا معاً في دروب الحياة، لم يتأخر وسيم يومًا واحدًا عن عمله، ولم يختفِ بتلك الطريقة الغامضة التي تترك خلفها ألف علامة استفهام. كان أكثر الموظفين التزامًا وانضباطاً، وأكثرهم حرصاً على إنهاء كل تفصيلة صغيرة قبل موعدها المحدد، حتى أصبح حضوره اليومي بابتسامته الهادئة أمرًا بديهيًا لا ينتبه إليه أحد... إلا عندما غاب، وترك مقعده الخالي يصرخ بالصمت. في اليوم الأول، حاول باسل أن يطرد الأفكار السوداء، وأقنع نفسه بابتسامة متكلفة بأن صديقه المقرب ربما اضطر للسفر العاجل دون إعلام أحد، أو تعرض لظرفٍ عائلي مفاجئ شغله عن العالم. وفي اليوم الثاني، ب
last updateLast Updated : 2026-07-30
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status