Home / التشويق / الإثارة / لب الجنون / ليس هنالك من يشبهني 4

Share

ليس هنالك من يشبهني 4

last update publish date: 2026-08-25 00:11:18

كانت أسينات تقود سيارتها بسرعةٍ معتدلة، تدندن بهدوء مع المقطوعات التي يبثها الراديو، بينما تتنقل بين المحطات بين الحين والآخر.

وكلما مرت بإحدى القنوات الإخبارية، سمعت اسمها يتردد على ألسنة المذيعين وهم يتحدثون عن حفل عيد ميلادها، وعن الشخصيات البارزة التي ستحضره.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة ، ثم عادت تدندن مع الموسيقى.

وما زاد مزاجها صفاءً ، أن الطريق كان على غير عادته؛ خاليًا إلا من سياراتٍ قليلة تفصل بينها مسافات طويلة، حتى خُيّل إليها أن المدينة بأكملها قد تنحت جانبًا لتترك لها الطريق.

بعد دقائق، اقتربت من تقاطعٍ تتوسطه إشارة مرور ما تزال تضيء باللون الأخضر.

استغلت اللحظات القليلة، فرفعت مرآة السيارة الصغيرة، وعدلت أحمر شفاهها بعناية، متأكدةً أن مظهرها لا يزال كما أرادته.

ولهذا...

لم تنتبه إلى السيارتين اللتين كانتا تتبعانها منذ بداية الطريق.

تقدمتا بهدوء حتى أصبحتا بمحاذاتها، واحدة عن يمينها، والأخرى عن يسارها، وكأنهما تتعمدان تضييق المسافة عليها.

كانت نوافذهما داكنة السواد...

ولم يكن بالإمكان رؤية من يجلس في داخلهما 

انتظرت أسينات حتى تغيرت إشارة المرور، ثم انطلقت من جديد، وما زال مزاجها الرائق يرافقها.

لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا.

فجأة، اندفعت السيارة التي كانت تسير إلى يمينها، واقتربت منها بعنف حتى كادت تلامس هيكل سيارتها، محاولةً دفعها خارج مسارها.

ارتبكت أسينات، وأمسكت المقود بكلتا يديها، قبل أن تستعيد توازن السيارة في اللحظة الأخيرة.

قطبت حاجبيها بغضب.

"ما الذي يفعله هذا الأحمق؟"

ظنت في البداية أنهم مجرد متهورين، وأنهم سيبتعدون إذا تجاهلتهم.

لكنها لم تكد تستعيد هدوءها، حتى اندفعت السيارة الثانية من الجهة الأخرى، لتغلق عليها الطريق.

اتسعت عيناها.

لم يعد الأمر يبدو مصادفة.

ضغطت بقوة على دواسة الوقود، فانطلقت السيارة إلى الأمام، واستغلت فرجةً صغيرة بينهما لتتجاوزهما، بينما دوى بوق سيارتها في الطريق.

التفتت إلى المرآة.

ابتسمت ابتسامةً قصيرة حين رأت المسافة بينها وبينهما تزداد.

"انتهى الأمر..."

لكن تلك الفكرة لم تعش سوى لحظات.زمجرت محركات السيارتين خلفها، ثم انطلقتا بسرعةٍ جنونية، حتى عادتا لتحاصراها من الجانبين مرةً أخرى.

ومرةً بعد أخرى...

كانتا تقتربان من سيارتها عمدًا، حتى أخذ الهيكلان المعدنيان يحتكان بها احتكاكًا خفيفًا، وكأنهما يدفعانها نحو كارثة محتومة.

بدأت أنفاس أسينات تتسارع.

اشتدت قبضتها على المقود، بينما أخذت عيناها تتنقلان بجنون بين الطريق والمرآتين.

أين تذهب؟

وكيف تهرب؟

بيدٍ مرتجفة، خطفت هاتفها من المقعد المجاور، وضغطت بعشوائية على أول رقم ظهر أمامها.

لكن قبل أن يكتمل الاتصال...

اضطرت إلى الانحراف بعنف لتتفادى اصطدامًا جديدًا.

أفلت الهاتف من يدها، وسقط على أرضية السيارة.

حاولت أسينات بكل ما أوتيت من قوة أن تفلت من المصير الذي أخذ يطبق عليها شيئًا فشيئًا.

كانت السيارة تتمايل بعنف بين المسارين، بينما راحت يداها المشدودتان إلى المقود تحاولان استعادة السيطرة.

تسارع نبضها، وابتلت راحتاها بالعرق، حتى شعرت بأن المقود يكاد ينزلق من بين أصابعها.

لكن السيارتين لم تتراجعا.

بل واصلتا الاقتراب منها، تدفعانها من الجانبين، مرة بعد أخرى، وكأن هدفهما الوحيد أن ينهيا كل فرصة لنجاتها.

اتسعت عيناها.

"لا..."

خرجت الكلمة همسًا مرتجفًا.

وفي اللحظة التالية...

فقدت السيطرة.

انحرفت السيارة بعنف، ثم راحت تدور بسرعةٍ جنونية، قبل أن تنقلب على الطريق مرة... ثم أخرى...

تطاير الزجاج في كل اتجاه، وتعالى صوت احتكاك المعدن بالإسفلت حتى مزق سكون المكان.

ولم تتوقف.

واصلت الانقلاب حتى ارتطمت بقوة بواجهة مبنى شاهق.

دوى الاصطدام كالرعد...

ثم عمّ الصمت.

كانت السيارة مقلوبة على سقفها.

تدلت أسينات من مقعدها، يشدها حزام الأمان، بينما انسدلت ذراعاها إلى الأسفل، والدم يقطر منهما ببطء، مختلطًا بشظايا الزجاج المتناثرة.

بدأت الأصوات تتسلل إلى سمعها.

صراخ...

أقدام تركض...

وأشخاص يحيطون بالمكان.

كانت تسمعهم...

لكن كلماتهم بدت بعيدة، مشوشة، وكأنها قادمة من عالمٍ آخر.

حاولت أن تفتح عينيها.

إلا أن الدم الذي سال على جبينها حجب عنها الرؤية، فلم تعد ترى سوى ظلالٍ باهتة تتراقص أمامها.

ثم...

بدأ طنينٌ حاد يشق رأسها.

ازداد شيئًا فشيئًا...

حتى ابتلع كل الأصوات من حولها.

ثقلت جفونها.

واستسلمت أخيرًا للظلام.

تجمع الناس حول السيارة المحطمة، وسارع بعضهم إلى الاتصال بالإسعاف والشرطة.

أما السيارتان...فقد واصلتا سيرهما بهدوء، واختفيتا بين الطرقات، وكأن ما حدث لم يكن سوى مهمةٍ أُنجزت كما خُطط لها.

4

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لب الجنون    عهد الدماء 7

    لم تكن أميراس تفهم سبب كل ذلك العذاب ولم تعرف ما الذي فعلته ليستحقّ جسدها كل هذا الألم، ولا لماذا تحوّلت أيامها إلى سلسلة من المعاناة التي لا تنتهيمرّت الأيام وبدأ جسدها يستسلم شيئًا فشيئًا... لم تعد ساقاها تحملانها فصاروا يجرّونها بالسلاسل عبر الممرات الحجرية بينما تحتكّ قدماها بالأرض دون أن تقوى على رفعهما... كانت تحاول التماسك لكن كل خطوة باتت عبئًا يفوق قدرتهاتناوبوا على تعذيبها؛ ينهال أحدهم على ظهرها بالسوط، ثم يأتي آخر ليحرق جلدها بأداة محمّاة... كانت تكتم صرخاتها ما استطاعت غير أن الألم كان ينتزعها منها رغمًا عنها، وبعد كل جولة يعيدونها إلى زنزانتها ويلقونها على الأرض كأنها شيء فقد قيمتهتراكمت الجروح على جسدها وأصبحت حركتها أصعب مع كل يوم،أصبحت ترتجف من البرد والإرهاق ولا تجد وضعية تخفف عنها الألم؛ حتى الاستلقاء صار عذابًا والنوم لم يعد سوى غفوات قصيرة تقطعها الكوابيسومع ذلك، ظلّ أكثر ما يرعبها هو ذلك الصمت الذي يسكن أعماقها... أين اختفى الصوت الذي لازمها منذ وصولها إلى عالم الضلال؟ لماذا لم يعد يجيبها، حتى حين تناديه في سرّها؟... لم تكن تعرف إن كان قد تخلى عنها، أم أن شيئً

  • لب الجنون    عهد الدماء 6

    .... من جهةٍ أخرى.... وفي مكان ما..... مكانٍ ناءٍ عن الطرق التي تعرفها الأحياء، ارتفعت قلعة شامخة فوق أرضٍ جرداء بدت كأنها نبتت من قلب كارثة قديمة لا كأن يدًا بشرية شيدتها يومًاكانت أبراجها السوداء تشقّ السماء بأطراف حادة، فيما امتدت جدرانها العتيقة على مساحة شاسعة تتخللها شقوق عميقة تشبه ندوبًا لم ينجح الزمن في محوها... لم تكن حجارتها سوداء فحسب بل كانت تحمل لونًا داكنًا مضطربًا كأنها امتصت على مرّ القرون كل ما سال فوقها من دماءومن بعيد، كانت تفوح رائحة خانقة يصعب تحديد مصدرها؛ مزيج من الحديد الصدئ والرطوبة والعفن تتخلله رائحة دمٍ قديم استقر في الشقوق ولم تعد الرياح قادرة على انتزاعه. رائحة تتسلل إلى الحلق وتترك فيه مرارة غريبة كأن مجرد استنشاق هواء المكان يُجبر المرء على ابتلاع شيءٍ لا يريد معرفتهلم تكن القلعة محاطةً بالضباب كما تُحاط الجبال بالسحب، بل كان الضباب الأسود يخرج منها... يتصاعد من النوافذ الضيقة وينساب بين الشرفات، ثم يهبط على الدرجات الحجرية كأنه كائن حيّ يبحث عن منفذ إلى العالم. لم يتحرك وفق اتجاه الرياح، بل يلتف حول الأبراج ويتجمع عند المداخل، يتراجع حين يقترب منه

  • لب الجنون    عهد الدماء 5

    لم يكن الطريق الذي أشارت إليه خرقاء طريقًا بالمعنى المعتاد، بل شقًّا ضيقًا يتلوّى بين الصخور ويتسلّل منه ضوء باهت لا يُعرف مصدره كأن الجبل يخفي في جوفه فجرًا لم يصل إلى السماء بعدتقدّم قاسم أولًا متفحّصًا الممر بحذر، بينما بقيت خرقاء خلفه تلقي نظرات متقطعة على الجبل الذي ابتلع حارس الختمأما البقية، فكانوا يحاولون التكيّف مع الفراغ الذي خلّفه غياب ظلالهم، حرّكت دوشكا يدها أمام وجهها، ثم نظرت إلى الأرض... لا ظل... جرّبت مرة أخرى وكأنها تتوقع أن يظهر إذا كررت الحركة بما يكفي- هذا مزعج.التفت إليها عمير- فقدتِ ظلّك، وهذا كل ما لديكِ لتقوليه؟. - هل تريدني أن أبكي؟. - لا، لكنني توقعت خطابًا طويلًا عن الخيانة والفقدان وربما تهديدًا بتدمير الجبل.رمقته بنظرة حادة- أستطيع فعل ذلك إن كان سيساعدك على الصمت.ابتسم عمير- ها قد عادت دوشكا التي أعرفها، كنت أخشى أن يكون حارس الختم قد أخذ شخصيتك أيضًا.- لا تقلق، لو أخذ شخصيتي لاحتفظت بها لنفسي بدلًا من إهدارها عليك.أطلق آسر ضحكة خافتة، ثم أدار وجههلاحظت دوشكا ذلك على الفور- وأنت، ما المضحك؟. - لا شيء.- ابتسمت.- عضلات وجهي تتحرك أحيانًا دون

  • لب الجنون    عهد الدماء 4

    .... الممر الذي لا ينبغي أن يُفتح.... تحولت البيئة أمامهم إلى نفس البيئة التي تركوها خلف واحة أسياد الطاقات وقد كان الطريق يضيق كلما توغلت المجموعة بين الجبال... ارتفعت الصخور على جانبيهم كجدران شاهقة وحجبت أشعة الشمس حتى غدا المكان أشبه بممرّ غارق في ظلّ لا ينتهي، لم يكن هناك أثر لطريق واضح ولا علامة تدل على أن أحدًا سلك هذا المكان من قبلتوقفت خرقاء فجأة- انتظروا.توقف الجميع خلفها، بينما تقدّم قاسم خطوتين متفحصًا الجدار الصخري أمامهم- ما الأمر؟. لم تجبه فورًا... كانت تحدّق في سطح الجبل، حيث ظهرت خطوط دقيقة لم تكن موجودة قبل لحظات، أخذت الخطوط تتوهج ببطء بلون رمادي باهت ثم امتدت لتشكّل دائرة كبيرة محفورة في الصخراقتربت تارا بحذر- هل هذه علامة تعرفينها؟. تغيرت ملامح خرقاء- كنت أتمنى ألّا أراها أبدًا.وضعت يدها على مقبض سيفها، ثم أضافت:- هذا ليس طريقًا عاديًا، إنه مدخل قديم أُغلق لسبب.نظر إليها آسر - هل تعرفين ما وراءه؟. - أعرف ما يكفي لأقول إننا يجب ألّا نقترب منه .لكن الجبل لم ينتظر قرارهماهتزت الأرض تحت أقدامهم، وانبعث من الدائرة صوت عميق أشبه بأنين صخرة ظلت مطبقة على نفس

  • لب الجنون    عهد الدماء 3

    لم يطل بقاؤهم في مكانهم بعد انتهاء الحديث... كان عليهم الرحيل، فالوقوف في أرضٍ دمرتها المعركة لن يعيد أميراس ولن يمنحهم إجابة عن المكان الذي أخذتها إليه أثينا... حملت تارا سلاحها، بينما أعاد آرم ترتيب معداته بصمته المعتاد، أما عمير فشد حقيبته إلى كتفه وألقى نظرة أخيرة على القرية المحطمةدوشكا وحدها لم تنظر إلى الخلفكانت عيناها مثبتتين على الطريق الممتد أمامهم... تقدمت خرقاء أولًا وتبعها قاسمكان كلاهما أكثر معرفة بهذه الأرض من أي شخص آخر بينهم ولهذا ترك الجميع لهما تحديد الطريق، وقبل أن يخطوا بعيدًا توقفت خرقاءاستدارت نحوهم وقالت:- قبل أن نتحرك أريد منكم أن تفهموا شيئًا.ساد الانتباه بينهم- المناطق التي سنعبرها من الآن فصاعدًا لن تكون كهذه القرية.نظرت إلى الطريق الممتد أمامها- كلما تقدمنا، اقتربنا أكثر من المناطق التي تسيطر عليها جيوش دراكوا.تغيرت ملامح عمير قليلًا إلى التوترتابعت خرقاء:- بعضها تحت مراقبته مباشرة، وبعضها يخضع لأتباعه وقادته وقد نجد جنودًا في الطرق الرئيسية، أو حواجز في الممرات، أو دوريات تتحرك بين المناطق.ثم التفتت إليهم- لذلك لا تتوقعوا أن يكون الطريق سهلًا.قا

  • لب الجنون    عهد الدماء 2

    كانت المعلومات التي ألقتها أمامهم خرقاء أثقل من أن تُستوعب في لحظتها، وكأن كل كلمة تركت خلفها سؤالًا جديدًا وكل إجابة فتحت بابًا لشيء أكثر ظلمةظل الجميع في أماكنهم دون أن يعرف أحد من أين يبدأ، كان عمير أول من حرك عينيهنظر إلى خرقاء طويلًا، ثم إلى الخراب الممتد حولهم... الأكواخ المحطمة، الأرض المحروقة، بقايا المعركة، والآثار التي خلفتها تلك المخلوقات... قبل ساعات فقط كانوا يظنون أنهم دخلوا قرية غريبةوالآن...لم يعودوا يعرفون حتى إن كان ما عاشوه فيها يمكن أن يسمى قرية أصلًاقال بصوت خافت:- إذن كل هذا... كان مخططًا له؟. أجابت خرقاء:- نعم.ظل عمير صامتًا لحظة ثم مرر يده على شعره- منذ البداية؟. - منذ أن دخلتم القرية.ابتسم ابتسامة قصيرة، لكنها لم تحمل أي مرح- رائع... إذن كنا نمشي إلى الفخ بأقدامنا ونظن أننا وجدنا مكانًا آمنًا.لم يضحك أحد واختفت ابتسامته سريعًاكان يحاول أن يخفف عن نفسه، لكن هذه المرة لم تنجح طريقته المعتادةكان يشعر بثقل غريب في صدرهولأول مرة منذ مدة طويلة لم يجد جملة ساخرة يقولها... أما تارا فبقيا تحدق في المكان الذي وقفت فيه أثينا قبل أن تهربحاولت استرجاع كل لحظة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status