LOGINكانت أسينات تقود سيارتها بسرعةٍ معتدلة، تدندن بهدوء مع المقطوعات التي يبثها الراديو، بينما تتنقل بين المحطات بين الحين والآخر.
وكلما مرت بإحدى القنوات الإخبارية، سمعت اسمها يتردد على ألسنة المذيعين وهم يتحدثون عن حفل عيد ميلادها، وعن الشخصيات البارزة التي ستحضره.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة ، ثم عادت تدندن مع الموسيقى.
وما زاد مزاجها صفاءً ، أن الطريق كان على غير عادته؛ خاليًا إلا من سياراتٍ قليلة تفصل بينها مسافات طويلة، حتى خُيّل إليها أن المدينة بأكملها قد تنحت جانبًا لتترك لها الطريق.
بعد دقائق، اقتربت من تقاطعٍ تتوسطه إشارة مرور ما تزال تضيء باللون الأخضر.
استغلت اللحظات القليلة، فرفعت مرآة السيارة الصغيرة، وعدلت أحمر شفاهها بعناية، متأكدةً أن مظهرها لا يزال كما أرادته.
ولهذا...
لم تنتبه إلى السيارتين اللتين كانتا تتبعانها منذ بداية الطريق.
تقدمتا بهدوء حتى أصبحتا بمحاذاتها، واحدة عن يمينها، والأخرى عن يسارها، وكأنهما تتعمدان تضييق المسافة عليها.
كانت نوافذهما داكنة السواد...
ولم يكن بالإمكان رؤية من يجلس في داخلهما
انتظرت أسينات حتى تغيرت إشارة المرور، ثم انطلقت من جديد، وما زال مزاجها الرائق يرافقها.
لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا.
فجأة، اندفعت السيارة التي كانت تسير إلى يمينها، واقتربت منها بعنف حتى كادت تلامس هيكل سيارتها، محاولةً دفعها خارج مسارها.
ارتبكت أسينات، وأمسكت المقود بكلتا يديها، قبل أن تستعيد توازن السيارة في اللحظة الأخيرة.
قطبت حاجبيها بغضب.
"ما الذي يفعله هذا الأحمق؟"
ظنت في البداية أنهم مجرد متهورين، وأنهم سيبتعدون إذا تجاهلتهم.
لكنها لم تكد تستعيد هدوءها، حتى اندفعت السيارة الثانية من الجهة الأخرى، لتغلق عليها الطريق.
اتسعت عيناها.
لم يعد الأمر يبدو مصادفة.
ضغطت بقوة على دواسة الوقود، فانطلقت السيارة إلى الأمام، واستغلت فرجةً صغيرة بينهما لتتجاوزهما، بينما دوى بوق سيارتها في الطريق.
التفتت إلى المرآة.
ابتسمت ابتسامةً قصيرة حين رأت المسافة بينها وبينهما تزداد.
"انتهى الأمر..."
لكن تلك الفكرة لم تعش سوى لحظات.زمجرت محركات السيارتين خلفها، ثم انطلقتا بسرعةٍ جنونية، حتى عادتا لتحاصراها من الجانبين مرةً أخرى.
ومرةً بعد أخرى...
كانتا تقتربان من سيارتها عمدًا، حتى أخذ الهيكلان المعدنيان يحتكان بها احتكاكًا خفيفًا، وكأنهما يدفعانها نحو كارثة محتومة.
بدأت أنفاس أسينات تتسارع.
اشتدت قبضتها على المقود، بينما أخذت عيناها تتنقلان بجنون بين الطريق والمرآتين.
أين تذهب؟
وكيف تهرب؟
بيدٍ مرتجفة، خطفت هاتفها من المقعد المجاور، وضغطت بعشوائية على أول رقم ظهر أمامها.
لكن قبل أن يكتمل الاتصال...
اضطرت إلى الانحراف بعنف لتتفادى اصطدامًا جديدًا.
أفلت الهاتف من يدها، وسقط على أرضية السيارة.
حاولت أسينات بكل ما أوتيت من قوة أن تفلت من المصير الذي أخذ يطبق عليها شيئًا فشيئًا.
كانت السيارة تتمايل بعنف بين المسارين، بينما راحت يداها المشدودتان إلى المقود تحاولان استعادة السيطرة.
تسارع نبضها، وابتلت راحتاها بالعرق، حتى شعرت بأن المقود يكاد ينزلق من بين أصابعها.
لكن السيارتين لم تتراجعا.
بل واصلتا الاقتراب منها، تدفعانها من الجانبين، مرة بعد أخرى، وكأن هدفهما الوحيد أن ينهيا كل فرصة لنجاتها.
اتسعت عيناها.
"لا..."
خرجت الكلمة همسًا مرتجفًا.
وفي اللحظة التالية...
فقدت السيطرة.
انحرفت السيارة بعنف، ثم راحت تدور بسرعةٍ جنونية، قبل أن تنقلب على الطريق مرة... ثم أخرى...
تطاير الزجاج في كل اتجاه، وتعالى صوت احتكاك المعدن بالإسفلت حتى مزق سكون المكان.
ولم تتوقف.
واصلت الانقلاب حتى ارتطمت بقوة بواجهة مبنى شاهق.
دوى الاصطدام كالرعد...
ثم عمّ الصمت.
كانت السيارة مقلوبة على سقفها.
تدلت أسينات من مقعدها، يشدها حزام الأمان، بينما انسدلت ذراعاها إلى الأسفل، والدم يقطر منهما ببطء، مختلطًا بشظايا الزجاج المتناثرة.
بدأت الأصوات تتسلل إلى سمعها.
صراخ...
أقدام تركض...
وأشخاص يحيطون بالمكان.
كانت تسمعهم...
لكن كلماتهم بدت بعيدة، مشوشة، وكأنها قادمة من عالمٍ آخر.
حاولت أن تفتح عينيها.
إلا أن الدم الذي سال على جبينها حجب عنها الرؤية، فلم تعد ترى سوى ظلالٍ باهتة تتراقص أمامها.
ثم...
بدأ طنينٌ حاد يشق رأسها.
ازداد شيئًا فشيئًا...
حتى ابتلع كل الأصوات من حولها.
ثقلت جفونها.
واستسلمت أخيرًا للظلام.
تجمع الناس حول السيارة المحطمة، وسارع بعضهم إلى الاتصال بالإسعاف والشرطة.
أما السيارتان...فقد واصلتا سيرهما بهدوء، واختفيتا بين الطرقات، وكأن ما حدث لم يكن سوى مهمةٍ أُنجزت كما خُطط لها.
4
(أميراس): ألن تتوقفي عن الثرثرة؟ لقد أصبتِني بالصداع.نظرت إليها دوشكا بطرف عينيها وعلى شفتيها ابتسامة ماكرة، ثم حملت ملابسها وقبل أن تتجه إلى الحمام قالت:_حسنًا، سأذهب للاستحمام، لقد أضعتُ وقتًا كافيًا.دخلت الحمام وبعد مدة لا بأس بها خرجت وهي ترتدي ملابس شبيهة بملابس أميراس إلا أن لونها كان بنفسجيًا داكنًا(دوشكا): آآه... أشعر براحة كبيرة، كنت بحاجة فعلًا إلى هذا الحمام.نهضت أميراس وهمّت بالخروج ثم قالت:_ هيا بنا، إنهم ينتظروننا على الغداء.تحمست دوشكا ونهضت مسرعة_ وأنا أتضور جوعًا! لنسرع إذن.خرجتا من الغرفة فوجدتا خادمةً في انتظارهما، انحنت لهما باحترام ثم طلبت منهما أن تتبعاها..... سارت بهما عبر ممر طويل وفخم حتى وصلن إلى قاعة واسعة تزيّنت جدرانها وأعمدتها بالذهب الخالصوما إن دخلتا حتى وقعت أعينهما على مائدة ضخمة امتدت أمامهما، وقد ازدحمت بمختلف أصناف الطعام؛ أطباق متنوعة وفاخرة حتى بدا وكأنها تضم كل ما قد تشتهيه النفسكان عمير في انتظارهما وقد بدّل ملابسه هو الآخر، ارتدى سترة زرقاء يعلوها رداء قصير أسود وسروالًا فضفاضًا ضيقًا عند القدمين باللون الأزرق نفسه... ما إن وقعت عين
كان الظلام منتشرًا في أنحاء المحيط، فلم يظهر لهم شيء سوى ضوء القمر الذي بدا منعكسًا فوق سطح الماء البعيد ومع ذلك كانت ثقتهم بملك البحار الدافع الوحيد لشعورهم بالأمان.... لم يتوقف حاصر عن تعليقاته المبتذلة والتي جعلت دوشكا وعمير ينفجران ضحكًا بين الحين والآخر أما أميراس فلم تشاركهما ذلك؛ فما يشغل بالها الآن هو ما ينتظرهم في نهاية هذا الطريق، وقفت داخل الفقاعة تشبك يديها أمامها وتحدق في أعماق البحر وكأنها تحاول اختراق الظلام بنظراتها، بينما كان حاصر يندفع بهم بسرعة هائلة عبر الماءدوشكا بتذمر:- أليس هناك شيء يمكننا فعله؟ بدأت أشعر بالملل.عمير وهو يهمهم:- همممم... وأنا أيضًا لقد مضى أكثر من ثلاث ساعات ونحن نسير دون أن يحدث شيء.ضحك حاصر، ثم شبك يديه خلف رأسه وقال بتباهٍ:- آهااا... تريدون بعض الفعاليات؟ انظروا إلى هذا.أغمض عينيه، وبعد لحظات من الصمت أطلق صوتًا يشبه الرنين، دوّى صداه في أنحاء المحيط.... مرت لحظات ولم يحدث شيءنظر إليه عمير الذي كان يقف خلفه وقال بسخرية:- ماذا؟ أكنت تريد إسماعنا هذه المعزوفة المزعجة فحسب؟تدخلت دوشكا وهي تضحك:- ههههههه، لا... انظر أيها الغبي!التفت عمي
ظهرت علامات التفاجؤ على وجهها وسرعان ما استشاطت غضبًا قبل أن تنفلت منها ضحكة ساخرة مستهزئة(أميراس): ـ هههههه... هذا ما كان ينقصني، أكاد أجن مما أراه والآن هناك حقير آخر يريدني زوجةً له! من أين يعرفني أصلًا؟ وإن كان قد رآني فقط فهل بلغ بهم التخلف حدّ أن يتزوج الرجل امرأةً لمجرد نظرة؟طأطأ عمير رأسه وأجابها بتردد:ـ أخبرني أتباعه أنه رآكِ عندما كنا متجهين إلى الجرف، ودون أي مقدمات أخبرهم برغبته في الزواج منكِ.أمسكت أميراس برأسها وراحت تسير ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة حتى توقفت فجأة وقالت بغضب:ـ لن أتزوج همجيًا أحمق ولو على جثتي ابتعدا عن طريقي، سأغادر هذا المكان المقرف، كان خطئي أنني بقيت هنا كل هذا الوقت.أسرعت دوشكا بالوقوف أمامها تحاول منعها: ـ انتظري... تمهلي يا أميراس، إن خرجتِ إلى أي مكان بهذه الطريقة سيصيبك مكروه، لقد أخبرتكِ من قبل!دفعتها أميراس من أمامها وقد تطايرت الشرارات من عينيها.(أميراس): ـ تبًا لكِ، وتبًا لكم جميعًا! عشت أربعًا وعشرين سنة من عمري ولم يتجرأ أحد على توجيه أمرٍ واحد إليّ، ثم يأتي كلبٌ مسعور ليطلب الزواج مني؟ ها! على جثتي!أطبق عمير كفه على فمها بسرعة(
(أميراس): إذن... أرني.التفت إليها عُمير وتذكّر ما جاؤوا من أجله نهض عن مكانه وابتعد قليلًا عن حافة الجرف، ثم ثبت قدميه بقوة وارتسمت على جانب شفتيه ابتسامة واثقة(عُمير): سأستدعيه الآن.(دوشكا): ألست متحمسًا لذلك؟ فلتسرع إذن.(عُمير): حسنًا، سأفعلها أخذ نفسًا عميقًا ثم فتح عينيه بحزم وصاح بصوت عالٍ:_حاااصر! فلتظهر الآن!بدأ ظله الذي كانت الشمس ترسمه على الأرض بالتمدد، تراجعت أميراس إلى الخلف بتردد لكنها سرعان ما أغلقت عينيها وقالت في داخلها:(مهما كان ما سأراه... لن أفزع هذه المرة. سأكون أكثر ثباتًا) استمر الظل في التضخم واتسع حتى غطى مساحة كبيرة من الأرض ثم ارتجف النهر تحتهم فجأة وكأنه يعلن عن حضور سيدٍ له.... وفي لحظة...تلاشى كل شيء ولم يبقَ سوى ذلك الكائن المهيب والقابع خلف عُمير والذي تجاوز طوله بأربعة أضعاف، كان جسده بلون أزرق عميق وشعره أسود طويل مربوطًا في أعلى مؤخرة رأسه، بدا جسده مكتظًا بالعضلات وعلى صدره العاري ارتسم وشم تنين ذهبي مشابه لذلك الذي رأته أميراس على جسد شاصر، وكان يرتدي قطعة قماش مماثلة لما يرتديه شاصر حول خاصرتهأحاطت به هالة مائية كثيفة لحظة ظهوره قبل أن تتبدد
في تلك الليلة، لم تستطع أميراس النومكانت مستلقيةً على فراشها العشبي تحدق في سقف الكوخ، بينما تتردد كلمات دوشكا في رأسها بلا توقف.«كل شخص هنا يمتلك ظلًا خاصًا به...»أغمضت عينيها بقوة وكأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها(أميراس):ظل... قوة... عالم الضلال...فتحت عينيها من جديد ، ثم ضحكت بسخرية خافتة(أميراس):يا للسخف... منذ متى أصبحت أصدق قصصًا كهذه؟استدارت على جانبها لكن الألم الخفيف في صدرها أجبرها على التوقف، وضعت كفها فوقه، فمنذ أن أخبرتها دوشكا بحقيقة هذا العالم كانت تشعر بتلك الحرارة الغريبة كلما تحدثت عن ظلها، في البداية ظنته مجرد أثر للإصابة.... لكنها الآن لم تعد متأكدة، رفعت يدها أمام وجهها وحدقت فيها طويلًا(أميراس):إذا كان لي ظل فعلًا... فلماذا لم يظهر؟ساد الصمت.... لم يجبها أحدلكن بعد لحظات...ارتفعت الحرارة داخل صدرها من جديد، شهقت وسحبت يدها بسرعة(أميراس): آه...!جلست وهي تضع كفها على صدرها وقد بدأت أنفاسها تتسارع، كانت الحرارة تزداد شيئًا فشيئًا، وكأن في داخلها شيءٌ يستيقظ..... ثم...سمعت صوتًا، لم يكن صوت دوشكا ولا عميركان صوتًا غريبًا، عميقًا، خافتًا...وكأنه جاء من م
قدمت دوشكا ببطء تجر جسد أميراس معها في طريق العودة إلى كوخهماوما إن وصلتا حتى استقبلهما عُمير بوابل من الأسئلة:(عُمير): ماذا حدث؟! لماذا فقدت وعيها؟ ماذا جرى هناك؟لم تجبه دوشكا، أمسك عُمير بذراعها الأخرى وساعد أخته في إدخالها إلى الكوخوبعد أن أعادا أميراس إلى مكانها، بقيت دوشكا صامتة للحظات ثم قالت بصوت متعب:(دوشكا): سأشرح لك لاحقًا... أريد فقط أن أرتاح قليلًا.لم يصرّ عُمير على السؤالاكتفى بابتسامة صغيرة، ثم أومأ برأسه موافقًا، اتجه بعدها نحو الخارج وقال وهو يلوّح بيده:(عُمير): خذا راحتكما إذن. سأذهب مع الفتية للصيد.(دوشكا): رافقتك السلامة... نلتقي مساءً.(عُمير): مع السلامة.قالها وهو يلوّح بيده ثم غادروما إن ابتعد خطوات قليلة عن الكوخ حتى انهارت دوشكا بجانب أميراس، جلست على الأرض وأسندت ظهرها إلى الجدار ثم انهمرت دموعها دون إرادة منهاخرج صوتها مخنوقًا كأن شيئًا ظل عالقًا في صدرها لسنوات ولم يجد طريقه إلى الخارج إلا الآن.(دوشكا): آسفة... يا فتاة.مسحت دموعها بطرف يدها ثم نظرت إلى أميراس الراقدة أمامها.(دوشكا): أنتِ بحاجة إلى أن تتعايشي مع هذا الجنون... أعلم أن الأمر سيكو







