LOGINابنة عمي، رون... فوجودها كان أهم من الجميع.
لم تكن تفوت فرصةً إلا وانتقصت مني، متخفيةً خلف ابتسامةٍ لطيفة وكلماتٍ منمقة، تؤدي دور ابنة العم الحنون بإتقانٍ يخدع الجميع..... حتى والدي، الذي كان يفضلها عليّ.لكنها، بالنسبة إليّ، لم تكن سوى منافسةٍ تتقن العمل من وراء الستار. كانت تحفر بصمت، وتدفع بالشركة نحو الهاوية خطوةً بعد أخرى، ظنًا منها أن أحدًا لا يلاحظ ما تفعله.
ولو لم أكن أكثر انتباهًا مما يعتقده الجميع، لكان ما بنيناه ينهار أمام أعيننا منذ زمن.........
بعد أن أنهت أسينات المكالمة، تذكرت فجأة أنها لم تُخبر والدها بأمر حفل عيد ميلادها المقام ذلك المساء. لم يكن حضوره يعني لها الكثير، لكنها كانت تحرص عليه اتقاءً لألسنة أقاربها، الذين لا يملّون من نسج الشائعات كلما سنحت لهم الفرصة.
وقفت أمام المرآة للمرة الأخيرة، تتفحص هندامها ومكياجها بعينٍ ناقدة، ثم أطلقت زفيرًا طويلًا وهي تستجمع ما تبقى من ثباتها. كانت تعلم أن لقاءه لن يمر بسلام، وأن كلمةً واحدة منه قد تهدم الهدوء الذي بنته بصعوبة.
خرجت من مكتبها، واتجهت بخطوات ثابتة نحو مكتب والدها.
وما إن وقفت أمام الباب حتى ترددّت. للحظة، راودتها فكرة أن ترسل بشاير بدلًا منها، لكن سرعان ما بددت تلك الفكرة. لقد وصلت إلى هنا بالفعل، ولم يعد هناك مجال للتراجع.دخلت مباشرةً دون سابق إنذار
كان عليّ منهمكًا في الحديث مع وكيل أعماله، يقلب بعض الملفات المكدسة أمامه. وما إن لمحها حتى رفع رأسه ببطء.
رجل تجاوز الخامسة والستين، غزا الشيب شعره وجزءًا من لحيته، إلا أن ملامحه بقيت حادة كما عرفتها دائمًا. أما عيناه، فكانتا كافيتين لتزرعا الرهبة في قلب كل من تقعان عليه.قال ببرود:
(علي): ألم يعلمك أحدٌ أن تطرقي الباب قبل الدخول؟
ارتبكت أسينات، وانقبضت أصابعها حتى ابيضّت مفاصلها، بينما ارتجفت يدها ارتجافةً خفية.
(أسينات): آ... آسفة... نسيت.
خرج صوتها ضعيفًا على غير عادتها، وغلف الخوف ملامحها رغم محاولتها إخفاءه.
أعاد نظره إلى الأوراق أمامه دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها مجددًا.(علي): إن لم يكن لديكِ أمرٌ مهم... فاخرجي.
شعرت بشيءٍ ينقبض في صدرها، وعاد ذلك البغض القديم يتسلل إلى أعماقها مرةً أخرى.
أغمضت عينيها لثانية، ثم أخذت شهيقًا طويلًا، دفنت معه كل الكلمات التي كانت تود أن تصرخ بها.وحين فتحت عينيها، قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا:
(أسينات): جئت فقط لأخبرك أن حفلة عيد ميلادي ستكون هذا المساء... وإن استطعت، فأرجو أن تحضر.
لم يرفع علي عينيه عن الملفات
بل أجاب ببرودٍ أشد من السابق:(علي): وهل تظنين أن ذلك يهمني؟
ساد الصمت.
لم تقل أسينات شيئًا.استدارت بهدوء، وغادرت المكتب، ثم أغلقت الباب خلفها.
وما إن ابتعدت خطوات قليلة عن الباب، حتى انفرجت قبضتها أخيرًا. نظرت إلى كفها، وقد تركت أظافرها آثارًا حمراء في جلدها.
ابتسمت بسخرية مريرة، وهمست لنفسها:
"كالعادة..."
فرغم كل غرورها، كان والدها وحده القادر على زعزعة ذلك الثبات الذي تبنيه حول نفسها. بكلمةٍ واحدة، كان يحطم شيئًا في أعماقها..... شيئًا عجز الزمن عن إصلاحه.
لم يتغير يومًا.ومنذ طفولتها، كان يعاملها بالقسوة ذاتها. حتى قبل وفاة والدتها، لم يختلف أسلوبه معها، لكنها آنذاك لم تكن تدرك قسوته كما تدركها اليوم؛ فوالدتها كانت تحيطها بحنانٍ غامر، يداوي كل جرحٍ يتركه خلفه.
حنانٌ لو وُزِّع على أهل الأرض جميعًا لكفاهم.اختلت خطواتها وهي تسير في الرواق، وشعرت بدوارٍ مباغت يجتاحها. مدت يدها سريعًا تستند إلى الحائط قبل أن يخذلها جسدها.
أغمضت عينيها لثوانٍ، وأخذت نفسًا عميقًا، تحاول استعادة ما تبقى من تماسكها.
لا...
لن تسمح لأحدٍ أن يراها بهذه الهيئة.
لن تمنح أحدًا فرصة مشاهدة انهيارها.
فتحت عينيها من جديد، وعدلت أطراف سترتها بعناية، ثم مررت أناملها على شعرها لتتأكد أن كل خصلةٍ لا تزال في مكانها. رفعت ذقنها قليلًا، واستعادت تلك الملامح الواثقة التي اعتاد الجميع رؤيتها.
أما ما تحطم في داخلها...
فقد تركته هناك، خلف عينيها.
ثم تابعت سيرها نحو الخارج، بخطواتٍ ثابتة، وكأن شيئًا لم يحدث.توجهت إلى سيارتها، ومنها مباشرةً إلى شقتها.
وما إن فتحت الباب حتى دفعته بعنف، فأغلقته خلفها بقوة ارتج لها المكان، وتردد صدى الاصطدام في أرجاء الممر.
سارت بخطواتٍ متسارعة نحو غرفتها، وألقت هاتفها وحقيبتها فوق السرير دون اكتراث، ثم ارتمت بجسدها عليه، مطلقةً زفيرًا طويلًا كأنها تحاول إخراج ذلك الثقل الجاثم على صدرها.
لم يهدأ عقلها.
كانت الأفكار تتدافع داخل رأسها بلا رحمة، حتى وجدت نفسها ترد عليها بصوتٍ مسموع.
(أسينات): تبًا...كيف استطاعت أمي أن تعيش مع رجلٍ مثله؟
ساد صمتٌ قصير، قبل أن تضحك بسخريةٍ مريرة.
(أسينات): ربما كان القدر أرحم بها... حين أخذها بعيدًا عنه.
اعتدلت جالسةً فجأة، وما زال الغضب يشتعل في عينيها. أمسكت حقيبتها وألقتها بقوة نحو الحائط، فاصطدمت به وسقطت أرضًا، بينما بقيت هي تلهث في مكانها.
رفعت رأسها وأغمضت عينيها، وأخذت شهيقًا طويلًا، ثم أخرجته ببطء.كانت تلك عادتها كلما شعرت بأنها على وشك الانهيار.
شيئًا فشيئًا، بدأ اضطرابها يخفت.
وحين تذكرت حفلة عيد ميلادها، فتحت عينيها، ونهضت من مكانها. شرعت تفك أزرار سترتها وهي تتجه نحو الحمام.لعل الماء البارد ينجح، ولو قليلًا، في إخماد ما يشتعل داخلها.
خرجت بعد نحو ساعة، وهي تجفف شعرها الطويل بمنشفةٍ صغيرة، بينما كانت تلف أخرى أكبر حول جسدها.
جلست على طرف السرير، وما إن همّت بتمشيط شعرها حتى رن هاتفها المحمول.
ألقت نظرةً إلى الشاشة، ثم أجابت بعدما رأت اسم بشاير.(بشاير): مساء الخير، سيدتي. كيف أصبحتِ؟
(أسينات): بخير... ما الأمر؟
(بشاير): اتصلت لأطمئن عليكِ، ولأسألك إن كنتِ تحتاجين إلى شيء. كما أردت إخبارك أن الضيوف بدأوا بالتوافد.
(أسينات): لا، لا أحتاج إلى شيء... سأصل بعد قليل.
أنهت المكالمة قبل أن تضيف بشاير كلمةً أخرى، كما اعتادت دائمًا.
نهضت من مكانها، واتجهت إلى خزانتها. وما إن فتحتها حتى استقرت عيناها مباشرةً على الفستان الذي صُمم خصيصًا لهذه الليلة.
ابتسمت ابتسامةً خفيفة.
كان فستانًا بلونٍ أزرق ملكي، ينساب بانسيابية على قوامها، وقد زُين بخيوطٍ من الذهب الخالص بدأت من الأكمام القصيرة، وانتهت بعقدتين أنيقتين على الجانبين. أما الخصر، فاحتضنه شريطٌ ذهبي رقيق، تزينه عند أحد الجانبين وردةٌ مطرزة بخيوط الذهب نفسها، في لمسةٍ زادت الفستان فخامةً دون مبالغة.
لم يتجاوز طوله ركبتيها إلا بقليل، وكان كل تفصيلٍ فيه قد خيط بعناية ليليق بها وحدها.
ابتسمت لمرآتها بثقة، وهمست:
"كما توقعت... لن يستطيع أحدٌ أن ينافسني"ارتدت الفستان بعناية، ثم صففت شعرها الطويل، ولم تبتعد عن المرآة حتى تأكدت أن كل خصلةٍ في مكانها، وأن مظهرها بلغ الصورة التي أرادتها.
ولم يبقَ سوى اللمسة الأخيرة.
التقطت زجاجة عطرها المفضل، ورشت منه برفق. انتشرت في الغرفة رائحةٌ مخملية دافئة، امتزج فيها عبير الكراميل بنفحاتٍ ناعمة، فأضفت إلى حضورها جاذبيةً هادئة لا تقل لفتًا للأنظار عن مظهرها.
تناولت حقيبتها البيضاء الأنيقة، التي يتوسطها شريطٌ بلونٍ أزرق ملكي، متناغم مع لون فستانها، ثم حملت هاتفها ومفاتيح سيارتها.
ألقت نظرةً أخيرة على انعكاسها في المرآة، فارتسمت على شفتيها ابتسامة رضا.
"الآن... أصبح كل شيءٍ مثاليًا."
غادرت شقتها، وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت نحو سيارتها.
كانت سيارة بورش حمراء لامعة، ينعكس بريقها تحت أضواء الموقف، لتلفت الأنظار حتى قبل أن تدير محركها.
ابتسمت أسينات وهي تضغط زر فتحها، ثم جلست خلف المقود، وانطلقت نحو الحفل.
3
لم تكن أميراس تفهم سبب كل ذلك العذاب ولم تعرف ما الذي فعلته ليستحقّ جسدها كل هذا الألم، ولا لماذا تحوّلت أيامها إلى سلسلة من المعاناة التي لا تنتهيمرّت الأيام وبدأ جسدها يستسلم شيئًا فشيئًا... لم تعد ساقاها تحملانها فصاروا يجرّونها بالسلاسل عبر الممرات الحجرية بينما تحتكّ قدماها بالأرض دون أن تقوى على رفعهما... كانت تحاول التماسك لكن كل خطوة باتت عبئًا يفوق قدرتهاتناوبوا على تعذيبها؛ ينهال أحدهم على ظهرها بالسوط، ثم يأتي آخر ليحرق جلدها بأداة محمّاة... كانت تكتم صرخاتها ما استطاعت غير أن الألم كان ينتزعها منها رغمًا عنها، وبعد كل جولة يعيدونها إلى زنزانتها ويلقونها على الأرض كأنها شيء فقد قيمتهتراكمت الجروح على جسدها وأصبحت حركتها أصعب مع كل يوم،أصبحت ترتجف من البرد والإرهاق ولا تجد وضعية تخفف عنها الألم؛ حتى الاستلقاء صار عذابًا والنوم لم يعد سوى غفوات قصيرة تقطعها الكوابيسومع ذلك، ظلّ أكثر ما يرعبها هو ذلك الصمت الذي يسكن أعماقها... أين اختفى الصوت الذي لازمها منذ وصولها إلى عالم الضلال؟ لماذا لم يعد يجيبها، حتى حين تناديه في سرّها؟... لم تكن تعرف إن كان قد تخلى عنها، أم أن شيئً
.... من جهةٍ أخرى.... وفي مكان ما..... مكانٍ ناءٍ عن الطرق التي تعرفها الأحياء، ارتفعت قلعة شامخة فوق أرضٍ جرداء بدت كأنها نبتت من قلب كارثة قديمة لا كأن يدًا بشرية شيدتها يومًاكانت أبراجها السوداء تشقّ السماء بأطراف حادة، فيما امتدت جدرانها العتيقة على مساحة شاسعة تتخللها شقوق عميقة تشبه ندوبًا لم ينجح الزمن في محوها... لم تكن حجارتها سوداء فحسب بل كانت تحمل لونًا داكنًا مضطربًا كأنها امتصت على مرّ القرون كل ما سال فوقها من دماءومن بعيد، كانت تفوح رائحة خانقة يصعب تحديد مصدرها؛ مزيج من الحديد الصدئ والرطوبة والعفن تتخلله رائحة دمٍ قديم استقر في الشقوق ولم تعد الرياح قادرة على انتزاعه. رائحة تتسلل إلى الحلق وتترك فيه مرارة غريبة كأن مجرد استنشاق هواء المكان يُجبر المرء على ابتلاع شيءٍ لا يريد معرفتهلم تكن القلعة محاطةً بالضباب كما تُحاط الجبال بالسحب، بل كان الضباب الأسود يخرج منها... يتصاعد من النوافذ الضيقة وينساب بين الشرفات، ثم يهبط على الدرجات الحجرية كأنه كائن حيّ يبحث عن منفذ إلى العالم. لم يتحرك وفق اتجاه الرياح، بل يلتف حول الأبراج ويتجمع عند المداخل، يتراجع حين يقترب منه
لم يكن الطريق الذي أشارت إليه خرقاء طريقًا بالمعنى المعتاد، بل شقًّا ضيقًا يتلوّى بين الصخور ويتسلّل منه ضوء باهت لا يُعرف مصدره كأن الجبل يخفي في جوفه فجرًا لم يصل إلى السماء بعدتقدّم قاسم أولًا متفحّصًا الممر بحذر، بينما بقيت خرقاء خلفه تلقي نظرات متقطعة على الجبل الذي ابتلع حارس الختمأما البقية، فكانوا يحاولون التكيّف مع الفراغ الذي خلّفه غياب ظلالهم، حرّكت دوشكا يدها أمام وجهها، ثم نظرت إلى الأرض... لا ظل... جرّبت مرة أخرى وكأنها تتوقع أن يظهر إذا كررت الحركة بما يكفي- هذا مزعج.التفت إليها عمير- فقدتِ ظلّك، وهذا كل ما لديكِ لتقوليه؟. - هل تريدني أن أبكي؟. - لا، لكنني توقعت خطابًا طويلًا عن الخيانة والفقدان وربما تهديدًا بتدمير الجبل.رمقته بنظرة حادة- أستطيع فعل ذلك إن كان سيساعدك على الصمت.ابتسم عمير- ها قد عادت دوشكا التي أعرفها، كنت أخشى أن يكون حارس الختم قد أخذ شخصيتك أيضًا.- لا تقلق، لو أخذ شخصيتي لاحتفظت بها لنفسي بدلًا من إهدارها عليك.أطلق آسر ضحكة خافتة، ثم أدار وجههلاحظت دوشكا ذلك على الفور- وأنت، ما المضحك؟. - لا شيء.- ابتسمت.- عضلات وجهي تتحرك أحيانًا دون
.... الممر الذي لا ينبغي أن يُفتح.... تحولت البيئة أمامهم إلى نفس البيئة التي تركوها خلف واحة أسياد الطاقات وقد كان الطريق يضيق كلما توغلت المجموعة بين الجبال... ارتفعت الصخور على جانبيهم كجدران شاهقة وحجبت أشعة الشمس حتى غدا المكان أشبه بممرّ غارق في ظلّ لا ينتهي، لم يكن هناك أثر لطريق واضح ولا علامة تدل على أن أحدًا سلك هذا المكان من قبلتوقفت خرقاء فجأة- انتظروا.توقف الجميع خلفها، بينما تقدّم قاسم خطوتين متفحصًا الجدار الصخري أمامهم- ما الأمر؟. لم تجبه فورًا... كانت تحدّق في سطح الجبل، حيث ظهرت خطوط دقيقة لم تكن موجودة قبل لحظات، أخذت الخطوط تتوهج ببطء بلون رمادي باهت ثم امتدت لتشكّل دائرة كبيرة محفورة في الصخراقتربت تارا بحذر- هل هذه علامة تعرفينها؟. تغيرت ملامح خرقاء- كنت أتمنى ألّا أراها أبدًا.وضعت يدها على مقبض سيفها، ثم أضافت:- هذا ليس طريقًا عاديًا، إنه مدخل قديم أُغلق لسبب.نظر إليها آسر - هل تعرفين ما وراءه؟. - أعرف ما يكفي لأقول إننا يجب ألّا نقترب منه .لكن الجبل لم ينتظر قرارهماهتزت الأرض تحت أقدامهم، وانبعث من الدائرة صوت عميق أشبه بأنين صخرة ظلت مطبقة على نفس
لم يطل بقاؤهم في مكانهم بعد انتهاء الحديث... كان عليهم الرحيل، فالوقوف في أرضٍ دمرتها المعركة لن يعيد أميراس ولن يمنحهم إجابة عن المكان الذي أخذتها إليه أثينا... حملت تارا سلاحها، بينما أعاد آرم ترتيب معداته بصمته المعتاد، أما عمير فشد حقيبته إلى كتفه وألقى نظرة أخيرة على القرية المحطمةدوشكا وحدها لم تنظر إلى الخلفكانت عيناها مثبتتين على الطريق الممتد أمامهم... تقدمت خرقاء أولًا وتبعها قاسمكان كلاهما أكثر معرفة بهذه الأرض من أي شخص آخر بينهم ولهذا ترك الجميع لهما تحديد الطريق، وقبل أن يخطوا بعيدًا توقفت خرقاءاستدارت نحوهم وقالت:- قبل أن نتحرك أريد منكم أن تفهموا شيئًا.ساد الانتباه بينهم- المناطق التي سنعبرها من الآن فصاعدًا لن تكون كهذه القرية.نظرت إلى الطريق الممتد أمامها- كلما تقدمنا، اقتربنا أكثر من المناطق التي تسيطر عليها جيوش دراكوا.تغيرت ملامح عمير قليلًا إلى التوترتابعت خرقاء:- بعضها تحت مراقبته مباشرة، وبعضها يخضع لأتباعه وقادته وقد نجد جنودًا في الطرق الرئيسية، أو حواجز في الممرات، أو دوريات تتحرك بين المناطق.ثم التفتت إليهم- لذلك لا تتوقعوا أن يكون الطريق سهلًا.قا
كانت المعلومات التي ألقتها أمامهم خرقاء أثقل من أن تُستوعب في لحظتها، وكأن كل كلمة تركت خلفها سؤالًا جديدًا وكل إجابة فتحت بابًا لشيء أكثر ظلمةظل الجميع في أماكنهم دون أن يعرف أحد من أين يبدأ، كان عمير أول من حرك عينيهنظر إلى خرقاء طويلًا، ثم إلى الخراب الممتد حولهم... الأكواخ المحطمة، الأرض المحروقة، بقايا المعركة، والآثار التي خلفتها تلك المخلوقات... قبل ساعات فقط كانوا يظنون أنهم دخلوا قرية غريبةوالآن...لم يعودوا يعرفون حتى إن كان ما عاشوه فيها يمكن أن يسمى قرية أصلًاقال بصوت خافت:- إذن كل هذا... كان مخططًا له؟. أجابت خرقاء:- نعم.ظل عمير صامتًا لحظة ثم مرر يده على شعره- منذ البداية؟. - منذ أن دخلتم القرية.ابتسم ابتسامة قصيرة، لكنها لم تحمل أي مرح- رائع... إذن كنا نمشي إلى الفخ بأقدامنا ونظن أننا وجدنا مكانًا آمنًا.لم يضحك أحد واختفت ابتسامته سريعًاكان يحاول أن يخفف عن نفسه، لكن هذه المرة لم تنجح طريقته المعتادةكان يشعر بثقل غريب في صدرهولأول مرة منذ مدة طويلة لم يجد جملة ساخرة يقولها... أما تارا فبقيا تحدق في المكان الذي وقفت فيه أثينا قبل أن تهربحاولت استرجاع كل لحظة