LOGINمرّت أسابيع أخرى، ومع مرور الوقت بدأت سديم تتأقلم مع واقعها الجديد. لم تعد تنظر إلى كرسيها كشيء غريب عنها، ولم تعد تنهار كلما حاولت تحريك ساقيها ولم تستجبا لها كما كانت تتمنى. أخبرها الأطباء أن الأعصاب تعرضت لتلف جعل عودتها إلى المشي أمرًا غير ممكن في الوقت الحالي، ومع الأيام تعلمت كيف تتعامل مع الأمر دون أن تسمح له بأن يوقف حياتها.كانت لا تزال سديم نفسها، بطموحها وشخصيتها وقوتها.ومن المنزل، بدأت تدير الشركة إلى جانب خلود، وكانت تتابع الاجتماعات والملفات وتصدر قراراتها بنفسها، وفي بعض الأيام كانت تذهب إلى مقر الشركة عندما تحتاج إلى ذلك، وأصبحت حركتها بالكرسي أمرًا اعتادت عليه دون أن تشعر بالخجل منه.أما عملها مع ليث، فلم تتخلَّ عنه أيضًا.كانت لا تزال المبرمجة الأولى في الشركة، وتشارك في الاجتماعات عن بُعد، وتقدم أفكارها وملاحظاتها، وتعمل على تطوير بعض البرامج والمشاريع الجديدة. وكان ليث دائمًا يصر على أن مكانها محفوظ، وأن ما حدث لها لم يغيّر شيئًا من قدراتها.وفي أحد الأيام، كانت سديم تجلس مع ليث في غرفة الجلوس، وقد وضعت الحاسوب أمامها، بينما كان هو يجلس بالقرب منها يتابع بعض الملف
مرّت عدة أيام أخرى، وخلالها استمرت سديم في جلسات العلاج الطبيعي، ورغم أن ساقيها لم تستعيدا الإحساس بعد، إلا أن الأطباء بدأوا يلاحظون استقرار حالتها العامة، وأصبح بإمكانها متابعة العلاج من المنزل بدلًا من البقاء في المستشفى. وفي صباح اليوم الذي تقرر فيه خروجها، دخل الطبيب إلى غرفتها مبتسمًا. سديم، أظن أن الوقت حان لتعودي إلى منزلك. رفعت سديم عينيها إليه بدهشة، ثم التفتت إلى ليث الذي كان يجلس بجانبها. حقًا؟ ابتسم الطبيب.نعم. حالتك مستقرة، ولا يوجد ما يستدعي بقاءك هنا. ستحتاجين إلى الاستمرار بالعلاج الطبيعي والمتابعة الطبية، لكن يمكن القيام بذلك من المنزل. ظهرت ابتسامة واسعة على وجه سديم، وكأن كلمة «المنزل» وحدها أعادت إليها شيئًا من الحياة. أما ليث، فاكتفى بأن أمسك يدها وضغط عليها بحنان. بعد وقت قصير، كان كل شيء جاهزًا للخروج.اقترب ليث منها، ثم ساعدها على الجلوس على الكرسي المتحرك، وتأكد بنفسه من أن كل شيء مريح قبل أن يدفعه نحو الباب. عندما خرجت سديم من الغرفة، توقفت للحظة ونظرت خلفها.ذلك المكان شهد خوفها، وبكاءها، واستيقاظها من الغيبوبة، وأول لحظات اكتشافها أن العالم الذي عاشت
مرّت ثلاثة أيام منذ استيقاظ سديم، ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها بالنسبة إلى ليث مرّت وكأنها لحظة واحدة. فمنذ أن فتحت عينيها، لم يتركها إلا للضرورة، وكان يقضي إلى جانبها ساعات النهار كلها، من الصباح وحتى المساء، يراقب أدويتها، ويتابع فحوصاتها، ويطمئن إلى كل ما يتعلق بحالتها، وكأنه يخشى أن يبتعد عنها للحظة فتختفي من أمامه من جديد.وفي صباح اليوم الثالث، دخل الطبيب إلى الغرفة برفقة أحد أخصائيي العلاج الطبيعي، ثم اقترب من سرير سديم بابتسامة هادئة.قال الطبيب سديم، تحدثنا عن ساقيك في الأيام الماضية، والآن حان الوقت لنبدأ الخطوة الأولى من العلاج.نظرت سديم إليه بقلق، بينما كانت يدها داخل يد ليث ماذا ستفعلون؟أجاب الطبيب ، سنبدأ في البداية بجلسات بسيطة جدًا، تتضمن تحريك الساقين تدريجيًا، وبعض التمارين الخفيفة، إلى جانب المساج والتحفيز العضلي. لن نضغط عليكِ أو نطلب منكِ القيام بشيء يفوق قدرتك. وبعد أن نراقب استجابتك، سننتقل إلى الجلسات العلاجية الأخرى بصورة تدريجية.نظرت سديم إلى ساقيها، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وهل هناك أمل أن أستطيع المشي؟ساد صمت قصير، قبل أن يجيب الطبيب بنبرة صادقة
مرّت قرابة ساعة كاملة، لم يقطعهما خلالها سوى بكاء سديم الهادئ، وأنفاس ليث المتقطعة وهو يحتضنها وكأنه يخشى أن يفقدها مرة أخرى. بقيت بين ذراعيه، وقد هدأ ارتجاف جسدها شيئًا فشيئًا، بينما كانت تستمع إلى نبض قلبه، وكأنها تحاول أن تثبت لنفسها للمرة الأخيرة أنه حقيقي. كانت عيناها مغمضتين، ويدها ما تزال متشبثة بقميصه عندما طُرق الباب طرقًا خفيفًا. دخلت الممرضة، ثم توقفت لحظة قبل أن تقول بهدوء سيد ليث، الطبيب يريد التحدث معك بشأن نتائج الفحوصات. رفع ليث عينيه نحوها، ثم نظر إلى سديم التي كانت مستلقية بهدوء.هل هناك شيء خطير؟ ابتسمت الممرضة ابتسامة مطمئنة لا، لكنه يريد أن يشرح لك النتائج بنفسه. نظر ليث إلى سديم، ثم انحنى وقبّل جبينها بحنان سأعود سريعًا، ابقي هنا. فتحت سديم عينيها ونظرت إليه للحظات، ثم أومأت بهدوء. خرج ليث من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، ثم وجد الطبيب ينتظره في الممر. قال الطبيب تعال معي، أريد أن أوضح لك نتائج الفحوصات. سار ليث إلى جانبه حتى وصلا إلى غرفة صغيرة، ثم جلس الطبيب أمام الحاسوب وبدأ يعرض النتائج. بدايةً، أريد أن أطمئنك. نتائج الفحوصات الأساسية جيدة، ولا
خرج الطبيب من الغرفة، وما إن ظهر في الممر حتى نهض ليث بسرعة من مكانه واتجه نحوه، بينما التفت إليه عمر ومنى وبقية الموجودين بقلق. قال ليث بسرعة، وقد بدا التوتر واضحًا في صوته كيف هي؟ هل هي بخير؟ هل كل شيء على ما يرام؟ رفع الطبيب يده قليلًا ليهدئه، اهدأ يا سيد ليث. من ناحية الفحوصات الأولية، حالتها مستقرة، لكن هناك بعض الأمور التي نحتاج إلى متابعتها. تبادل الجميع النظرات، بينما بقي ليث ينتظر منه بقلب متوتر. تابع الطبيب من خلال ما رأيناه أثناء الفحص، أعتقد أن ما عاشته سديم خلال فترة الغيبوبة يفسر كثيرًا من الأشياء التي قالتها بعد استيقاظها. عقد ليث حاجبيه ماذا تقصد؟ قال الطبيب بهدوء عقلها لم يتوقف عن العمل أثناء الغيبوبة بالطريقة التي نتصورها. آخر شيء عاشته قبل فقدان الوعي كان صادمًا جدًا بالنسبة لها، ومن الواضح أن دماغها حاول التعامل مع تلك الصدمة بطريقة خاصة. سكت لحظة، ثم تابع بعبارة أبسط… يبدو أنها بنت داخل وعيها حياة كاملة انطلاقًا من اللحظة التي توقفت عندها حياتها الحقيقية. عاشت أحداثًا وكأنها مرت فعلًا، ولذلك تتذكر أشياء لم تحدث في الواقع. ظل الجميع صامتين، أما ليث
ساد الصمت للحظة بعد أن خرج صوتها الضعيف «أنت… كيف؟»لم يجبها الرجل الواقف في الخلف.ظل ينظر إليها وكأنه يخشى أن يقترب، وكأن مجرد رؤيتها بعينيه بعد ثلاثة أشهر من الانتظار أمر لا يستطيع تصديقه.اقترب الطبيب بسرعة من السرير، وأخذ يراقب أجهزتها، بينما أسرعت الممرضة إلى تعديل بعض الأنابيب والأسلاك المتصلة بها.سديم، لا تحاولي الحركة. أنتِ ما زلتِ ضعيفة جدًا.لكنها لم تسمعه كانت عيناها معلقتين بذلك الرجل كان وجهه شاحبًا، وعيناه حمراوين من كثرة البكاء، لكنه كان هو.عرفته لم تحتج إلى شيء حتى تعرفه ومع ذلك، فإن رؤيته أمامها جعلت قلبها يرتجف بطريقة لم تفهمها رفعت يدها بصعوبة، ومدتها نحوه.اقترب منها فورًا، وأمسك يدها بكلتا يديه كانت يداه ترتجفان.نظرت إليه طويلًا، ثم همست أنا… رأيتك تحركت شفتاها بصعوبة رأيتك… لكنك…توقفت لم تستطع إكمال الجملة كانت صورة واحدة تملأ رأسها صوت الأجهزة الأطباء الوجوه المذعورة والعبارة الأخيرة التي سمعتها قبل أن يغيب كل شيء.سنفقد المريض.أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما من جديد كان لا يزال أمامها حيًا لكنها لم تجد الوقت لتسأله عن شيء، لأن صوتًا صغيرًا جاء من الطرف الآخ
وصلت سديم أولًا، فدخلت بهدوء ووجدت العائلة مجتمعة في الصالة: منى، عمر، والجد والجدة. قالت الجدة بابتسامة دافئة: “أهلًا يا ابنتي، كيف كان يومك؟” جلست سديم وهي تحاول أن تبدو طبيعية: “كان جيدًا… مزدحمًا قليلًا.” ابتسم عمر: “هذا طبيعي في بداية العمل.” وبعد دقائق، دخل ليث المنزل بهدوء، وألقى الت
⸻ همس أحد الموظفين: “يبدو أن هناك خللًا في النظام العرضي.” تحرّكت سديم بسرعة هذه المرة، وكأن عقلها عاد للعمل بدل التوتر. اقتربت من جهاز التحكم، ونظرت إلى الشاشة بتركيز. قال أحدهم بقلق: “هل تحتاجين دعم من قسم الـIT؟” لكنها أجابت بثقة خفيفة: “لا، انتظروا لحظة.” بدأت تفحص الإعدادات بسرعة، تضغط
بعد فترة، تحرّكت سديم فجأة وجلست نصف جلسة وهي نائمة، ثم قالت بصوت شبه واضح لكنها غير واعية: “لا… أنا قلت لك الأريكة أفضل…” ثم استلقت مجددًا وكأن شيئًا لم يكن. توقّف ليث، ونظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء جاد جدًا: “حتى في النومك لا تسكتي ؟ وفي اللحظة التالية، انقلبت الجدية إلى موقف أخف، حين
بعد أن انتهى الغداء وبدأت الأجواء تهدأ قليلًا داخل المنزل، جلست سديم مع منى في زاوية هادئة بعيدًا عن الجد والجدة. كانت تتردد قليلًا قبل أن تتكلم، ثم قالت بصوت منخفض: “منى… أريد أن أخبركِ بشيء.” نظرت إليها منى بلطف: “تفضّلي يا ابنتي.” أخذت سديم نفسًا خفيفًا ثم قالت: “أنا لم أحضر أي شيء من ملاب







