LOGINمَن مات بدلًا منها؟
لم يتحرك أحد داخل المكتب بعد قراءة الرسالة، وكأن الكلمات القليلة التي ظهرت على الشاشة انتزعت الهواء من المكان.
«لقد حان الوقت لتعرفوا أن منصور لم يكن الضحية الوحيدة في تلك الليلة. اسألوا لارين عمّن مات بدلًا منها.»
كانت لارين تحدق في هاتف مالك، بينما تقبض أصابعها على المفتاح الفضي الذي انتزعته من قلادتها. لم تكن تتذكر تلك الليلة، لكنها شعرت فجأة بأن شيئًا مدفونًا في أعماقها يحاول شق طريقه إلى ذاكرتها؛ رائحة دخان، وصوت امرأة تصرخ، ويد صغيرة تشدها بقوة بعيدًا عن النار.
وضعت يدها على رأسها، وتراجعت خطوة.
لاحظ سيف اضطرابها، فاقترب منها سريعًا.
سيف: «لارين، انظري إليَّ. ماذا حدث؟ هل تذكرت شيئًا؟»
لارين: «لا أعرف. هناك صوت في رأسي، كأنني سمعته من قبل، لكنني لا أستطيع تمييز الكلمات. أشعر بأنني كنت هناك، في المكان الذي تتحدثون عنه، وأنني رأيت شيئًا لا ينبغي لطفلة أن تراه.»
تبادل سيف ومالك نظرة خاطفة، لكن لارين التقطتها.
لارين: «لا تتبادلا النظرات وكأنني غير موجودة. لقد سئمت أن أكون الشخص الوحيد الذي لا يعرف شيئًا عن حياته! أبي اختفى، وأمي عادت من الموت أو من النسيان لتخبرني بنصف الحقيقة، وأنتما تتحدثان عن ليلة كنت فيها طفلة وكأنها حكم بالإعدام. أريد إجابة واحدة واضحة، من دون تهرب أو أسرار جديدة. من مات بدلًا مني؟»
أطبق مالك شفتيه، بينما بدا سيف كأنه يقاوم رغبة في تدمير كل شيء حوله.
سيف: «لن أسمح لأحد باستخدام ذاكرتك ضدك. سنصل إلى الحقيقة، لكننا لن نفعل ذلك بالطريقة التي يريدها هذا الرجل.»
لارين: «وهل تعرف من يكون؟»
سيف: «لديَّ احتمال.»
لارين: «احتمال آخر؟ أتعلم ما الذي يخيفني أكثر من القاتل الذي يطاردني؟ أنني لا أعرف إن كنت تقف بجانبي لأنك تريد حمايتي، أم لأنك تحتاج إليَّ للوصول إلى شيء تركه أبي وراءه.»
بدت كلماتها كصفعة أصابت سيف في موضع لم يعتد أن يسمح لأحد بالاقتراب منه. اقترب منها، لكنه توقف حين رأى أنها لا تريد منه أن يلمسها.
سيف: «لو كنت أريد المفتاح وحده، لأخذته منك منذ اللحظة التي اكتشفت فيها أنك تحملينه. ولو كنت أبحث عن مصلحة تخصني، لما دخلت ذلك الفندق وأنا أعلم أن الرصاصة التالية قد تنهي حياتي. لا أطلب منك أن تثقي بي لمجرد أنني أقول ذلك، لكن لا تحكمي على كل ما فعلته بسبب الأكاذيب التي أحاطت بك منذ طفولتك.»
لارين: «إذن أثبت لي أنك مختلف عنهم.»
قبل أن يجيب، انطفأت شاشة المكتب فجأة، ثم أضاءت المصابيح الحمراء المثبتة أعلى الأبواب.
انطلق صوت عمر عبر جهاز الاتصال الداخلي.
عمر: «سيف، لدينا اختراق في الطابق السفلي! لقد تجاوز المهاجمون البوابة الخارجية، وهناك شخص عطّل نظام المراقبة من داخل المبنى. أغلقنا المصاعد، لكنهم يتحركون نحو الطابق الذي توجدون فيه.»
سحب سيف مسدسه، ثم نظر إلى مالك.
سيف: «خذ لارين إلى الممر الشرقي، ولا تسمح لأحد بالاقتراب منها.»
لكن مالك لم يتحرك.
كان يحدق في شاشة الحاسوب التي عادت إلى العمل، وقد ظهر عليها تسجيل جديد لم يستغرق سوى ثوانٍ.
في التسجيل، ظهر رجل ملثم يدخل غرفة مظلمة، ثم يرفع رأسه نحو الكاميرا. لم يظهر وجهه، لكن صوته كان واضحًا.
الرجل: «يا سيف، إن كنت تريد معرفة من مات بدلًا من لارين، فعليك أن تسأل أخاك عن الفتاة التي حملها خارج المستودع تلك الليلة.»
تجمدت ملامح مالك.
استدار سيف إليه ببطء.
سيف: «أي فتاة؟»
لم يجبه مالك.
سيف: «أنظر إليَّ يا مالك! من الفتاة التي حملتها؟»
مالك: «كنت طفلًا، ولم أكن أفهم ما يحدث. كل ما أتذكره أن أبي أمرني بإخراج طفلة من المستودع قبل وصول الشرطة، وقال إن حياتها تعتمد على بقائها بعيدًا عن ذلك المكان.»
تراجعت لارين، وكأنها تلقت ضربة لم تكن مستعدة لها.
لارين: «طفلة أخرى؟ هل كانت هناك طفلة أخرى معي؟»
خفض مالك عينيه.
مالك: «نعم.»
لارين: «وهل ماتت؟»
لم يجب.
كانت إجابته الصامتة أشد قسوة من أي اعتراف.
اندفعت لارين نحوه، وأمسكت بذراعه.
لارين: «قل شيئًا! أرجوك، لا تجعلني أستنتج أن طفلة ماتت لأن أحدًا قرر أن ينقذني أنا. هل كانت أختي؟ هل كانت ابنة أحد العاملين مع أبي؟ لماذا لا يتذكر عقلي شيئًا عنها؟»
مالك: «لأنني لا أعرف هويتها. أقسم لك أنني لم أعرف اسمها قط. كانت ترتدي ثوبًا أبيض، وكانت مصابة، وحين أخرجتها من الباب الخلفي سلّمني أبي إلى أحد رجاله، ثم أعادني إلى المنزل. وفي الصباح، أخبرني أن ما رأيته يجب ألا يخرج من ذاكرتي أبدًا.»
لارين: «وهل أطعت أمره طوال هذه السنوات؟»
رفع مالك عينيه إليها، وقد بدا للمرة الأولى رجلًا يطارده ماضيه بدلًا من رجل يتقن إخفاءه.
مالك: «نعم. وهذا هو الذنب الذي لم أستطع التخلص منه.»
لم يمنحه سيف فرصة لإضافة كلمة أخرى.
سيف: «سنعود إلى هذا الحديث، لكن إن كنت تخفي عني شيئًا آخر، فأقسم لك أن الأخوة لن تحمِيك مني هذه المرة.»
ثم أمسك بيد لارين، وانطلق بها نحو الممر الشرقي.
لم تعترض، رغم أن قبضته كانت قوية. كانت تسمع خطوات الرجال خلفهما، وأصوات الطلقات تتردد في الطوابق السفلية. وحين وصلا إلى منعطف ضيق، ظهر رجل مسلح من باب جانبي.
دفع سيف لارين خلفه، وانحنى متفاديًا الرصاصة الأولى، ثم اشتبك مع المهاجم. ارتطم الاثنان بالجدار، وسقط السلاح على الأرض. حاول الرجل الوصول إليه، لكن سيف وجه إليه ضربة أطاحت به، ثم انتزع منه جهاز الاتصال.
الرجل: «لن تنجو بها هذه المرة! لقد أعطيتنا ما نحتاج إليه بالفعل!»
أمسكه سيف من ياقة سترته.
سيف: «ماذا تقصد؟ ما الذي أخذتموه؟»
ابتسم الرجل رغم الدم الذي سال من فمه.
الرجل: «المفتاح لم يعد مهمًّا. لقد حصلنا على الأصل.»
تغير وجه سيف.
استدار نحو لارين، التي كانت لا تزال تقبض على المفتاح الفضي.
سيف: «أخرجي المفتاح، بسرعة!»
فتحته أمامه.
كان المفتاح في يدها، لكن شيئًا آخر لم يعد معها.
تأملت قلادتها المقطوعة، ثم شهقت حين أدركت أن الجزء الصغير الذي كان مثبتًا خلف المفتاح قد اختفى. لم تكن قد لاحظت وجوده من قبل، فقد ظنته مجرد قطعة معدنية عادية.
لارين: «ما هذا؟ لم يكن سوى جزء من القلادة!»
أفلت سيف الرجل، وراح يفتش سترته، لكنه لم يجد شيئًا.
ضحك المهاجم وهو ينهض بصعوبة.
الرجل: «لقد تأخرتم. القطعة التي كانت خلف المفتاح تحمل الشريحة الوحيدة القادرة على فتح الملف المشفر. أنتم احتفظتم بالمفتاح طوال هذه السنوات، بينما كان أبيكم يترك لكم الحقيقة معلقة حول عنق الفتاة.»
اندفع سيف نحوه، لكن الرجل ضغط زرًّا صغيرًا في ساعته، فانفجر ضوء أبيض قوي في الممر. وحين انقشع الدخان، كان قد اختفى عبر باب الطوارئ.
نظر سيف إلى لارين، ثم إلى القلادة الممزقة.
سيف: «علينا الوصول إلى المكان الذي يحتفظ فيه والدك بالملف قبلهم.»
لارين: «وكيف سنعرف مكانه؟»
أخرجت لارين الرسالة القديمة التي وجدتها في منزلها، وفتحتها بيدين مرتجفتين. كانت قد قرأتها عشرات المرات، لكنها لاحظت الآن أن الحبر الباهت في أسفل الصفحة لم يكن مجرد توقيع.
كان هناك سطر صغير كُتب بطريقة مختلفة:
«حين تعود الفتاة التي لم تمت، افتحوا الباب الذي لا يحمل اسمًا.»
شحب وجه مالك حين قرأ العبارة، فقد لحق بهما عبر الممر.
مالك: «هذا مستحيل...»
استدار سيف نحوه.
سيف: «ما الذي تعرفه؟»
مالك: «هناك مكان تحت المستودع القديم. غرفة سرية لم يسمح أبي لأحد بدخولها، حتى بعد اختفاء منصور. كان يسميها الباب الذي لا يحمل اسمًا.»
لارين: «إذن سنذهب إلى هناك.»
سيف: «لن تذهبي إلى مكان مجهول قبل أن نتأكد من أنه ليس فخًّا.»
رفعت رأسها متحدية خوفها.
لارين: «لقد قضيت حياتي كلها أهرب من أسئلة لا أعرفها، وأثق بأشخاص يقررون أي جزء من الحقيقة أستحق سماعه. إذا كانت هناك طفلة ماتت بدلًا مني، فمن حقي أن أعرف اسمها، ومن حقي أن أعرف لماذا اختيرت هي للموت بينما بقيت أنا حية. لن أعود إلى الاختباء يا سيف، حتى لو اضطررت إلى دخول ذلك المكان وحدي.»
ظل ينظر إليها لحظات طويلة، ثم خلع سترته ووضعها على كتفيها؛ لم تكن لفتة استعراضية، بل كانت محاولة هادئة لإخفاء ارتجافها عن الرجال الواقفين حولهما.
سيف: «لن تدخلي وحدك. لكن من الآن فصاعدًا، إذا طلبت منك التراجع أثناء الخطر، فافعلي ذلك. لا لأنني أريد السيطرة عليك، بل لأنني لا أستطيع التفكير بوضوح حين أراك في مرمى النار.»
تلاقت عيناهما، وتبدد الغضب في وجه لارين للحظة. كادت تسأله عما يقصده، لكنها تراجعت حين رأت الدم يتسرب من ضماد كتفه المصاب.
لارين: «جرحك ينزف مجددًا. لماذا لم تخبرني أنه ازداد سوءًا؟»
سيف: «لأن لدينا ما هو أهم الآن.»
لارين: «لا تقرر وحدك ما هو مهم بالنسبة إليَّ. إذا كنت تريد مني أن أواجه هذا الماضي معك، فعليك أن تتوقف عن التصرف وكأن حياتك أقل قيمة من حياتي.»
لم يجد سيف ردًّا سريعًا. اكتفى بأن نظر إليها، وفي عينيه شيء لم تستطع تفسيره، ثم قال بصوت خافت:
سيف: «أخشى أن أكتشف يومًا أنني تأخرت في حمايتك.»
اقتربت منه خطوة، وأمسكت بيده للحظة قصيرة.
لارين: «وأنا أخشى أن تكون الحقيقة التي نبحث عنها هي الشيء الوحيد الذي سيجعلني أكرهك.»
لم يسحب يده.
سيف: «إذا حدث ذلك، فلن أطلب منك أن تسامحيني. سأطلب منك فقط أن تسمعي الحقيقة كاملة قبل أن تحكمي عليَّ.»
لم تستطع لارين الإجابة؛ فقد صدر صوت تنبيه من هاتف مالك، وظهرت رسالة جديدة من رقم مجهول، مرفقة بصورة التُقطت قبل دقائق.
كانت الصورة لامرأة تجلس على كرسي داخل غرفة ضيقة، ويداها مقيدتان خلف ظهرها.
عرفتها لارين فورًا.
مريم.
لكن الصدمة لم تكن في كونها أسيرة، بل في الشخص الواقف خلفها.
كان الرجل يضع يده على كتفها، ويرفع وجهه نحو الكاميرا بابتسامة باردة.
إنه منصور، والد لارين، الرجل الذي أخبروها طوال حياتها أنه مات منذ سبعة عشر عامًا.
وتحت الصورة ظهرت عبارة واحدة:
«أحضِروا لارين وحدها إلى المستودع قبل منتصف الليل، وإلا أخبرناها لماذا كان عليها أن تموت بدلًا من أختها.»
مَن مات بدلًا منها؟لم يتحرك أحد داخل المكتب بعد قراءة الرسالة، وكأن الكلمات القليلة التي ظهرت على الشاشة انتزعت الهواء من المكان.«لقد حان الوقت لتعرفوا أن منصور لم يكن الضحية الوحيدة في تلك الليلة. اسألوا لارين عمّن مات بدلًا منها.»كانت لارين تحدق في هاتف مالك، بينما تقبض أصابعها على المفتاح الفضي الذي انتزعته من قلادتها. لم تكن تتذكر تلك الليلة، لكنها شعرت فجأة بأن شيئًا مدفونًا في أعماقها يحاول شق طريقه إلى ذاكرتها؛ رائحة دخان، وصوت امرأة تصرخ، ويد صغيرة تشدها بقوة بعيدًا عن النار.وضعت يدها على رأسها، وتراجعت خطوة.لاحظ سيف اضطرابها، فاقترب منها سريعًا.سيف: «لارين، انظري إليَّ. ماذا حدث؟ هل تذكرت شيئًا؟»لارين: «لا أعرف. هناك صوت في رأسي، كأنني سمعته من قبل، لكنني لا أستطيع تمييز الكلمات. أشعر بأنني كنت هناك، في المكان الذي تتحدثون عنه، وأنني رأيت شيئًا لا ينبغي لطفلة أن تراه.»تبادل سيف ومالك نظرة خاطفة، لكن لارين التقطتها.لارين: «لا تتبادلا النظرات وكأنني غير موجودة. لقد سئمت أن أكون الشخص الوحيد الذي لا يعرف شيئًا عن حياته! أبي اختفى، وأمي عادت من الموت أو من النسيان لتخبرن
مَن مات بدلًا منها؟لم يتحرك أحد داخل المكتب بعد قراءة الرسالة، وكأن الكلمات القليلة التي ظهرت على الشاشة انتزعت الهواء من المكان.«لقد حان الوقت لتعرفوا أن منصور لم يكن الضحية الوحيدة في تلك الليلة. اسألوا لارين عمّن مات بدلًا منها.»كانت لارين تحدق في هاتف مالك، بينما تقبض أصابعها على المفتاح الفضي الذي انتزعته من قلادتها. لم تكن تتذكر تلك الليلة، لكنها شعرت فجأة بأن شيئًا مدفونًا في أعماقها يحاول شق طريقه إلى ذاكرتها؛ رائحة دخان، وصوت امرأة تصرخ، ويد صغيرة تشدها بقوة بعيدًا عن النار.وضعت يدها على رأسها، وتراجعت خطوة.لاحظ سيف اضطرابها، فاقترب منها سريعًا.سيف: «لارين، انظري إليَّ. ماذا حدث؟ هل تذكرت شيئًا؟»لارين: «لا أعرف. هناك صوت في رأسي، كأنني سمعته من قبل، لكنني لا أستطيع تمييز الكلمات. أشعر بأنني كنت هناك، في المكان الذي تتحدثون عنه، وأنني رأيت شيئًا لا ينبغي لطفلة أن تراه.»تبادل سيف ومالك نظرة خاطفة، لكن لارين التقطتها.لارين: «لا تتبادلا النظرات وكأنني غير موجودة. لقد سئمت أن أكون الشخص الوحيد الذي لا يعرف شيئًا عن حياته! أبي اختفى، وأمي عادت من الموت أو من النسيان لتخبرن
خيانة من الدمظلَّ سيف يحدق في الصورة، بينما كانت أصابعه تنقبض حول حافتها حتى كادت تمزقها. لم يكن ظهور والده بجوار منصور هو ما أربكه، بل وجود مالك معهما، بالملامح نفسها التي يعرفها، والساعة الفضية التي لم يفارقه ارتداؤها منذ سنوات.قالت لارين وهي تنتزع الصورة من يده: «أريد تفسيرًا واضحًا. لماذا أقسم أخوك أنه لم يقابل أبي، بينما تقف صورته إلى جواره؟»أجاب سيف ببرود مصطنع: «سأحصل على الإجابة منه بنفسي.»«وماذا لو كذب عليك؟»التفت إليها، فوجدها تنظر إليه بترقب، وكأنها تنتظر منه أن يعترف بأن الشك لم يعد يقتصر على مالك وحده.قال: «لن أسمح له بالكذب مرة أخرى.»«أنت تقول ذلك وكأن الحقيقة ستظهر بمجرد أن ترفع صوتك. لقد رأيتك تتعامل مع الجميع بالأوامر والتهديدات، لكنني لم أرَ منك مرة واحدة استعدادًا للاعتراف بأنك قد تكون مخطئًا.»اقترب منها، وخفض صوته: «هل تعتقدين أنني أخفي الحقيقة لأنني أستمتع برؤيتك تتألمين؟»«لا أعرف لماذا تفعل ذلك، سيف. وهذه هي المشكلة. أنت تريد مني أن أثق بك، بينما تمنحني في كل مرة سببًا جديدًا لأشك فيك.»لم يجد جوابًا يرضيها. أدار وجهه نحو عمر وأمره بتجهيز السيارة، ثم عاد
لم يكد سيف يُنهي قراءة الرسالة حتى أغلق هاتفه وألقاه على المقعد المجاور، ثم طلب من عمر تغيير الطريق المؤدي إلى المنزل. كان وجهه جامدًا، لكن أصابعه التي انغلقت حول المفتاح الأسود كشفت عن غضب لم يعتد أحد رؤيته منه. أما لارين، فكانت تراقبه بصمت، وقد أدركت أن الرجل الذي لا يخشى شيئًا يستعد الآن لمواجهة أمر يمس قلبه مباشرة.قالت بحزم: «سأذهب معك، فلا تحاول إقناعي بالبقاء.»التفت إليها، وكانت عيناه تحملان تحذيرًا واضحًا. «أنت لا تعرفين ما الذي ينتظرنا، ولا أستطيع ضمان سلامتك إذا وقعت المواجهة التي أتوقعها.»«وأنت لا تعرف ما الذي سأفعله إذا تركتني هنا مرة أخرى لتقرر وحدك ما ينبغي أن أعرفه. لقد انتهيت من دور المرأة التي تنتظر خلف الأبواب حتى يقرر الرجال مصيرها. إذا كانت حياة والدتك مهددة، فأنا أريد أن أساعدك، لكنني لن أكون أداة تستخدمها لحماية أسرارك.»ظل ينظر إليها لحظات، ثم قال: «حسنًا، ستأتين معي، لكن بشروط واضحة. ستبقين إلى جواري، ولن تتحركي وحدك مهما حدث. وإذا طلبت منك المغادرة، فستغادرين دون نقاش.»رفعت حاجبها باستنكار. «أوافق على الشرط الأول، أما الثاني فسنرى إن كنت تستحق أن أطيعه.»كا
«أغلق جميع الطرق المؤدية إلى المنزل، واستدعِ رجالنا من المستودع القديم أريد تسجيلات الكاميرات خلال الدقائق العشر الماضية، وأريد معرفة كيف خرجت لارين من هنا دون أن يراها أحد.»اردف بذلك مسرعًا والتوتر يأكله قال عمر بقلق: «وماذا لو كان اختفاؤها فخًّا لإبعادك عن المنزل؟»أجابه سيف وهو يتناول سلاحه: «هذا ما يريدني أن أفكر فيه. لكنه ارتكب خطأً واحدًا؛ لقد ظن أن تهديدي بها سيجعلني أفقد عقلي. لن أمنحه هذه المتعة.»توقف عند الباب، ثم استدار نحو عمر.«هناك أمر آخر. لا تخبر مالكًا بشيء مما حدث، ولا تسمح له بالاقتراب من غرفة المراقبة.»اتسعت عينا عمر قليلًا، لكنه لم يسأل. كان يعرف أن سيف لا يتخذ قرارًا كهذا دون سبب.في تلك اللحظة، ظهر على شاشة الهاتف موقع جغرافي أُرسل من جهاز لارين قبل انقطاع الإشارة. كان الموقع يشير إلى مبنى مهجور قرب الميناء القديم.ابتسم سيف ابتسامة باردة.«وجدتك.»---كانت لارين تجلس في المقعد الخلفي لسيارة سوداء، ويداها حرتان، لكن الرجل الجالس بجوارها كان يراقب كل حركة تصدر عنها. لم تعرف كيف وصلت إلى السيارة؛ آخر ما تذكرته أنها سمعت صوتًا خلفها عندما خرجت من الغرفة، ثم شعر
أخرجت مريم ظرفًا صغيرًا من حقيبتها ووضعته على الطاولة.«هذه رسالة تركها منصور قبل موته. لم أستطع الوصول إليك إلا الآن، لأن الشخص الذي كان يراقبك طوال السنوات الماضية اختفى فجأة، ظننت أن الطريق أصبح آمنًا، لكنني ربما ارتكبت خطأً بقدومي إلى هنا.»التقطت لارين الظرف. كان اسمها مكتوبًا على وجهه بخط أبيها، وتحت الاسم تاريخ يعود إلى سبعة عشر عامًا مضت.ارتجفت أصابعها وهي تفتح الرسالة.«ابنتي الحبيبة لارين، إذا وصلت هذه الرسالة إليك يومًا، فهذا يعني أنني لم أتمكن من الوفاء بوعدي لك. هناك أشخاص سيحاولون إقناعك بأن ماضيك ليس كما تتذكرينه، وبعضهم سيستخدم الخوف ليجعلك تثقين به، بينما سيستخدم آخرون الحقيقة ليقودوك إلى الهلاك. لا تثقي بكل من يدَّعي أنه جاء لإنقاذك، ولا تكرهي من يخفي عنك شيئًا قبل أن تعرفي ما الذي يحاول حمايتك منه.»توقفت لارين عن القراءة.رفعت رأسها ببطء، وعيناها تستقران على سيف.لم تكن الرسالة تذكر اسمه، لكن كلماتها بدت وكأنها كُتبت من أجله.قالت مريم: «هناك صفحة أخرى، لكنها ليست معي.»«أين هي؟» سألت لارين.«لا أعرف. آخر مرة رأيتها فيها كانت مع رجل اسمه فؤاد. كان يعمل مع والدك، ث