LOGINأخرجت مريم ظرفًا صغيرًا من حقيبتها ووضعته على الطاولة.
«هذه رسالة تركها منصور قبل موته. لم أستطع الوصول إليك إلا الآن، لأن الشخص الذي كان يراقبك طوال السنوات الماضية اختفى فجأة، ظننت أن الطريق أصبح آمنًا، لكنني ربما ارتكبت خطأً بقدومي إلى هنا.»
التقطت لارين الظرف. كان اسمها مكتوبًا على وجهه بخط أبيها، وتحت الاسم تاريخ يعود إلى سبعة عشر عامًا مضت.
ارتجفت أصابعها وهي تفتح الرسالة.
«ابنتي الحبيبة لارين، إذا وصلت هذه الرسالة إليك يومًا، فهذا يعني أنني لم أتمكن من الوفاء بوعدي لك. هناك أشخاص سيحاولون إقناعك بأن ماضيك ليس كما تتذكرينه، وبعضهم سيستخدم الخوف ليجعلك تثقين به، بينما سيستخدم آخرون الحقيقة ليقودوك إلى الهلاك. لا تثقي بكل من يدَّعي أنه جاء لإنقاذك، ولا تكرهي من يخفي عنك شيئًا قبل أن تعرفي ما الذي يحاول حمايتك منه.»
توقفت لارين عن القراءة.
رفعت رأسها ببطء، وعيناها تستقران على سيف.
لم تكن الرسالة تذكر اسمه، لكن كلماتها بدت وكأنها كُتبت من أجله.
قالت مريم: «هناك صفحة أخرى، لكنها ليست معي.»
«أين هي؟» سألت لارين.
«لا أعرف. آخر مرة رأيتها فيها كانت مع رجل اسمه فؤاد. كان يعمل مع والدك، ثم اختفى بعد الحادث بأيام.»
تغيرت ملامح سيف فجأة.
«فؤاد مات.»
التفتت مريم إليه.
«هذا ما أُريد لك أن تصدقه.»
وقبل أن يتمكن من الرد، دوى صوت ارتطام عنيف في الخارج، أعقبه صوت إطلاق نار. انطفأت بعض أضواء المنزل، وسمعت لارين خطوات متسارعة في الممر.
تحرك سيف فورًا، وأمسك بيدها ليجذبها خلف الجدار القريب، بينما أخرج هاتفه واتصل بعمر.
«أغلقوا جميع المخارج. لا تسمحوا لأحد بالخروج، وأريد معرفة عدد المهاجمين ومكانهم الآن.»
جاءه صوت عمر متوترًا: «هناك رجلان عند البوابة الخلفية، وثالث يحاول الوصول إلى الطابق العلوي. أحد الحراس أُصيب، لكننا لم نتمكن من تحديد الجهة التي جاءوا منها.»
نظر سيف إلى مريم.
«هل تبعك أحد إلى هنا؟»
«لا أعرف.»
«إجابة غير مقبولة.»
«قلت لك إنني لا أعرف! لو كنت أريد إيذاء لارين، لما أحضرت إليها رسالة والدها.»
دوَّى إطلاق نار آخر، أقرب هذه المرة. دفع سيف لارين إلى داخل غرفة جانبية، ثم التفت إليها وأغلق الباب جزئيًّا.
قال بصوت حاسم: «ابقَي هنا حتى أعود. لا تفتحي الباب لأي شخص، مهما سمعتِ.»
أمسكت بذراعه قبل أن يبتعد.
«لا تتركني هنا وحدي.»
توقفت خطواته.
كان ذلك أول طلب مباشر تسمعه هي نفسها يخرج منها دون أن تحاول إخفاء خوفها خلف الغضب. نظر إلى يدها الملتفة حول ذراعه، ثم رفع عينيه إلى وجهها.
«لن أتركك. لكنني أحتاج إلى إنهاء هذا قبل أن يصلوا إليك.»
«وإذا لم تعد؟»
اقترب منها، ورفع يده إلى وجهها، ثم قال بهدوء لم يتناسب مع أصوات الرصاص في الخارج: «سأعود إليك، حتى لو اضطررت إلى شق الطريق بنفسي. لكنني أريد منك وعدًا واحدًا؛ مهما حدث الليلة، لا تخرجي بحثًا عني.»
لم تجبه، بل ظلت تنظر إليه. كان الخوف يملأ عينيها، لكن خلفه شيئًا آخر لم تعد قادرة على إنكاره. لقد أصبح وجود سيف مصدرًا لقلقها وطمأنينتها في الوقت نفسه، وكانت تلك المفارقة تخيفها أكثر من الرجال الذين يحاولون قتلها.
انحنى وقبّل جبينها قبلة قصيرة، ثم ابتعد قبل أن تمنحه فرصة لقول شيء آخر.
«أغلقي الباب يا لارين.»
خرج، وبقيت واقفة مكانها لثوانٍ، تضع أصابعها على جبينها حيث تركت قبلته أثرًا دافئًا. كانت تكرهه لأنه يخفي عنها الحقيقة، وتخشى عليه لأنه أصبح أقرب إليها مما ينبغي، ولا تعرف أي الشعورين سيهزم الآخر أولًا.
---
في الخارج، كان سيف يتحرك عبر الممر بخطوات سريعة، بينما يلحق به عمر ورجلان من الحراسة. وعندما وصل إلى الصالة الرئيسية، وجد أحد المهاجمين مصابًا عند الدرج، بينما اختفى الآخران قبل أن يتمكن رجاله من تطويق المكان.
انحنى سيف والتقط شيئًا سقط بجوار الرجل المصاب: قطعة معدنية سوداء تحمل شعارًا قديمًا يعرفه جيدًا.
تجمدت أصابعه حولها.
لم يرَ هذا الشعار منذ سبعة عشر عامًا، منذ الليلة التي أخبره فيها والده أن بعض الأبواب لا ينبغي فتحها أبدًا، مهما كانت الحقيقة التي تخفيها خلفها.
اقترب عمر منه.
«هل تعرف هذا الشعار؟»
أغلق سيف قبضته عليه.
«أريد تسجيلات الكاميرات كاملة، وأريد قائمة بكل شخص دخل هذا المنزل خلال الشهر الماضي لا تستثنِ أحدًا، مهما كان قريبًا مني.»
تردد عمر قبل أن يسأل: «حتى السيد مالك؟»رفع سيف عينيه إليه.
«خصوصًا مالك.»
في تلك اللحظة، اهتز هاتف سيف برسالة وصلت من رقم مجهول. فتحها، فوجد صورة حديثة التُقطت داخل منزله قبل دقائق. ظهرت فيها لارين واقفة بجوار الطاولة، بينما كانت مريم تمد يدها نحو الظرف.
وتحت الصورة كُتبت عبارة واحدة:
«لقد أخطأت حين سمحت لها بقراءة الرسالة. اسألها عمّا رأته في الصفحة الأخيرة، ثم اسأل نفسك لماذا لم يخبرك والدك أن لارين كانت موجودة في تلك الليلة.»
ظل سيف يحدق في الشاشة، وشعر للمرة الأولى منذ سنوات بأن أحدهم لا يراقب خطواته فحسب، بل يعرف أسراره أيضًا.
رفع رأسه فجأة واتجه نحو الغرفة التي ترك فيها لارين.
لكن الباب كان مفتوحًا والغرفة خالية.
على الأرض، قرب النافذة، استقرت الرسالة التي قرأتها قبل دقائق، وقد كُتبت على ظهرها جملة لم تكن موجودة عندما تركها:
«إذا أردت أن تراها حية مرة أخرى، فلا تبحث عنها وحدك.»
قرأ سيف الرسالة مرة ثانية، ثم رفع عينيه إلى النافذة المفتوحة، لم يكن الغضب هو ما سيطر عليه، بل ذلك الهدوء المرعب الذي يسبق قراراته التي لا رجعة فيها طوى الورقة ووضعها في جيبه، ثم التفت إلى عمر الذي دخل الغرفة مسرعًا.مَن مات بدلًا منها؟لم يتحرك أحد داخل المكتب بعد قراءة الرسالة، وكأن الكلمات القليلة التي ظهرت على الشاشة انتزعت الهواء من المكان.«لقد حان الوقت لتعرفوا أن منصور لم يكن الضحية الوحيدة في تلك الليلة. اسألوا لارين عمّن مات بدلًا منها.»كانت لارين تحدق في هاتف مالك، بينما تقبض أصابعها على المفتاح الفضي الذي انتزعته من قلادتها. لم تكن تتذكر تلك الليلة، لكنها شعرت فجأة بأن شيئًا مدفونًا في أعماقها يحاول شق طريقه إلى ذاكرتها؛ رائحة دخان، وصوت امرأة تصرخ، ويد صغيرة تشدها بقوة بعيدًا عن النار.وضعت يدها على رأسها، وتراجعت خطوة.لاحظ سيف اضطرابها، فاقترب منها سريعًا.سيف: «لارين، انظري إليَّ. ماذا حدث؟ هل تذكرت شيئًا؟»لارين: «لا أعرف. هناك صوت في رأسي، كأنني سمعته من قبل، لكنني لا أستطيع تمييز الكلمات. أشعر بأنني كنت هناك، في المكان الذي تتحدثون عنه، وأنني رأيت شيئًا لا ينبغي لطفلة أن تراه.»تبادل سيف ومالك نظرة خاطفة، لكن لارين التقطتها.لارين: «لا تتبادلا النظرات وكأنني غير موجودة. لقد سئمت أن أكون الشخص الوحيد الذي لا يعرف شيئًا عن حياته! أبي اختفى، وأمي عادت من الموت أو من النسيان لتخبرن
مَن مات بدلًا منها؟لم يتحرك أحد داخل المكتب بعد قراءة الرسالة، وكأن الكلمات القليلة التي ظهرت على الشاشة انتزعت الهواء من المكان.«لقد حان الوقت لتعرفوا أن منصور لم يكن الضحية الوحيدة في تلك الليلة. اسألوا لارين عمّن مات بدلًا منها.»كانت لارين تحدق في هاتف مالك، بينما تقبض أصابعها على المفتاح الفضي الذي انتزعته من قلادتها. لم تكن تتذكر تلك الليلة، لكنها شعرت فجأة بأن شيئًا مدفونًا في أعماقها يحاول شق طريقه إلى ذاكرتها؛ رائحة دخان، وصوت امرأة تصرخ، ويد صغيرة تشدها بقوة بعيدًا عن النار.وضعت يدها على رأسها، وتراجعت خطوة.لاحظ سيف اضطرابها، فاقترب منها سريعًا.سيف: «لارين، انظري إليَّ. ماذا حدث؟ هل تذكرت شيئًا؟»لارين: «لا أعرف. هناك صوت في رأسي، كأنني سمعته من قبل، لكنني لا أستطيع تمييز الكلمات. أشعر بأنني كنت هناك، في المكان الذي تتحدثون عنه، وأنني رأيت شيئًا لا ينبغي لطفلة أن تراه.»تبادل سيف ومالك نظرة خاطفة، لكن لارين التقطتها.لارين: «لا تتبادلا النظرات وكأنني غير موجودة. لقد سئمت أن أكون الشخص الوحيد الذي لا يعرف شيئًا عن حياته! أبي اختفى، وأمي عادت من الموت أو من النسيان لتخبرن
خيانة من الدمظلَّ سيف يحدق في الصورة، بينما كانت أصابعه تنقبض حول حافتها حتى كادت تمزقها. لم يكن ظهور والده بجوار منصور هو ما أربكه، بل وجود مالك معهما، بالملامح نفسها التي يعرفها، والساعة الفضية التي لم يفارقه ارتداؤها منذ سنوات.قالت لارين وهي تنتزع الصورة من يده: «أريد تفسيرًا واضحًا. لماذا أقسم أخوك أنه لم يقابل أبي، بينما تقف صورته إلى جواره؟»أجاب سيف ببرود مصطنع: «سأحصل على الإجابة منه بنفسي.»«وماذا لو كذب عليك؟»التفت إليها، فوجدها تنظر إليه بترقب، وكأنها تنتظر منه أن يعترف بأن الشك لم يعد يقتصر على مالك وحده.قال: «لن أسمح له بالكذب مرة أخرى.»«أنت تقول ذلك وكأن الحقيقة ستظهر بمجرد أن ترفع صوتك. لقد رأيتك تتعامل مع الجميع بالأوامر والتهديدات، لكنني لم أرَ منك مرة واحدة استعدادًا للاعتراف بأنك قد تكون مخطئًا.»اقترب منها، وخفض صوته: «هل تعتقدين أنني أخفي الحقيقة لأنني أستمتع برؤيتك تتألمين؟»«لا أعرف لماذا تفعل ذلك، سيف. وهذه هي المشكلة. أنت تريد مني أن أثق بك، بينما تمنحني في كل مرة سببًا جديدًا لأشك فيك.»لم يجد جوابًا يرضيها. أدار وجهه نحو عمر وأمره بتجهيز السيارة، ثم عاد
لم يكد سيف يُنهي قراءة الرسالة حتى أغلق هاتفه وألقاه على المقعد المجاور، ثم طلب من عمر تغيير الطريق المؤدي إلى المنزل. كان وجهه جامدًا، لكن أصابعه التي انغلقت حول المفتاح الأسود كشفت عن غضب لم يعتد أحد رؤيته منه. أما لارين، فكانت تراقبه بصمت، وقد أدركت أن الرجل الذي لا يخشى شيئًا يستعد الآن لمواجهة أمر يمس قلبه مباشرة.قالت بحزم: «سأذهب معك، فلا تحاول إقناعي بالبقاء.»التفت إليها، وكانت عيناه تحملان تحذيرًا واضحًا. «أنت لا تعرفين ما الذي ينتظرنا، ولا أستطيع ضمان سلامتك إذا وقعت المواجهة التي أتوقعها.»«وأنت لا تعرف ما الذي سأفعله إذا تركتني هنا مرة أخرى لتقرر وحدك ما ينبغي أن أعرفه. لقد انتهيت من دور المرأة التي تنتظر خلف الأبواب حتى يقرر الرجال مصيرها. إذا كانت حياة والدتك مهددة، فأنا أريد أن أساعدك، لكنني لن أكون أداة تستخدمها لحماية أسرارك.»ظل ينظر إليها لحظات، ثم قال: «حسنًا، ستأتين معي، لكن بشروط واضحة. ستبقين إلى جواري، ولن تتحركي وحدك مهما حدث. وإذا طلبت منك المغادرة، فستغادرين دون نقاش.»رفعت حاجبها باستنكار. «أوافق على الشرط الأول، أما الثاني فسنرى إن كنت تستحق أن أطيعه.»كا
«أغلق جميع الطرق المؤدية إلى المنزل، واستدعِ رجالنا من المستودع القديم أريد تسجيلات الكاميرات خلال الدقائق العشر الماضية، وأريد معرفة كيف خرجت لارين من هنا دون أن يراها أحد.»اردف بذلك مسرعًا والتوتر يأكله قال عمر بقلق: «وماذا لو كان اختفاؤها فخًّا لإبعادك عن المنزل؟»أجابه سيف وهو يتناول سلاحه: «هذا ما يريدني أن أفكر فيه. لكنه ارتكب خطأً واحدًا؛ لقد ظن أن تهديدي بها سيجعلني أفقد عقلي. لن أمنحه هذه المتعة.»توقف عند الباب، ثم استدار نحو عمر.«هناك أمر آخر. لا تخبر مالكًا بشيء مما حدث، ولا تسمح له بالاقتراب من غرفة المراقبة.»اتسعت عينا عمر قليلًا، لكنه لم يسأل. كان يعرف أن سيف لا يتخذ قرارًا كهذا دون سبب.في تلك اللحظة، ظهر على شاشة الهاتف موقع جغرافي أُرسل من جهاز لارين قبل انقطاع الإشارة. كان الموقع يشير إلى مبنى مهجور قرب الميناء القديم.ابتسم سيف ابتسامة باردة.«وجدتك.»---كانت لارين تجلس في المقعد الخلفي لسيارة سوداء، ويداها حرتان، لكن الرجل الجالس بجوارها كان يراقب كل حركة تصدر عنها. لم تعرف كيف وصلت إلى السيارة؛ آخر ما تذكرته أنها سمعت صوتًا خلفها عندما خرجت من الغرفة، ثم شعر
أخرجت مريم ظرفًا صغيرًا من حقيبتها ووضعته على الطاولة.«هذه رسالة تركها منصور قبل موته. لم أستطع الوصول إليك إلا الآن، لأن الشخص الذي كان يراقبك طوال السنوات الماضية اختفى فجأة، ظننت أن الطريق أصبح آمنًا، لكنني ربما ارتكبت خطأً بقدومي إلى هنا.»التقطت لارين الظرف. كان اسمها مكتوبًا على وجهه بخط أبيها، وتحت الاسم تاريخ يعود إلى سبعة عشر عامًا مضت.ارتجفت أصابعها وهي تفتح الرسالة.«ابنتي الحبيبة لارين، إذا وصلت هذه الرسالة إليك يومًا، فهذا يعني أنني لم أتمكن من الوفاء بوعدي لك. هناك أشخاص سيحاولون إقناعك بأن ماضيك ليس كما تتذكرينه، وبعضهم سيستخدم الخوف ليجعلك تثقين به، بينما سيستخدم آخرون الحقيقة ليقودوك إلى الهلاك. لا تثقي بكل من يدَّعي أنه جاء لإنقاذك، ولا تكرهي من يخفي عنك شيئًا قبل أن تعرفي ما الذي يحاول حمايتك منه.»توقفت لارين عن القراءة.رفعت رأسها ببطء، وعيناها تستقران على سيف.لم تكن الرسالة تذكر اسمه، لكن كلماتها بدت وكأنها كُتبت من أجله.قالت مريم: «هناك صفحة أخرى، لكنها ليست معي.»«أين هي؟» سألت لارين.«لا أعرف. آخر مرة رأيتها فيها كانت مع رجل اسمه فؤاد. كان يعمل مع والدك، ث