Masukأغلق باب القاعة بقوة خلف ريتشارد.
تردد صدى الصوت في الممر الطويل، بينما وقف أدريان مكانه يراقب والده وهو يبتعد بخطوات سريعة. “أبي.” لم يتوقف ريتشارد. زاد ذلك من غضبه. لحق به حتى أمسك بذراعه بقوة، مجبرًا إياه على الالتفات إليه. كانت نظرات أدريان حادة. باردة. لكن خلفها نار مشتعلة. “لن تغادر قبل أن تجيبني.” نظر ريتشارد إلى يده الممسكة بذراعه. “اتركني.” “أجبني أولًا.” سحب ريتشارد ذراعه بعنف. “هذا الأمر لا يعنيك.” ضحك أدريان ضحكة قصيرة خالية من أي مرح. “حقًا؟” اقترب خطوة أخرى. “قبل أسبوع لم يكن يعنيني.” “أما الآن…” أشار بيده نحو القاعة. “…تريدون أن تتخذوا قرارًا يربط حياتي بحياتها، ثم تقول لي إنه لا يعنيني؟” ساد الصمت. لم يكن أدريان يحتمل الأسرار. كان يكره أن يشعر أن الجميع يعرف شيئًا وهو الوحيد الذي يقف في الظلام. قال بلهجة أكثر حدة: “منذ متى وأنتم تخفون هذا؟” أجاب ريتشارد ببرود: “منذ عام.” تجمد أدريان. عام… أي منذ وقوع الحادث. انعقد فكّه بقوة. “إذن كنتم تعرفون طوال هذا الوقت.” “نعم.” “ولم يخبرني أحد.” “لم يكن هناك سبب.” ابتسم أدريان بسخرية. “بل كان هناك ألف سبب.” ثم استدار مبتعدًا. لكنه توقف بعد خطوات، وقال دون أن يلتفت: “سواء أعجبك ذلك أم لا…” “سأعرف الحقيقة.” ولم ينتظر ردًا. ⸻ في الجهة الأخرى… خرجت ليفيا من المبنى وحدها. كانت تدفع كرسيها المتحرك ببطء، بينما كانت كلمات دانيال تدور في رأسها. “ما حدث لك لم يكن بسيطًا كما قيل للجميع.” أغمضت عينيها للحظة. شعرت وكأن الأرض التي حاولت الوقوف عليها طوال عام بدأت تتصدع من جديد. توقفت قرب الحديقة الصغيرة التابعة للمؤسسة. كانت تحتاج إلى دقائق بعيدًا عن الجميع. بعيدًا عن نظرات الشفقة. وبعيدًا عن الأسئلة التي لم تجد لها جوابًا. همست لنفسها: “لماذا؟” “لماذا أخفى الجميع الحقيقة؟” ضغطت أصابعها على ذراع الكرسي بقوة. لم تبكِ. لكن عينيها امتلأتا بالدموع رغمًا عنها. ⸻ كان أدريان يخرج من المبنى في اللحظة نفسها. لم يكن ينوي البحث عنها. كل ما أراده هو أن يغادر. لكن عينيه وقعتا عليها مصادفة. كانت تجلس وحدها. ورأسها منخفض. بقي يراقبها لثوانٍ. ثم هز رأسه بضيق. “تبًا…” أدار ظهره لها. ومشى عدة خطوات. لكنه توقف. نظر إلى الأرض بضيق. ثم استدار بعصبية، وكأنه يلعن نفسه على ما سيفعله. اقترب منها. سمعت خطواته، فرفعت رأسها بسرعة. جففت دموعها قبل أن يصل. وقف أمامها. “هل انتهيتِ من الاختباء هنا؟” رفعت نظرها إليه. كان صوته مستفزًا كعادته. أجابت بهدوء: “لم أكن أختبئ.” نظر حوله ساخرًا. “إذن تجلسين وحدك في الحديقة للترفيه.” خفضت عينيها. لم ترد. أزعجه صمتها. كان يتوقع منها أن تدافع عن نفسها. أن تغضب. لكنها اكتفت بالصمت. تنهد بضيق. “اسمعي.” رفعت رأسها. “لا تظني أنني صدقت قصة العائلات.” عقدت حاجبيها. “أي قصة؟” “أن كل هذا الزواج سببه الخوف عليك.” ثبت عينيه عليها. “هناك شيء آخر.” “وأنا سأعرفه.” قالت بهدوء: “وأنا أيضًا أريد أن أعرف.” راقبها لثوانٍ. كانت صادقة. لم تكن تمثل. همس باستهزاء خفيف: “إذن يبدو أنهم أخفوا الحقيقة عنك أنت أيضًا.” ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مؤلمة. “يبدو ذلك.” ساد الصمت بينهما. وللمرة الأولى… شعر أدريان أن غضبه منها بدأ يتراجع. ليس لأنها تغيرت… بل لأنه أدرك أنها تقف في الجهة نفسها التي يقف فيها. كلاهما يبحث عن الحقيقة. لكن ذلك لم يمنعه من التمسك بكبريائه. قال ببرود وهو يستدير: “لا تسيئي الفهم.” “إذا اكتشفت الحقيقة…” نظر إليها بطرف عينه. “…فسأفعل ذلك لنفسي، وليس من أجلك.” قالتها ليفيا بهدوء: “لم أطلب منك أن تفعل شيئًا من أجلي.” توقفت خطواته. كانت جملتها بسيطة… لكنها أصابته بطريقة لم تعجبه. لأنها لم تتوسل. ولم تعترض. ولم تحاول استمالته. فقط… قالت الحقيقة. ابتعد دون أن يضيف كلمة أخرى. أما ليفيا، فراقبت ظهره وهو يبتعد. وشعرت للمرة الأولى… أن قسوته لم تكن موجهة إليها وحدها. بل إلى كل ما فُرض عليه، وكل حقيقة حُجبت عنه.كان أدريان، وصمته، والشخص الذي بدا أنه يملك انتباهه بالكامل. بقيت هذه الفكرة عالقة في ذهن ليفيا حتى بعد أن بدأت العائلة تتفرق من حولهما، ولم تستطع أن تمنع نفسها من العودة إليها مرة بعد أخرى، رغم محاولتها المستمرة لإقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها. ربما كان العمل هو السبب، وربما كانت هناك مسألة عاجلة احتاجت إلى رده، وربما لم يكن في الأمر شيء يستحق كل هذا التفكير أصلًا، لكنها كلما حاولت أن تجد تفسيرًا منطقيًا لانشغاله المستمر بهاتفه، وجدت نفسها تعود إلى السؤال ذاته: لماذا تشعر وكأنه لم يعد يراها؟ لم يكن أدريان قد قال شيئًا جارحًا، ولم يتجاهلها بصورة واضحة، بل على العكس، ساعدها عندما تعثرت، وسار إلى جوارها حين عادا إلى الداخل، وكلما احتاجت إلى مساعدته قدمها دون تردد، لكن ذلك لم يكن ما كانت تبحث عنه الآن. كانت تريد انتباهه، تلك النظرة التي اعتادت أن تجدها في عينيه حتى عندما لا يقول شيئًا، ذلك الشعور الذي جعلها في الفترة الأخيرة تدرك أن وجودها أصبح يحتل مكانًا واضحًا في حياته. أما الليلة، فقد بدا وكأنه سحب ذلك الاهتمام منها بهدوء. وهذا هو ما أوجعها. وحين دخلا الغرفة، كانت ليفيا لا تزال
لم تكن ليفيا تتوقع أن يعود رايان في ذلك المساء. وصلت إلى القصر قبل موعد العشاء بقليل، وكانت العائلتان قد اجتمعتا في الحديقة، وحين توقفت السيارة أمام المدخل، رفعت رأسها لترى من القادم. ما إن نزل رايان حتى وقفت من مكانها دون تفكير. “رايان؟” ابتسم لها وهو يقترب، ومد يده إليها، فصافحته بحرارة قبل أن تقول وهي تنظر إليه بعتاب: “عدت منذ أيام ولم تخبرني؟” ضحك. “كنت أعرف أنك ستعاتبينني.” “وأنت مع ذلك عدت.” “ولهذا جئت مستعدًا.” تدخل والدها ضاحكًا، موضحًا أن رايان أراد أن يفاجئ الجميع، وسرعان ما أحاطت به العائلة بالترحيب. صديقًا قديمًا للعائلتين، يعرفه الجميع جيدًا، ولذلك لم يكن حضوره غريبًا على أحد. جلست ليفيا إلى جواره لبعض الوقت، وسألته عن سفره وعمله، وتبادلا الحديث بسهولة عادت معها الألفة القديمة دون حاجة إلى استدعاء أي ذكريات بعيدة. وبعد دقائق، وصل أدريان. صافح رايان بحرارة معتادة، وتبادلا الحديث عن عودته، ثم جلس أدريان إلى جوار ليفيا. لم يبدُ عليه أي انزعاج. كان يعرف رايان جيدًا، ولم يكن وجوده بحد ذاته شيئًا يستحق الاستغراب. بدأ العشاء وسط أحاديث العائلتين، ثم ذكر رايان أنه
استيقظت ليفيا في الصباح وهي لا تزال تشعر بآثار الأمس في كل تفاصيلها. لم تكن القبلة هي أكثر ما يشغلها، رغم أنها كلما تذكرتها شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها. كان سؤاله هو الذي لم تستطع التخلص منه. إذا أردت طفلًا منك… هل ستعطينني إياه؟ ثم ذلك الجزء الذي جاء بعدها، عندما نظر إليها وقال إنه يريد أن يعرف إن كانت تستطيع أن تتخيل مستقبلًا يكون هو فيه. لماذا قال ذلك؟ ولماذا الآن؟ كانت الأسئلة كثيرة، لكنها قررت ألا تسمح لها بإفساد صباحها. نزلت إلى الطابق السفلي، وحين دخلت غرفة الطعام وجدته هناك. كان أدريان جالسًا في مكانه، يرتدي ملابس العمل، وملامحه هادئة بصورة غريبة. رفعت عينيها إليه. توقعت أن ينظر إليها. لكنه لم يفعل. قالت: “صباح الخير.” “صباح الخير.” ثم لا شيء. جلست ليفيا ببطء. راقبته من خلف فنجانها. كان يقرأ بعض الأوراق، يقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، وكأن وجودها أمامه لا يعني شيئًا. انتظرت قليلًا. ثم قالت: “ألا تنظر إليّ حتى؟” رفع عينيه إليها أخيرًا. “أنا أنظر إليك الآن.” ثم أعاد عينيه إلى الورقة. حدقت فيه. “كنت أظن أنك ستقول شيئًا آخر.” “مثل ماذا؟” “لا أعرف.” قال
بقيت ليفيا تحدق فيه، بينما كان سؤال أدريان يتردد في رأسها بلا توقف. “إذا أردت طفلًا منك… هل ستعطينني إياه؟” لم يكن السؤال عابرًا، ولم تكن طريقته في طرحه تسمح لها بأن تتعامل معه كأنه مجرد مزحة. كان جالسًا أمامها بملامح متجهمة، وعينين ثابتتين تراقبان أدق تغير في وجهها، وكأنه ينتظر منها إجابة محددة. ترددت للحظات، ثم قالت بهدوء: “لكن…” رفع حاجبه. “ماذا؟” ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت “أنت لا تحب الأطفال أصلًا.” تجمد وجهه. “من قال لكِ ذلك؟” رفعت كتفيها بخفة. “أنت.” “أنا؟” ضحكت بهدوء. “ليس بصورة مباشرة، لكنني ألاحظك كلما اقترب طفل.” اشتد فكه. “وهذا لا يعني شيئًا.” “بل يعني الكثير.” ثم أضافت وهي تحاول كتم ضحكتها: “ذلك اليوم مثلًا، عندما جلس الطفل إلى جانبي، أخذته مني وكأنك كنت تنتظر تلك اللحظة.” نظر إليها طويلًا. “كان يزعجك.” “لم يكن يزعجني.” “كان ملتصقًا بك.” “وكان لطيفًا.” ازدادت ملامحه تصلبًا. أما هي، فابتسمت أكثر، وكأن هدوءه المستفز بدأ يثير رغبتها في مواصلة الحديث. “ثم إنني لا أفهم…” توقفت لحظة. “كيف تريد طفلًا.." ورفعت عينيها إ
انتهى لقاء الأصدقاء أخيرًا، وبدأ الجميع بالمغادرة.كانت ليفيا لا تزال تقف قرب المدخل، تودع آخر من بقي من أصدقائها، بينما كان أدريان قد ابتعد منذ دقائق دون أن يقول شيئًا.خرج من المكان واتجه إلى السيارة، ثم وقف بجانبها، واضعًا يديه في جيبي معطفه، وملامحه جامدة بصورة واضحة.كانت ليفيا تراقبه من بعيد.ظنت أنه غادر.لكن عندما انتهت من وداع أصدقائها، خرجت من المبنى ببطء، فوجدته واقفًا عند السيارة ينتظرها.اقتربت منه، وابتسمت بخفة.“ظننت أنك ذهبت.”التفت إليها أدريان فورًا، وكأن الجملة استفزته.قال بانفعال مكتوم:“ماذا كنتِ تظنين؟”رمشت باستغراب.“لا شيء…”“فقط ظننت أنك مللت وانتظرتني.”اشتد فكه.وقال بحدة:“وأترك زوجتي هنا وحدها؟”سكتت.كان صوته يحمل غضبًا حقيقيًا، ولم يكن فيه أي شيء من المزاح.ثم فتح لها باب السيارة.“اركبي.”نظرت إليه للحظة.ثم قالت بخفة محاولة استعادة الجو:“حسنًا، حسنًا… لا داعي لكل هذا الغضب.”لم يجب.انتظرت حتى استقرت في المقعد، ثم أغلق الباب بهدوء.دار حول السيارة وجلس خلف المقود.وانطلقت السيارة.⸻مرّت الدقائق الأولى بصمت.كانت ليفيا تنظر إليه من حين إلى آخر.كان
بعد أن ابتعد أدريان عن الطاولة، بقي جاستن في مكانه للحظات، ثم نهض بهدوء ولحق به إلى الجهة الأخرى من المطعم. لم يكن في ملامحه تحدٍ، ولم يكن يريد شجارًا، لكنه كان يعرف أن هناك شيئًا يجب أن يقوله قبل أن يغادر.توقف خلف أدريان وقال: “أدريان، أريد أن أتحدث معك قبل أن أذهب.”استدار أدريان ببطء، وكانت ملامحه قد عادت إلى هدوئها المعتاد، رغم أن صدره كان لا يزال مثقلًا بما حدث قبل دقائق.“تحدث.”تردد جاستن لحظة، ثم قال مباشرة: “أنا أحب ليفيا.”لم يتحرك أدريان.حتى تعابير وجهه لم تتغير في البداية، لكن عضلة صغيرة ارتجفت في فكه، ثم شد يديه خلف ظهره حتى لا يظهر ما أحدثته الجملة داخله.قال بعد صمت قصير: “هي لا تعرف؟”“لا.”“ولم تخبرها؟”“ليس بعد.”رفع أدريان عينيه إليه.“ولماذا تخبرني أنا؟”أجاب جاستن بصراحة: “لأنني أعرف أنك زوجها، وأعرف أن وجودي في حياتها قد يزعجك. لم أكن أريد أن تسمعها مني بطريقة تجعلها تشعر بأنها مضطرة إلى اختيار طرف.”بقي أدريان صامتًا.كان الاعتراف يؤلمه أكثر مما توقع، ليس لأن جاستن قال إنه يحبها فقط، بل لأنه قالها بثبات رجل يعرف ما يريد.قال أدريان أخيرًا: “لا تخبرها الآن.”رف







