LOGINظل أدريان صامتًا.
كانت كلمات نواه ما تزال تتردد داخل رأسه، رغم أنه لم يُظهر أي رد فعل. “أنت لا ترفض ليفيا… أنت ترفض أن يختار أحد غيرك مصيرك.” قبض على فنجان القهوة للحظة، ثم تركه فوق الطاولة. لم يعد يرغب في شربها. رفع بصره نحو نواه وقال بهدوء يخالف العاصفة التي تعصف داخله: “أتظن أن الأمر بهذه البساطة؟” هز نواه كتفيه. “لا.” “إذن لا تحكم علي.” تنهد نواه، ثم مال بجسده إلى الأمام. “أنا لا أحكم عليك.” “أنا أعرفك.” ساد الصمت. ثم أضاف: “ولهذا أقول إن غضبك ليس من ليفيا.” أشاح أدريان بوجهه نحو النافذة الزجاجية للنادي. كان المطر ما يزال يهطل، والسيارات تمر في الخارج تاركة خطوطًا طويلة من الضوء على الإسفلت المبتل. قال بصوت منخفض: “أنا لا أكرهها.” ابتسم نواه ابتسامة خفيفة. “أعرف.” “ولم أحتقرها يومًا.” “أعرف.” “بل…” توقف للحظة. “…أشفق عليها أحيانًا.” ارتسم الضيق على وجه نواه. “وهذا بالضبط ما تخشاه هي.” التفت إليه أدريان. “ماذا تقصد؟” قال نواه بهدوء: “كل من يعرف ليفيا يعلم أنها تكره أن ينظر إليها أحد بعين الشفقة.” انعقد حاجبا أدريان. لم يكن يعرف ذلك. أو ربما… لم ينتبه إليه يومًا. تذكر زياراته لها في المستشفى. كانت دائمًا تبتسم. وكان يخرج مقتنعًا بأنها قوية. لكنه لم يفكر يومًا في مقدار الألم الذي كانت تخفيه خلف تلك الابتسامة. قطع أفكاره صوت هاتفه. نظر إلى الشاشة. إليانور كراوفورد. أغلق الهاتف دون أن يجيب. بعد ثوانٍ… عاد يرن. أغلقه مرة أخرى. ابتسم نواه ساخرًا. “يبدو أن والدتك لن تستسلم.” تنهد أدريان. “أعرف.” “ألن ترد؟” “ليس الآن.” ⸻ في منزل آل فيرمونت… كانت ليفيا قد بدلت ثيابها وجلست على سريرها، بينما بقي المطر يطرق زجاج نافذتها بإيقاع هادئ. لم تكن تقرأ. ولم تكن تشاهد شيئًا. كانت تحدق في الفراغ فقط. دخلت أميليا تحمل كوبًا من الحليب الساخن. ابتسمت بحنان. “أحضرت لك شيئًا.” ابتسمت ليفيا ابتسامة صغيرة. “شكرًا يا أمي.” وضعت أميليا الكوب على الطاولة، ثم خرجت بهدوء بعد أن ربتت على كتف ابنتها. وما إن أُغلق الباب… حتى اهتز هاتف ليفيا. ظهر اسم المتصلة على الشاشة. صوفيا روس. تنهدت ليفيا. كانت تعلم أن الخبر وصل إليها. أجابت المكالمة. “مرحبًا.” لكن صوفيا لم تمنحها فرصة للكلام. “قولي إن ما سمعته كذب.” أغمضت ليفيا عينيها. “من أخبرك؟” “إيما.” ساد الصمت للحظة. ثم قالت صوفيا بانفعال واضح: “هل صحيح أنهم يريدون تزويجك من أدريان كراوفورد؟” لم تجب ليفيا. وكان صمتها كافيًا. أطلقت صوفيا زفرة غاضبة. “يا إلهي…” “هل فقد الجميع عقولهم؟” ابتسمت ليفيا بحزن. “كنت أعلم أنك ستغضبين.” “أغضب؟” رفعت صوفيا صوتها أكثر. “أنا أكاد أذهب إلى هناك الآن.” ضحكت ليفيا لأول مرة منذ بداية ذلك اليوم. ضحكة قصيرة… لكنها كانت حقيقية. قالت صوفيا بعدما هدأت قليلًا: “اسمعيني جيدًا.” “إذا كان أدريان لا يريد هذا الزواج…” “فأنت أيضًا لا تستحقي أن تعيشي مع رجل يشعر أنه أُجبر عليك.” ساد الصمت. ثم همست ليفيا: “أعرف.” “إذن؟” أخفضت رأسها. “سأرفض.” توقفت صوفيا عن الكلام. “ماذا قلتِ؟” “غدًا…” ابتسمت ليفيا ابتسامة متعبة. “…سأطلب من الجميع إنهاء هذا الأمر.” ⸻ في الجهة الأخرى من المدينة… خرج أدريان من النادي بعد أن ودع نواه. وقف بجوار سيارته للحظات، ثم رفع رأسه نحو السماء الملبدة بالغيوم. لم يكن يعلم لماذا يشعر بثقل لم يشعر به من قبل. أخرج مفاتيحه. لكن قبل أن يفتح باب السيارة… توقف. على الجانب الآخر من الشارع، لمح امرأة تقف تحت مظلة سوداء. كانت تراقبه منذ دقائق. وما إن التقت عيناهما… حتى بدأت تقترب منه بخطوات هادئة. عندما أصبحت على بعد أمتار قليلة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة. وقالت: “مرحبًا، أدريان…” “يبدو أن لدينا حديثًا طويلًا.” كانت… جينيفر ماتشسون.كان أدريان، وصمته، والشخص الذي بدا أنه يملك انتباهه بالكامل. بقيت هذه الفكرة عالقة في ذهن ليفيا حتى بعد أن بدأت العائلة تتفرق من حولهما، ولم تستطع أن تمنع نفسها من العودة إليها مرة بعد أخرى، رغم محاولتها المستمرة لإقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها. ربما كان العمل هو السبب، وربما كانت هناك مسألة عاجلة احتاجت إلى رده، وربما لم يكن في الأمر شيء يستحق كل هذا التفكير أصلًا، لكنها كلما حاولت أن تجد تفسيرًا منطقيًا لانشغاله المستمر بهاتفه، وجدت نفسها تعود إلى السؤال ذاته: لماذا تشعر وكأنه لم يعد يراها؟ لم يكن أدريان قد قال شيئًا جارحًا، ولم يتجاهلها بصورة واضحة، بل على العكس، ساعدها عندما تعثرت، وسار إلى جوارها حين عادا إلى الداخل، وكلما احتاجت إلى مساعدته قدمها دون تردد، لكن ذلك لم يكن ما كانت تبحث عنه الآن. كانت تريد انتباهه، تلك النظرة التي اعتادت أن تجدها في عينيه حتى عندما لا يقول شيئًا، ذلك الشعور الذي جعلها في الفترة الأخيرة تدرك أن وجودها أصبح يحتل مكانًا واضحًا في حياته. أما الليلة، فقد بدا وكأنه سحب ذلك الاهتمام منها بهدوء. وهذا هو ما أوجعها. وحين دخلا الغرفة، كانت ليفيا لا تزال
لم تكن ليفيا تتوقع أن يعود رايان في ذلك المساء. وصلت إلى القصر قبل موعد العشاء بقليل، وكانت العائلتان قد اجتمعتا في الحديقة، وحين توقفت السيارة أمام المدخل، رفعت رأسها لترى من القادم. ما إن نزل رايان حتى وقفت من مكانها دون تفكير. “رايان؟” ابتسم لها وهو يقترب، ومد يده إليها، فصافحته بحرارة قبل أن تقول وهي تنظر إليه بعتاب: “عدت منذ أيام ولم تخبرني؟” ضحك. “كنت أعرف أنك ستعاتبينني.” “وأنت مع ذلك عدت.” “ولهذا جئت مستعدًا.” تدخل والدها ضاحكًا، موضحًا أن رايان أراد أن يفاجئ الجميع، وسرعان ما أحاطت به العائلة بالترحيب. صديقًا قديمًا للعائلتين، يعرفه الجميع جيدًا، ولذلك لم يكن حضوره غريبًا على أحد. جلست ليفيا إلى جواره لبعض الوقت، وسألته عن سفره وعمله، وتبادلا الحديث بسهولة عادت معها الألفة القديمة دون حاجة إلى استدعاء أي ذكريات بعيدة. وبعد دقائق، وصل أدريان. صافح رايان بحرارة معتادة، وتبادلا الحديث عن عودته، ثم جلس أدريان إلى جوار ليفيا. لم يبدُ عليه أي انزعاج. كان يعرف رايان جيدًا، ولم يكن وجوده بحد ذاته شيئًا يستحق الاستغراب. بدأ العشاء وسط أحاديث العائلتين، ثم ذكر رايان أنه
استيقظت ليفيا في الصباح وهي لا تزال تشعر بآثار الأمس في كل تفاصيلها. لم تكن القبلة هي أكثر ما يشغلها، رغم أنها كلما تذكرتها شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها. كان سؤاله هو الذي لم تستطع التخلص منه. إذا أردت طفلًا منك… هل ستعطينني إياه؟ ثم ذلك الجزء الذي جاء بعدها، عندما نظر إليها وقال إنه يريد أن يعرف إن كانت تستطيع أن تتخيل مستقبلًا يكون هو فيه. لماذا قال ذلك؟ ولماذا الآن؟ كانت الأسئلة كثيرة، لكنها قررت ألا تسمح لها بإفساد صباحها. نزلت إلى الطابق السفلي، وحين دخلت غرفة الطعام وجدته هناك. كان أدريان جالسًا في مكانه، يرتدي ملابس العمل، وملامحه هادئة بصورة غريبة. رفعت عينيها إليه. توقعت أن ينظر إليها. لكنه لم يفعل. قالت: “صباح الخير.” “صباح الخير.” ثم لا شيء. جلست ليفيا ببطء. راقبته من خلف فنجانها. كان يقرأ بعض الأوراق، يقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، وكأن وجودها أمامه لا يعني شيئًا. انتظرت قليلًا. ثم قالت: “ألا تنظر إليّ حتى؟” رفع عينيه إليها أخيرًا. “أنا أنظر إليك الآن.” ثم أعاد عينيه إلى الورقة. حدقت فيه. “كنت أظن أنك ستقول شيئًا آخر.” “مثل ماذا؟” “لا أعرف.” قال
بقيت ليفيا تحدق فيه، بينما كان سؤال أدريان يتردد في رأسها بلا توقف. “إذا أردت طفلًا منك… هل ستعطينني إياه؟” لم يكن السؤال عابرًا، ولم تكن طريقته في طرحه تسمح لها بأن تتعامل معه كأنه مجرد مزحة. كان جالسًا أمامها بملامح متجهمة، وعينين ثابتتين تراقبان أدق تغير في وجهها، وكأنه ينتظر منها إجابة محددة. ترددت للحظات، ثم قالت بهدوء: “لكن…” رفع حاجبه. “ماذا؟” ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت “أنت لا تحب الأطفال أصلًا.” تجمد وجهه. “من قال لكِ ذلك؟” رفعت كتفيها بخفة. “أنت.” “أنا؟” ضحكت بهدوء. “ليس بصورة مباشرة، لكنني ألاحظك كلما اقترب طفل.” اشتد فكه. “وهذا لا يعني شيئًا.” “بل يعني الكثير.” ثم أضافت وهي تحاول كتم ضحكتها: “ذلك اليوم مثلًا، عندما جلس الطفل إلى جانبي، أخذته مني وكأنك كنت تنتظر تلك اللحظة.” نظر إليها طويلًا. “كان يزعجك.” “لم يكن يزعجني.” “كان ملتصقًا بك.” “وكان لطيفًا.” ازدادت ملامحه تصلبًا. أما هي، فابتسمت أكثر، وكأن هدوءه المستفز بدأ يثير رغبتها في مواصلة الحديث. “ثم إنني لا أفهم…” توقفت لحظة. “كيف تريد طفلًا.." ورفعت عينيها إ
انتهى لقاء الأصدقاء أخيرًا، وبدأ الجميع بالمغادرة.كانت ليفيا لا تزال تقف قرب المدخل، تودع آخر من بقي من أصدقائها، بينما كان أدريان قد ابتعد منذ دقائق دون أن يقول شيئًا.خرج من المكان واتجه إلى السيارة، ثم وقف بجانبها، واضعًا يديه في جيبي معطفه، وملامحه جامدة بصورة واضحة.كانت ليفيا تراقبه من بعيد.ظنت أنه غادر.لكن عندما انتهت من وداع أصدقائها، خرجت من المبنى ببطء، فوجدته واقفًا عند السيارة ينتظرها.اقتربت منه، وابتسمت بخفة.“ظننت أنك ذهبت.”التفت إليها أدريان فورًا، وكأن الجملة استفزته.قال بانفعال مكتوم:“ماذا كنتِ تظنين؟”رمشت باستغراب.“لا شيء…”“فقط ظننت أنك مللت وانتظرتني.”اشتد فكه.وقال بحدة:“وأترك زوجتي هنا وحدها؟”سكتت.كان صوته يحمل غضبًا حقيقيًا، ولم يكن فيه أي شيء من المزاح.ثم فتح لها باب السيارة.“اركبي.”نظرت إليه للحظة.ثم قالت بخفة محاولة استعادة الجو:“حسنًا، حسنًا… لا داعي لكل هذا الغضب.”لم يجب.انتظرت حتى استقرت في المقعد، ثم أغلق الباب بهدوء.دار حول السيارة وجلس خلف المقود.وانطلقت السيارة.⸻مرّت الدقائق الأولى بصمت.كانت ليفيا تنظر إليه من حين إلى آخر.كان
بعد أن ابتعد أدريان عن الطاولة، بقي جاستن في مكانه للحظات، ثم نهض بهدوء ولحق به إلى الجهة الأخرى من المطعم. لم يكن في ملامحه تحدٍ، ولم يكن يريد شجارًا، لكنه كان يعرف أن هناك شيئًا يجب أن يقوله قبل أن يغادر.توقف خلف أدريان وقال: “أدريان، أريد أن أتحدث معك قبل أن أذهب.”استدار أدريان ببطء، وكانت ملامحه قد عادت إلى هدوئها المعتاد، رغم أن صدره كان لا يزال مثقلًا بما حدث قبل دقائق.“تحدث.”تردد جاستن لحظة، ثم قال مباشرة: “أنا أحب ليفيا.”لم يتحرك أدريان.حتى تعابير وجهه لم تتغير في البداية، لكن عضلة صغيرة ارتجفت في فكه، ثم شد يديه خلف ظهره حتى لا يظهر ما أحدثته الجملة داخله.قال بعد صمت قصير: “هي لا تعرف؟”“لا.”“ولم تخبرها؟”“ليس بعد.”رفع أدريان عينيه إليه.“ولماذا تخبرني أنا؟”أجاب جاستن بصراحة: “لأنني أعرف أنك زوجها، وأعرف أن وجودي في حياتها قد يزعجك. لم أكن أريد أن تسمعها مني بطريقة تجعلها تشعر بأنها مضطرة إلى اختيار طرف.”بقي أدريان صامتًا.كان الاعتراف يؤلمه أكثر مما توقع، ليس لأن جاستن قال إنه يحبها فقط، بل لأنه قالها بثبات رجل يعرف ما يريد.قال أدريان أخيرًا: “لا تخبرها الآن.”رف







