Mag-log inارتطم باب منزل آل فيرمونت بقوة خلف أدريان، بينما استقبلته نسمات الليل الباردة مصحوبة بأمطار خفيفة بدأت تتساقط على المدينة.
لم يتوقف. تابع سيره بخطوات غاضبة حتى وصل إلى سيارته السوداء. فتح الباب بعنف، ثم جلس خلف المقود، لكنه لم يشغل المحرك. ألقى رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه. كان يحاول أن يهدأ… لكن كلمات والده كانت تتردد داخل رأسه بلا رحمة. “ستتزوج ليفيا.” فتح عينيه فجأة، وضرب المقود بقبضته. “تبًا!” ارتفع صدى صوته داخل السيارة. لم يكن يصدق أن الأمر وصل إلى هذا الحد. كان يعرف ليفيا منذ طفولتها. فتاة مهذبة، هادئة، لا تؤذي أحدًا. ولم يشعر يومًا تجاهها بالكراهية. بل على العكس… كان أكثر ما يؤلمه بعد الحادث هو رؤيتها على ذلك الكرسي، بعدما كانت فتاة لا تهدأ، تملأ الحدائق ركضًا وضحكًا. لكن ذلك لا يعني… أن تصبح زوجته. زفر بقوة، ثم أخرج هاتفه وضغط على اسم واحد. نواه بينيت. لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاءه الرد. “أدريان؟” قال بلهجة مقتضبة: “أين أنت؟” “في النادي.” “ابقَ مكانك.” أنهى الاتصال دون أن ينتظر ردًا، ثم شغّل السيارة وانطلق. ⸻ في منزل آل فيرمونت… لم يتحرك أحد منذ مغادرة أدريان. كانت إليانور تمسح دموعها بصمت، بينما وقف ريتشارد أمام النافذة، مكتوف اليدين. أما جورج، فكان ينظر إلى الأرض وكأنها تحمل الإجابة التي يعجز عن قولها. قطعت أميليا الصمت أخيرًا. “سأصعد إليها.” أومأت إليانور برأسها. “أرجوكِ… لا تتركيها وحدها.” صعدت أميليا الدرج ببطء، حتى وصلت إلى غرفة ابنتها. طرقت الباب برفق. “ليفيا… هل أستطيع الدخول؟” جاءها صوت هادئ من الداخل. “تفضلي.” فتحت الباب. وجدت ليفيا أمام النافذة، تحدق في المطر بصمت، حيث كانت قطراته تنساب على الزجاج ببطء، تاركة خطوطًا متعرجة تشبه دموعًا صامتة، بينما كان صوت ارتطامها الخفيف يملأ الغرفة بإيقاع حزين. كان كرسيها المتحرك مواجهًا للزجاج، وانعكس وجهها الشاحب عليه، متداخلًا مع ظلال السماء الرمادية، كأنها جزء من ذلك المشهد الكئيب. شعرت ببرودة خفيفة تتسلل من النافذة، فارتجفت أطرافها قليلًا، لكنها لم تتحرك، وكأنها وجدت في ذلك البرد ما يوازي الفراغ الذي يسكن صدرها. كانت تراقب المطر وكأنه يعبّر عنها، عن ثقل الكلمات التي لم تقلها، وعن الحزن الذي اعتادت أن تخفيه خلف هدوئها. اقتربت أميليا منها. “حبيبتي…” ابتسمت ليفيا ابتسامة صغيرة. “لا تنظري إليّ بهذه الطريقة يا أمي.” جلست أميليا أمامها، ثم أمسكت بيديها. “أنا آسفة.” هزت ليفيا رأسها بسرعة. “لا تعتذري.” “لكن…” قاطعتها بلطف. “أعرف أنكِ لم تفعلي هذا لإيذائي.” ساد الصمت للحظات. ثم همست ليفيا: “وأعرف أيضًا أن أدريان ليس مخطئًا.” ارتجفت ملامح أميليا. “هو فقط…” ابتسمت ليفيا بحزن. “يريد أن يختار حياته بنفسه.” أخفضت رأسها. “وأنا أيضًا…” خرجت الجملة الأخيرة بصعوبة. “…لو كنت مكانه، لفعلت الشيء نفسه.” شعرت أميليا بغصة في حلقها. احتضنت ابنتها بحنان، بينما بقيت ليفيا صامتة. لم تبكِ. منذ الحادث، اعتادت أن تخفي دموعها حتى عن أقرب الناس إليها. ⸻ في النادي الخاص… دخل أدريان بخطوات سريعة. ما إن رآه نواه حتى نهض من مكانه. تأمل وجه صديقه لثوانٍ، ثم قال ساخرًا: “من شكلك… إما أن صفقة بملايين الدولارات فشلت، أو أن والدك أغضبك.” جلس أدريان أمامه دون أن يخلع سترته. “الخيار الثاني.” ابتسم نواه. “إذًا الأمر خطير.” طلب أدريان فنجان قهوة سوداء، ثم ظل صامتًا. انتظر نواه حتى ابتعد النادل، ثم قال: “تفضل.” رفع أدريان نظره إليه. “يريدون تزويجي.” اتسعت عينا نواه قليلًا. “وأين المشكلة؟” أجابه ببرود: “من ليفيا.” ساد الصمت. لم يعلّق نواه مباشرة. بل ظل يراقب صديقه للحظات. ثم قال بهدوء: “لكن… أنت تعرفها منذ سنوات.” “أعرفها.” “وتحترمها.” “أحترمها.” “إذًا لماذا تبدو وكأنهم حكموا عليك بالسجن؟” ضغط أدريان على فنجان القهوة بقوة. “لأنني لم أختر.” أطرق نواه برأسه مفكرًا. ثم قال بهدوء شديد: “أتعرف ما أراه؟” رفع أدريان حاجبه. “أنت لا ترفض ليفيا…” صمت لحظة. “…أنت ترفض أن يختار أحد غيرك مصيرك.” ساد الصمت. وللمرة الأولى منذ بداية تلك الليلة… لم يجد أدريان جوابًا يرد به.ظلّت نظرات الجميع معلّقة على ليفيا حتى بعد انتهاء الحديث.لم يعلّق أحد.لكن الصمت الذي خيّم على المائدة كان كافيًا ليخبرها أن الجميع ما زالوا يفكرون فيما حدث.نهض أدريان أولًا، ثم التقط مفاتيحه من فوق الطاولة.قال بهدوء:“سأذهب إلى الشركة.”أومأ ريتشارد برأسه، بينما ابتسمت إليانور وهي ترتب المائدة.“حسنًا، انتبه لنفسك.”مرّ اليوم هادئًا على غير العادة.أما ليفيا…فكلما تذكرت ما فعلته صباحًا، شعرت بقليل من التوتر.لم تكن تندم.لكنها لم تتوقع أن يوافقها أدريان أمام الجميع.مع اقتراب المساء، توقفت سيارة أدريان أمام القصر.دخل إلى الداخل وهو يفك أزرار سترته، فاستقبلته إليانور بابتسامتها المعتادة.“الحمد لله على السلامة.”“شكرًا.”نظرت إليه ثم إلى ليفيا التي كانت تجلس بقربها.ابتسمت بخبث أمومي لطيف.“اذهب وبدّل ملابسك قبل العشاء.”ثم التفتت إلى ليفيا.“وأنتِ يا عزيزتي…”توقفت فجأة وهي تنظر إلى فستانها.“…أنتِ لستِ بحاجة للتغيير أصلًا.”ابتسمت ليفيا.“نعم.”وقبل أن تعود للجلوس، تكلم أدريان بهدوء:“تعالي معي.”ساد صمت قصير.رمشت ليفيا باستغراب.“أنا؟”“نعم.”“لكنني…”نظر إلى فستانها.“أعرف أ
مرّ أسبوع على عودتهم من الرحلة.وعادت الحياة داخل قصر كراوفورد إلى هدوئها المعتاد…إلا أن شيئًا واحدًا تغيّر.لم تعد مينا تكتفي بالاتصال أو إرسال الرسائل.بل أصبحت تزور القصر باستمرار.مرة بحجة الاطمئنان على إليانور. ومرة لإحضار بعض الحلويات التي تحبها.وأحيانًا دون أي سبب على الإطلاق.في ذلك الصباح، كانت ليفيا تساعد إليانور في ترتيب الزهور داخل الصالون، عندما دخلت مينا بابتسامتها المعتادة.“صباح الخير.”ابتسمت إليانور.“أهلًا يا مينا.”تقدمت مينا لتعانقها، ثم جلست وكأنها واحدة من أفراد العائلة.بدأت تتحدث مع ريتشارد عن الشركة، ثم مع إيثان عن الرحلة، وكأنها لم تغادر القصر يومًا.راقبتها ليفيا بصمت.لم تنزعج من وجودها…بل من الطريقة التي تتصرف بها.وكأن هذا المكان ما زال مكانها.بعد دقائق، نزل أدريان من الدرج مرتديًا بدلته.رفع رأسه.“صباح الخير.”رد الجميع التحية.اقترب من الطاولة ليأخذ ملفاته.ابتسمت مينا.“ما زلت تخرج في الوقت نفسه كل صباح.”أجاب بهدوء:“اعتدت ذلك.”ثم عاد إلى ترتيب أوراقه.دخلت الخادمة وهي تحمل صينية القهوة.وقبل أن تضعها على الطاولة، وقفت مينا.“اتركيها لي.”ناولت
أخذت ليفيا نفسًا عميقًا وهي تغادر الغرفة بعد أن انتهت من تبديل ملابسها.ورغم أنها كانت ترتدي فستانًا أنيقًا وبسيطًا، إلا أن ثقتها بنفسها اختفت تمامًا منذ تلك اللحظة التي فُتح فيها الباب دون سابق إنذار.كلما تذكرت نظرة أدريان الهادئة وكلماته بعد ذلك، شعرت بحرارة تصعد إلى وجنتيها من جديد.هزت رأسها بقوة.“اهدئي… إنه مجرد عشاء.”لكنها لم تكن مقتنعة حتى هي بكلماتهاما إن دخلت غرفة الطعام حتى رحبت بها إليانور بابتسامتها المعتادة.“تعالي يا عزيزتي، كنا بانتظارك.”ابتسمت ليفيا وجلست في المقعد الفارغ، تحاول إشغال نفسها بترتيب أدوات المائدة.بعد ثوانٍ قليلة، دخل أدريان.رفع رأسه، فوقعت عيناه عليها للحظة خاطفة.وفي اللحظة نفسها، أنزلت ليفيا بصرها سريعًا.لاحظ ذلك… لكنه لم يعلّق.اتجه بهدوء نحو المقعد المجاور لها وجلس وكأن الأمر طبيعي تمامًا.أما هي، فازدادت توترًا.بدأت الخادمة بتقديم الطعام، وبينما كانت تحاول ملء كأسها بالماء، مد أدريان يده وأخذ الإبريق منها دون كلمة.ملأ الكأس ووضعه أمامها.همست بخفوت:“شكرًا.”اكتفى بإيماءة بسيطة.لكن إيثان، الذي كان يراقب كل شيء، ابتسم بمكر.“يبدو أن الرحلة
أغلقت ليفيا باب الغرفة خلفها وهي تزفر براحة. “أخيرًا…” ألقت حقيبتها على المقعد، واتجهت نحو الخزانة تبحث عما ترتديه على العشاء. ظنت أن أدريان لا يزال في الأسفل مع إيثان والدته، لذلك لم تستعجل وتخلصت من طبقة ملابسها الخارجية بارتياح. وفي اللحظة التي التفتت فيها… انفتح الباب فجأة. تجمدت في مكانها وعيناها متسعتان من الصدمة وهي تراه يقف على العتبة. رمش أدريان ببطء، وتسمر مكانه للحظة؛ لم تتحرك ملامحه بابتسامات عابثة أو كلمات مستفزة، بل استقرت عيناه عليها بذهول تام ونظرة عميقة ومباشرة التهمت كل تفصيلة فيها بصمت مطبق. شهقت بخفة، وتلفتت بذعر محاولة إيجاد أي شيء تستر به نفسها، وصوتها يرتجف: “أدريان!” دخل بخطوات هادئة وأغلق الباب خلفه، لكنه لم يتحرك بعيدًا؛ بل واصل التقترب منها ببطء، وعيناه المعتمتان لا تفارقان جسدها أبدًا وكأنه عاجز عن سحب ناظريه عنها. اقترب لدرجة جعلت أنفاسها تختلط بأنفاسه، بينما بقيت هي محاصرة بينه وبين الخزانة، ووجهها يشتعل خجلًا. همست بصوت مقطوع وارتباك شديد: “أ… أدريان، ابتعد! كنت أظنك في الأسفل، وتخيل… تخيل لو أن إيثان كان يقف خلفك وفتح الباب في هذه اللحظة؟!” ت
توقف إيثان في منتصف ممر الحافلة وهو يحمل زجاجتي ماء وكيسًا من المخبوزات. تنقل بصره بين أخيه وليفيا أكثر من مرة، ثم اتسعت ابتسامته. “حسنًا…” “سأعتبر أنني لم أرَ شيئًا.” لم تستطع ليفيا حتى رفع رأسها. أما أدريان… فاكتفى بنظرة واحدة نحوه. لم تكن حادة، لكنها حملت تحذيرًا واضحًا. اختفت ابتسامة إيثان في الحال، فرفع يديه باستسلام. “حسنًا… فهمت.” “صامت تمامًا.” استدار وهو يضحك بخفوت، ثم نزل من الحافلة وكأنه لم يشاهد شيئًا. زفرت ليفيا بارتباك، وأعادت خصلة من شعرها خلف أذنها وهي تحاول استعادة هدوئها. أما أدريان، فلم يبعد عينيه عنها. قال بهدوء: “ما زلتِ لا تستطيعين النظر إلي.” ابتلعت ريقها. “ليس الآن.” ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة. “إذن… سأنتظر.” ارتبكت أكثر، وأشاحت بنظرها بسرعة. في الخارج… لمح إيثان أفراد العائلة يهمّون بالعودة إلى الحافلة. نظر إلى الباب، ثم إلى أخيه في الداخل، قبل أن يبتسم بمكر. لو دخل الجميع الآن… فلن تنجو ليفيا من الإحراج. رفع صوته فجأة: “عمي جورج!” التفت جورج إليه. “أعتقد أن السائق يسألك عن الطريق المؤدي إلى الطريق السريع.” قطب جورج حاجبيه. “
عاد الجميع إلى الحافلة بعد انتهاء الاستراحة، وما إن جلس كلٌ في مكانه حتى عادت الحافلة تشق طريقها نحو المدينة. في البداية، امتلأت الأجواء بالأحاديث والضحكات؛ كان إيثان يروي موقفًا طريفًا جعل والدته تضحك أكثر من مرة، بينما انشغل جورج ووالد أدريان في حديث طويل. أما مينا، فكانت تحاول بين الحين والآخر إشراك أدريان في الحديث، لكنه اكتفى بإجابات قصيرة قبل أن يعود إلى صمته المعتاد.جلست ليفيا إلى جواره، وأسندت رأسها إلى النافذة، تتابع الطريق بعينين شاردتين. لم تلتفت إليه ولو مرة واحدة، ولم تسأله عن شيء، حتى عندما كان يجيبها أحد أفراد العائلة، كانت تكتفي بابتسامة هادئة ثم تعود إلى صمتها.لاحظ أدريان ذلك منذ الدقائق الأولى.كانت طبيعية مع الجميع…إلا معه.لم يكن صمتها يشبه صمتها المعتاد، بل كان أشبه بمسافة وضعتها بينهما دون أن تنطق بكلمة.لم يحاول أن يجبرها على الحديث.لكنه لم يتوقف عن مراقبتها.⸻بعد قرابة ساعة، خففت الحافلة سرعتها، ثم أعلن السائق:“سنتوقف عشر دقائق قبل دخول المدينة.”بدأ الجميع بالنهوض. تمدد إيثان وهو يضحك:“أخيرًا… أشعر أن ظهري لم يعد ملكي.”ضحكت والدته وهي تنزل، واتجه جورج







