Share

6

Author: Finex
last update publish date: 2026-11-02 15:29:32

الفصل السادس: عودة الأشياء التي لم تنتهِ

لم تكن تخاف عودة الماضي، بقدر ما كانت تخاف أن تجده في داخلها على الهيئة نفسها التي تركته عليها.

فثمة أشياء نظن أننا تجاوزناها لمجرد أننا توقفنا عن الحديث عنها، ونظن أننا نسيناها لأننا لم نعد نبكي كلما تذكرناها. لكن الذاكرة لا تعمل وفق رغباتنا، ولا تستأذننا حين تقرر إعادة فتح أبواب ظننا أنها أُغلقت.

في ذلك الصباح، كان كل شيء عاديًا إلى حدّ مريب.

استيقظت متأخرة قليلًا، رتبت فراشها، وغسلت وجهها، ثم جلست أمام مكتبها تحاول مراجعة محاضراتها. كانت قد وعدت نفسها أن تمنح دراستها وقتًا أكبر، وأن تكفّ عن إهدار ساعاتها في التفكير بأشياء لا تملك تغييرها.

لكن الهاتف أضاء.

رسالة جديدة.

لم يكن الاسم غريبًا، ولم تكن الكلمات مفاجئة تمامًا، ومع ذلك شعرت بأن الغرفة ضاقت فجأة.

لم تفتحها.

تأملته طويلًا، ثم أعادت الهاتف إلى مكانه، كأنها تخشى أن تلمسه فتعود معها أشياء كثيرة.

كانت تعرف هذا الشعور؛ أن يقف الماضي أمامك في هيئة إشعار صغير، بينما يحتاج قلبك إلى وقت طويل كي يستوعب ما حدث.

بعد ساعة، فتحت الرسالة.

لم تكن تحمل اعتذارًا واضحًا، ولا طلبًا صريحًا بالعودة. كانت مجرد محاولة للحديث، سؤالًا عابرًا عن أحوالها، وكلمات بدت مألوفة إلى حدّ جعلها تشعر أنها لم تغب طويلًا.

ابتسمت رغمًا عنها.

ثم اختفت ابتسامتها.

لم يكن الأمر متعلقًا بما كتبه، بل بما أثاره فيها. فقد عادت تلك النسخة القديمة منها، التي كانت تقرأ بين السطور أكثر مما تقرأ السطور نفسها، وتبحث عن المعاني الخفية خلف كل كلمة، وتبني من الاحتمالات حكايات كاملة.

كانت تريد أن تسأله:

هل اشتقت إليّ؟

هل ما زلت تتذكر؟

هل فكرت يومًا فيما كان يمكن أن يحدث لو لم نبتعد؟

لكنها لم تكتب شيئًا من ذلك.

فقد تعلمت، ولو متأخرة، أن بعض الأسئلة لا نطرحها لأننا نريد إجاباتها، بل لأننا نريد من الطرف الآخر أن يمنحنا شعورًا مؤقتًا بأننا لم نكن عابرين.

وكانت تخشى أن تعود إلى تلك الدائرة؛ أن تنتظر رسالة، ثم تفسيرًا، ثم وعدًا، ثم موعدًا مؤجلًا، حتى تصبح حياتها كلها انتظارًا لشيء لا تعرف إن كان سيحدث.

في المساء، خرجت تتمشى قليلًا.

كان الهواء باردًا، والشارع مزدحمًا بأشخاص لا يعرفون شيئًا عن الحكايات التي يحملها المارّة خلف وجوههم.

راقبت فتاة صغيرة تمسك بيد والدها، وتتعثر في خطواتها، فينحني إليها ليساعدها.

توقفت للحظة.

لم يكن المشهد استثنائيًا، لكنه لمس مكانًا قديمًا فيها.

فكرت في الطفلة التي كانتها، وفي كل المرات التي احتاجت فيها إلى يد تمتد إليها دون أن تطلب. فكرت في السنوات التي أمضتها تحاول أن تكون مكتفية بذاتها، حتى صارت تخجل من الاعتراف بأنها تحتاج إلى الحنان مثل أي إنسان آخر.

ثم أدركت أمرًا لم تكن قد انتبهت إليه من قبل:

ربما لم تكن تبحث عن شخص ينقذها من العالم، بل عن شخص لا تضطر إلى الدفاع عن حقها في أن تكون ضعيفة أمامه.

ولم يكن ذلك ضعفًا.

كان احتياجًا إنسانيًا لم تتعلم كيف تتعامل معه بعد.

عادت إلى المنزل، فتحت الرسالة مرة أخرى، وبدأت تكتب ردًا.

كتبت سطرًا، ثم محته.

كتبت سطرين، ثم أعادت قراءتهما.

كانت تريد أن تكون صادقة، دون أن تكون قاسية. واضحة، دون أن تبدو وكأنها تطلب شيئًا. أرادت أن تخبره أنها لم تنسَ، لكنها لم تعد قادرة على العودة إلى الحكاية القديمة بالطريقة نفسها.

وفي النهاية، كتبت:

«أتمنى أن تكون بخير. لا أحمل لك إلا الخير، لكنني أظن أن علينا ألّا نعود إلى ما اتفقنا على الابتعاد عنه. بعض الأشياء لا ينقصها الشعور، بل تحتاج إلى طريق صحيح وواضح. أسأل الله أن يكتب لنا الخير، أينما كان.»

قرأت الرسالة مرة أخيرة.

ثم أرسلتها.

لم تشعر بالانتصار، ولم تبكِ كما توقعت. شعرت فقط بشيء يشبه التعب الذي يأتي بعد حمل ثقيل، حين تضعه أخيرًا على الأرض، فتكتشف أن يديك ما زالتا تؤلمَانك رغم أنك لم تعد تحمله.

في تلك الليلة، لم تفتح دفترها مباشرة.

جلست تتأمل سقف الغرفة، وتفكر في تلك المفارقة العجيبة: كيف يمكن للمرء أن يتمنى شيئًا بكل صدق، ثم يدعو الله ألّا يكون ذلك الشيء من نصيبه إن كان سيؤذيه؟

كانت تخاف أن يكون دعاؤها أحيانًا محاولة مهذبة للاحتفاظ بما لا تستطيع التخلي عنه. وتخاف أن تكون قد جعلت من الصبر وسيلة لتأجيل الاعتراف بأن بعض الأبواب لن تُفتح.

لكنها لم تكن تريد أن تفقد إيمانها بسبب أمنية لم تتحقق.

فالله، في تصورها، لم يكن ملزمًا بأن يمنحها كل ما أحبّت حتى تطمئن إليه، ولم تكن حاجتها إلى الفهم شرطًا كي تثق بحكمته.

رفعت يديها وهمست:

«اللهم لا تجعل قلبي متعلقًا بما ليس لي، ولا تجعلني أكره ما اخترته لي، ولا تتركني لنفسي حين تشتد عليّ نفسي.»

ثم سكتت.

لم تكن تعرف إن كان الدعاء سيغيّر ما تشعر به في الغد، لكنها كانت تعرف أنها لا تريد أن تتوقف عن العودة إلى الله لمجرد أنها لم تتعلم بعد كيف تتجاوز.

أخرجت دفترها أخيرًا.

قلبت الصفحات السابقة، وقرأت ما كتبته عن طفولتها، وعن أمها، وعن الحب، وعن الأشياء التي لم تستطع قولها.

لاحظت أنها كانت تكتب دائمًا عن الغائبين.

عن الذين رحلوا، والذين لم يأتوا، والذين تمنّت لو بقوا.

أما هي، فلم تكتب عنها إلا بوصفها شخصًا يتألم بسببهم.

أمسكت القلم، وكتبت عنوانًا جديدًا:

«أنا التي بقيت.»

ثم بدأت:

«كم مرة تحدثت عن الذين غادروا، ولم أسأل نفسي كيف كان حالي وأنا أراهم يذهبون؟

كم مرة منحتهم حق الحزن، وحرمت نفسي حق الاعتراض؟

كنت أظن أنني إذا فهمت أسباب رحيلهم فسأرتاح، وإذا عرفت ما الذي كان ينقصني فسأصبح كافية، وإذا انتظرت طويلًا فسوف تتغير النهاية.

لكنني تعبت من البحث عن نفسي في أعين الآخرين.

أنا التي بقيت بعد كل ذلك، أنا التي حملت ما لم تختر حمله، وأنا التي حاولت أن تحب رغم خوفها، وأن تؤمن رغم تعثرها، وأن تبدأ من جديد رغم أنها لم تعرف دائمًا من أين تبدأ.

وللمرة الأولى، أريد أن أكون موضوع الحكاية، لا مجرد شاهدة على نهايات الآخرين.»

توقفت عن الكتابة.

نظرت إلى العنوان طويلًا.

ثم أغلقت الدفتر بهدوء.

كان الليل قد انتصف، والمدينة بدأت تفقد ضجيجها.

استلقت، وأغمضت عينيها.

لم تكن قد نسيت أحدًا، ولم تتخلص من ماضيها، ولم تصبح فجأة إنسانة لا تتأثر بالرسائل والذكريات والغياب.

لكنها اتخذت قرارًا صغيرًا، ربما لم يكن واضحًا حتى لها:

لن تجعل كل عودة اختبارًا لقيمتها، ولن تعتبر كل رحيل دليلًا على أنها لم تكن جديرة بالبقاء.

فهي لم تعد تريد أن تقضي عمرها تسأل لماذا لم يخترها الآخرون.

كانت تريد أن تتعلم كيف تختار نفسها.

غير أن اختيار النفس ليس نهاية الصراع دائمًا؛ فأحيانًا، حين نتوقف عن انتظار الآخرين، نكتشف أننا لا نعرف بعد كيف نعيش مع أنفسنا. الأول: الفتاة التي كبرت في وقتٍ مبكر

لم تكن طفلة تعيسة بالمعنى الذي يفهمه الناس، ولم تكن سعيدة بما يكفي لتعيش طفولتها كما ينبغي. كانت فقط طفلة تراقب أكثر مما تتكلم، وتفهم أشياء لم يكن من المفترض أن تفهمها في ذلك العمر.

في السادسة، اكتشفت أن البيوت لا تحمي ساكنيها دائمًا، وأن الأشخاص الذين يُفترض أن يكونوا مصدر الأمان قد يصبحون أحيانًا مصدر الخوف. لم تفهم يومها معنى الفراق، لكنها رأت كيف يمكن للحب أن يتحول إلى خصام، وكيف تستطيع لحظة واحدة أن تغيّر شكل العالم في عيني طفل.

كبرت قليلًا، واكتشفت أن بعض الغيابات لا تحتاج إلى وداع؛ يكفي أن يمضي العمر دون أن يأتي أحد.

كانت هناك أمّ، لكن المسافة إليها لم تكن تُقاس بالكيلومترات. كانت مسافة من نوع آخر، لا تقطعها الطرق ولا تختصرها الرسائل. وحين أدركت معنى الفقد، كان الوقت قد سبقها بسنوات. حتى إن الطريق إلى قبر أمها لم يُفتح لها إلا بعد زمن طويل.

ومنذ ذلك الحين، صار لديها ميل غريب إلى تأجيل الأشياء التي تخشى نهايتها، كأنها تحاول أن تمنح اللحظات عمرًا أطول مما كُتب لها.

لم تكن تحب الشفقة. كانت تراها نظرة طويلة إلى جرح لا تريد لأحد أن يلمسه. لذلك تعلّمت أن تبدو بخير، لا لأنها كانت كذلك، بل لأنها لم تكن تعرف ماذا تفعل إن توقفت عن التظاهر.

ومع مرور السنوات، لم تصبح أقسى كما ظن الآخرون، بل أصبحت أكثر انتقائية في إظهار ما تشعر به. كان بداخلها عالم مزدحم، بينما تبدو من الخارج فتاة عادية، تدرس، تضحك أحيانًا، وتختفي حين يثقل عليها كل شيء.

كانت تؤمن بالله، وتعود إليه كلما ضاقت بها نفسها، وإن لم تكن دائمًا بالصورة التي تتمنى أن تكون عليها. كانت تخاف أن تفسد نواياها، وأن تختلط عبادتها برغبتها في أن يراها الآخرون، وكانت تسأل نفسها كثيرًا: هل يكفي أن أحاول، حتى حين أفشل في المحاولة؟

ثم عرفت الحب.

ولم يكن الحب هذه المرة مجرد شعور عابر، بل حكاية وضعتها أمام سؤال لم تستطع الإجابة عنه بسهولة: ماذا يفعل المرء حين يجد في قلبه شيئًا يتمناه، لكنه لا يريد الوصول إليه بالطريقة التي يستطيعها؟

كانت تستطيع التمسك، لكنها اختارت المسافة. تستطيع الكلام، لكنها اختارت الصمت. ولم يكن ذلك دليلًا على أن قلبها قد شُفي، بل ربما كان دليلًا على أنها بدأت تفهم أن بعض الرغبات لا ينبغي أن تقود أصحابها.

ومع ذلك، كانت تشتاق.

فالإنسان لا يصبح زاهدًا في الشيء لمجرد أنه قرر الابتعاد عنه.

في إحدى الليالي، جلست وحدها أمام نافذتها. لم يكن هناك حدث استثنائي، ولا رسالة منتظرة، ولا خبر سيئ. كان كل شيء هادئًا على نحو يثير الريبة.

فتحت دفترًا قديمًا، وكتبت في الصفحة الأولى:

«لا أعرف متى بدأت حكايتي، ولا إن كنت أنا بطلتها أم مجرد شاهدة على ما حدث لي. لكنني أعرف أنني أمضيت سنوات أحاول أن أفهم لماذا أخذت الحياة مني أشياء لم أكن أعرف حتى كيف أطلبها.

وربما كان عليّ أن أتوقف عن سؤالها.

فأنا لا أريد حياةً لم تخذلني قط، بل أريد قلبًا لا يفقد نفسه كلما خذلته الحياة.»

أغلقت الدفتر.

ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تحاول أن تكتب تتمة.

كانت تلك بداية الحكاية.

ولم تكن تعرف بعد أن أصعب ما سيواجهها ليس ما فقدته، بل ما ستكتشفه عن نفسها وهي تحاول النجاة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مالم يُقل في الغياب   9

    الفصل التاسع: حين لا يكفي أن تكون إنسانًا طيبًا لم تكن تظن أن الطيبة قد تُتعب صاحبها إلى هذا الحد. كانت تعتقد، في وقتٍ ما، أن الإنسان ما دام لا يؤذي أحدًا، وما دام يختار كلماته بعناية، ويغفر حين يستطيع، ويبتعد حين يخشى أن يجرح، فإن الحياة ستكافئه بشيء من اللطف. لكن الحياة لم تكن عادلة إلى درجة تسمح لها بهذه الصفقة. في ذلك الصباح، استيقظت على رسالة من أختها. لم تكن طويلة، ولم تحمل خبرًا جديدًا، لكنها كانت كافية لتعيد إليها ذلك الشعور القديم؛ شعور العجز أمام الأشياء التي تحبها ولا تستطيع حمايتها. جلست على طرف السرير، تقرأ الرسالة مرة، ثم تعيد قراءتها كأن الكلمات ستتغير إن أطالت النظر إليها. كان عليها أن تذهب إلى الجامعة. محاضرة تنتظرها، ودرس لم تكمله، وامتحان يقترب، وحياة لا تتوقف احترامًا لما يحدث في صدرها. غسلت وجهها، ارتدت ملابسها، وجمعت كتبها في حقيبت

  • مالم يُقل في الغياب   8

    الفصل الثامن: الذين أحببناهم على حساب أنفسنا لم تكن المشكلة أنها أحبت كثيرًا، بل أنها لم تكن تعرف أين تنتهي حدود الحب وأين تبدأ حدودها هي. كانت تظن أن المحبة تعني أن تجد للآخر عذرًا كلما أخطأ، وأن تفهم صمته كلما عجز عن الكلام، وأن تتحمل غيابه لأن وراءه ظروفًا لا تعرفها. كانت تخشى أن تكون قاسية، فتسامح قبل أن تفهم، وتتراجع قبل أن تعترض، وتبتلع كلماتها كي لا تجرح أحدًا. ولم تنتبه إلى أنها، في كل مرة كانت تحاول فيها ألّا تؤذي أحدًا، كانت تترك نفسها تتأذى قليلًا. كانت هناك حكاية لم تخبر بها أحدًا كاملة. حكاية بدأت بكلمات بسيطة، ثم امتدت حتى صارت جزءًا من يومها. لم يكن صاحبها حاضرًا في حياتها كما يحضر الناس عادة؛ لم تكن بينهما مقاعد مشتركة، ولا لقاءات عابرة، ولا تفاصيل يومية يمكن الاحتفاظ بها في الصور. كان حاضرًا بالكلمات. وكانت الكلمات، على الرغم من خفتها الظاهرة، قادرة على بناء عالم كامل في مخيلة إنسان. لم تكن تجهل أن المسافة بين العالم المتخيّل والحياة الحقيقية واسعة، لكنها كانت تأمل أن يأتي يوم تُختصر فيه تلك المسافة بخطوة صادقة. وحين لم تأتِ الخطوة، بقيت الأمنيات معل

  • مالم يُقل في الغياب   7

    الفصل السابع: المرأة التي لم تعرفها من قبل لم تكن تعرف أن الإنسان قد يشتاق إلى نفسه. ليس إلى ملامحه القديمة، ولا إلى صوته في تسجيل عابر، بل إلى تلك النسخة التي كان يمكن أن يصبحها لو أن الحياة سارت على نحو مختلف؛ النسخة التي لم تضطر إلى النضج مبكرًا، ولم تتعلم الحذر قبل الطمأنينة، ولم تعرف معنى أن يرحل أحد قبل أن تتعلم كيف تحتفظ به. كانت تشتاق إلى فتاة لم تعشها. وفي ذلك الصباح، راودتها فكرة غريبة: ماذا لو لم يحدث شيء مما حدث؟ ماذا لو بقي البيت كما كان، ولم تتسع المسافات، ولم تعرف الفقد، ولم تضطر إلى أن تصبح قوية؟ كيف كانت ستبدو؟ هل كانت ستضحك أكثر؟ هل كانت ستثق بسهولة؟ هل كانت ستنام دون أن تراجع أحداث يومها عشرات المرات بحثًا عن كلمة أخطأت في قولها، أو موقف كان ينبغي أن تتصرف فيه بصورة مختلفة؟ لم تجد جوابًا. وربما لم يكن هناك جواب أصلًا. في الجامعة، أعادت ترتيب ملاحظاتها القديمة. كانت تكره الفوضى في دفاترها، لكنها لم تكن تمانعها كثيرًا في حياتها. رتبت المحاضرات حسب المواد، وضعت علامات على النقاط المهمة، وأعادت كتابة بعض الصفحات التي لم تعد تفهم خطها فيها. توقفت عند ورقة صغير

  • مالم يُقل في الغياب   6

    الفصل السادس: عودة الأشياء التي لم تنتهِلم تكن تخاف عودة الماضي، بقدر ما كانت تخاف أن تجده في داخلها على الهيئة نفسها التي تركته عليها.فثمة أشياء نظن أننا تجاوزناها لمجرد أننا توقفنا عن الحديث عنها، ونظن أننا نسيناها لأننا لم نعد نبكي كلما تذكرناها. لكن الذاكرة لا تعمل وفق رغباتنا، ولا تستأذننا حين تقرر إعادة فتح أبواب ظننا أنها أُغلقت.في ذلك الصباح، كان كل شيء عاديًا إلى حدّ مريب.استيقظت متأخرة قليلًا، رتبت فراشها، وغسلت وجهها، ثم جلست أمام مكتبها تحاول مراجعة محاضراتها. كانت قد وعدت نفسها أن تمنح دراستها وقتًا أكبر، وأن تكفّ عن إهدار ساعاتها في التفكير بأشياء لا تملك تغييرها.لكن الهاتف أضاء.رسالة جديدة.لم يكن الاسم غريبًا، ولم تكن الكلمات مفاجئة تمامًا، ومع ذلك شعرت بأن الغرفة ضاقت فجأة.لم تفتحها.تأملته طويلًا، ثم أعادت الهاتف إلى مكانه، كأنها تخشى أن تلمسه فتعود معها أشياء كثيرة.كانت تعرف هذا الشعور؛ أن يقف الماضي أمامك في هيئة إشعار صغير، بينما يحتاج قلبك إلى وقت طويل كي يستوعب ما حدث.بعد ساعة، فتحت الرسالة.لم تكن تحمل اعتذارًا واضحًا، ولا طلبًا صريحًا بالعودة. كانت مج

  • مالم يُقل في الغياب   5

    الفصل الخامس: ما تبقّى من الذين رحلوا ثمة أشخاص لا يغادرون حياتنا دفعة واحدة؛ يرحلون عن أيامنا، ثم عن أحاديثنا، ثم عن تفاصيلنا الصغيرة، لكنهم ينسون شيئًا في الداخل، شيئًا لا نعرف كيف نعيده إليهم، ولا كيف نتخلص منه. ولعل أصعب ما في الفقد أن تتعلم العيش بعده، ثم تكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كان يعيش قبله. في صباح ذلك اليوم، استيقظت على شعور غريب بالحنين. لم يكن حنينًا إلى شخص بعينه، بل إلى زمن كانت فيه الأشياء أقل تعقيدًا، أو لعلها كانت أقل وضوحًا فحسب. أعدّت فطورها، وجلست قرب النافذة. كانت الشمس تتسلل إلى الغرفة بخفة، بينما راحت تقلب صورًا قديمة في هاتفها. توقفت عند صورة لمكان تعرفه جيدًا. لم يكن المكان جميلًا، ولم تكن فيه ذكرى سعيدة على وجه الخصوص، لكنه أعاد إليها شيئًا من طفولتها؛ طفلة لم تكن تعرف أن بعض الأسئلة سترافقها حتى تكبر، وأن بعض الإجابات لن تأتي مهما طال الانتظار. أغلقت الهاتف. كانت قد أمضت وقتًا طويلًا تحاول أن تفهم الماضي، كأن فهمه سيمنحها القدرة على تغييره. لكنها بدأت تدرك أن المعرفة لا تعيد ما مضى، وأن تفسير الجرح لا يعني بالضرورة زوال ألمه. في الجامعة، جلست في

  • مالم يُقل في الغياب   4

    الفصل الرابع: حين يصبح المرء غريبًا عن نفسه لم يكن التغيير يحدث دائمًا على هيئة قرارات كبيرة، ولا كانت الانهيارات تسبقها أصوات مرتفعة. أحيانًا، يستيقظ الإنسان في صباح عادي، يغسل وجهه، يرتب فراشه، ويؤدي واجباته كما اعتاد، ثم يكتشف في منتصف النهار أنه لم يعد يعرف نفسه جيدًا. وهذا ما حدث معها. لم تستطع تحديد اليوم الذي بدأت فيه تشعر بذلك. لم يكن حزنًا خالصًا، ولا ضيقًا يمكن نسبته إلى حادثة بعينها. كان أشبه بتعب قديم استقر في أعماقها، حتى صار جزءًا من طريقة تفكيرها. كانت تؤدي حياتها بإتقان، لكنها لم تكن تعيشها بالقدر نفسه. في ذلك الصباح، تأخرت عن موعدها. وقفت أمام المرآة طويلًا، لا لتتأمل ملامحها، بل لأنها شعرت بأن وجهها مألوف على نحو غريب؛ كأنها تنظر إلى شخص تعرف عنه كل شيء، باستثناء ما يشعر به. مررت أصابعها على شعرها، ثم ابتعدت خطوة. كم مرة ابتسمت وهي لا تريد ذلك؟ وكم مرة قالت إنها بخير لأنها لم تجد تفسيرًا مختصرًا لما يحدث داخلها؟ كانت قد اعتادت أن تكون الشخص الذي يتفهم الجميع، الذي يجد الأعذار، الذي يحاول رؤية الجانب الآخر من الحكاية. لكنها لم تنتبه إلى أنها، في أثناء محاولات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status