Compartir

4

Autor: Finex
last update Fecha de publicación: 2026-11-02 15:29:06

الفصل الرابع: حين يصبح المرء غريبًا عن نفسه

لم يكن التغيير يحدث دائمًا على هيئة قرارات كبيرة، ولا كانت الانهيارات تسبقها أصوات مرتفعة. أحيانًا، يستيقظ الإنسان في صباح عادي، يغسل وجهه، يرتب فراشه، ويؤدي واجباته كما اعتاد، ثم يكتشف في منتصف النهار أنه لم يعد يعرف نفسه جيدًا.

وهذا ما حدث معها.

لم تستطع تحديد اليوم الذي بدأت فيه تشعر بذلك. لم يكن حزنًا خالصًا، ولا ضيقًا يمكن نسبته إلى حادثة بعينها. كان أشبه بتعب قديم استقر في أعماقها، حتى صار جزءًا من طريقة تفكيرها.

كانت تؤدي حياتها بإتقان، لكنها لم تكن تعيشها بالقدر نفسه.

في ذلك الصباح، تأخرت عن موعدها.

وقفت أمام المرآة طويلًا، لا لتتأمل ملامحها، بل لأنها شعرت بأن وجهها مألوف على نحو غريب؛ كأنها تنظر إلى شخص تعرف عنه كل شيء، باستثناء ما يشعر به.

مررت أصابعها على شعرها، ثم ابتعدت خطوة.

كم مرة ابتسمت وهي لا تريد ذلك؟ وكم مرة قالت إنها بخير لأنها لم تجد تفسيرًا مختصرًا لما يحدث داخلها؟

كانت قد اعتادت أن تكون الشخص الذي يتفهم الجميع، الذي يجد الأعذار، الذي يحاول رؤية الجانب الآخر من الحكاية. لكنها لم تنتبه إلى أنها، في أثناء محاولاتها المستمرة لفهم الآخرين، كانت تؤجل فهم نفسها.

كانت تمنح الناس مساحة للخطأ، ثم تحاكم نفسها على أبسط العثرات.

تسامح الغياب، وتعاتب احتياجها.

تتفهم ضعف الآخرين، وتطالب نفسها بالقوة حتى في الأيام التي لا تملك فيها ما يكفي للنهوض.

ولم يكن ذلك نبلًا دائمًا، كما كانت تحب أن تصفه لنفسها. ربما كان أحيانًا شكلًا آخر من أشكال إهمال الذات.

في الجامعة، جلست بين زميلاتها.

كانت الأحاديث تتنقل من موضوع إلى آخر، وضحكات متفرقة تملأ المكان. شاركتهن الحديث حين وجب ذلك، ثم عادت إلى صمتها.

سألتها إحداهن:

«ما بكِ؟ تبدين شاردة.»

أجابت بابتسامة:

«لا شيء، مجرد إرهاق.»

كانت تلك الإجابة الصغيرة تختصر سنوات من التدريب. ليس لأنها تكذب عمدًا، بل لأنها لم تعد تعرف كيف تشرح ما لا تملك له اسمًا.

فكيف تخبر أحدًا أنها أحيانًا تحزن على أشياء لم تعشها؟ وكيف تشرح أن بعض الذكريات لا تأتي في صورة مشاهد واضحة، بل في هيئة شعور مبهم يجعلها تشتاق إلى زمن لم تعرف فيه معنى الاشتياق؟

وكيف تقول إنها تفتقد أمًا لم تتح لها الحياة فرصة كافية لتعرفها؟

بعض الأحزان لا تحتاج إلى حادثة جديدة كي تستيقظ؛ يكفي أن يمرّ بها يوم يشبه الأيام القديمة.

عند عودتها، وجدت رسالة من شخص كانت تحاول ألّا تفكر فيه.

لم تفتحها فورًا.

وضعت حقيبتها، وبدّلت ملابسها، ثم جلست على طرف السرير. بقي الهاتف بين يديها دقائق قبل أن تقرر قراءتها.

لم تحمل الرسالة شيئًا استثنائيًا، لكن فيها ما يكفي لإعادتها إلى أسئلة ظنت أنها تجاوزتها.

هل كان الابتعاد هو القرار الصحيح؟

هل يمكن أن يكون الإنسان صادقًا في حبه، وصادقًا في اختياره للرحيل في الوقت نفسه؟

وهل يُعدّ التخلي عن أمنية ما خسارة، حتى حين يكون التخلي عنها انتصارًا لمبدأ يؤمن به المرء؟

لم تجد إجابة.

وكان أكثر ما أزعجها أنها لم تعد تريد إجابة منه بقدر ما كانت تريد أن تتصالح مع غيابها هي.

أغلقت المحادثة، ثم قالت بصوت خافت:

«ليس عليّ أن أفهم كل شيء اليوم.»

كانت جملة بسيطة، لكنها بدت لها كأنها تمنح نفسها إذنًا لم تحصل عليه من قبل.

في تلك الليلة، لم تستطع النوم.

أخرجت دفترها، وبدأت تكتب عن الأشياء التي لم تقلها لأحد.

كتبت عن غضبها الذي لم تجد له مكانًا مناسبًا، وعن خوفها من أن تكون قد أمضت وقتًا طويلًا تحاول استحقاق الحب بدلًا من أن تتعلم كيف تستقبله.

كتبت عن رغبتها في أن يسألها أحدهم عن حالها دون أن تضطر إلى إظهار دليل على تعبها.

وعن تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تظن أن عليها أن تكون عاقلة دائمًا، لأنها لم تجد من يطمئنها بأن العالم سيظل قائمًا حتى لو بكت.

ثم توقفت.

كانت يدها ترتجف قليلًا، لا من الخوف، بل من ثقل الكلمات التي ظلت حبيسة سنوات.

وفي أسفل الصفحة كتبت:

«أخشى أنني أمضيت حياتي أحاول أن أكون الشخص الذي لا يُتعب أحدًا، حتى أصبحت أتعب نفسي بصمت.

كنت أظن أن القوة ألّا أطلب شيئًا، وألّا أعاتب، وألّا أُظهر حاجتي إلى أحد. لكنني بدأت أشك في أنني لم أكن قوية دائمًا؛ ربما كنت فقط خائفة من أن أطلب فلا أجد.

أريد أن أتوقف عن الاعتذار عن حزني، وعن تبرير احتياجي، وعن معاملة نفسي كما لو أنها آخر شخص يستحق مني الحنان.

فأنا أيضًا كنت طفلة، وأنا أيضًا فقدت أشياء لم أختر فقدانها، وأنا أيضًا أستحق أن أُفهم دون أن أضطر إلى ترجمة ندوب لم أرها حتى بعيني.»

أغلقت الدفتر، وأسندت رأسها إلى الوسادة.

لم يحدث شيء خارق تلك الليلة. لم تختفِ الذكريات، ولم تعد الوجوه الغائبة، ولم تتبدل الحياة فجأة إلى الصورة التي تمنتها.

لكنها فعلت شيئًا لم تعتده:

لم تلُم نفسها على حزنها.

ولم تطلب منها أن تنهض سريعًا، أو أن تتجاوز، أو أن تكون أكثر إيمانًا أو أكثر صبرًا أو أكثر احتمالًا.

تركتها تبكي، فحسب.

ولعل الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من ينقذه من حزنه؛ أحيانًا يحتاج إلى من لا يعاقبه عليه، حتى لو كان ذلك الشخص هو نفسه.

وقبل أن تغفو، خطرت لها فكرة أربكتها قليلًا:

ربما لم تكن مشكلتها أنها لا تعرف كيف تحب الآخرين، بل أنها لم تتعلم بعد كيف تحب نفسها دون شروط.

وكان ذلك أول اعتراف حقيقي تقطعه على نفسها، دون أن تعرف أن الاعترافات الصادقة لا تنهي الحكايات، بل تبدأ أكثر فصولها صعوبة.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • مالم يُقل في الغياب   8

    الفصل الثامن: الذين أحببناهم على حساب أنفسنا لم تكن المشكلة أنها أحبت كثيرًا، بل أنها لم تكن تعرف أين تنتهي حدود الحب وأين تبدأ حدودها هي. كانت تظن أن المحبة تعني أن تجد للآخر عذرًا كلما أخطأ، وأن تفهم صمته كلما عجز عن الكلام، وأن تتحمل غيابه لأن وراءه ظروفًا لا تعرفها. كانت تخشى أن تكون قاسية، فتسامح قبل أن تفهم، وتتراجع قبل أن تعترض، وتبتلع كلماتها كي لا تجرح أحدًا. ولم تنتبه إلى أنها، في كل مرة كانت تحاول فيها ألّا تؤذي أحدًا، كانت تترك نفسها تتأذى قليلًا. كانت هناك حكاية لم تخبر بها أحدًا كاملة. حكاية بدأت بكلمات بسيطة، ثم امتدت حتى صارت جزءًا من يومها. لم يكن صاحبها حاضرًا في حياتها كما يحضر الناس عادة؛ لم تكن بينهما مقاعد مشتركة، ولا لقاءات عابرة، ولا تفاصيل يومية يمكن الاحتفاظ بها في الصور. كان حاضرًا بالكلمات. وكانت الكلمات، على الرغم من خفتها الظاهرة، قادرة على بناء عالم كامل في مخيلة إنسان. لم تكن تجهل أن المسافة بين العالم المتخيّل والحياة الحقيقية واسعة، لكنها كانت تأمل أن يأتي يوم تُختصر فيه تلك المسافة بخطوة صادقة. وحين لم تأتِ الخطوة، بقيت الأمنيات معل

  • مالم يُقل في الغياب   7

    الفصل السابع: المرأة التي لم تعرفها من قبل لم تكن تعرف أن الإنسان قد يشتاق إلى نفسه. ليس إلى ملامحه القديمة، ولا إلى صوته في تسجيل عابر، بل إلى تلك النسخة التي كان يمكن أن يصبحها لو أن الحياة سارت على نحو مختلف؛ النسخة التي لم تضطر إلى النضج مبكرًا، ولم تتعلم الحذر قبل الطمأنينة، ولم تعرف معنى أن يرحل أحد قبل أن تتعلم كيف تحتفظ به. كانت تشتاق إلى فتاة لم تعشها. وفي ذلك الصباح، راودتها فكرة غريبة: ماذا لو لم يحدث شيء مما حدث؟ ماذا لو بقي البيت كما كان، ولم تتسع المسافات، ولم تعرف الفقد، ولم تضطر إلى أن تصبح قوية؟ كيف كانت ستبدو؟ هل كانت ستضحك أكثر؟ هل كانت ستثق بسهولة؟ هل كانت ستنام دون أن تراجع أحداث يومها عشرات المرات بحثًا عن كلمة أخطأت في قولها، أو موقف كان ينبغي أن تتصرف فيه بصورة مختلفة؟ لم تجد جوابًا. وربما لم يكن هناك جواب أصلًا. في الجامعة، أعادت ترتيب ملاحظاتها القديمة. كانت تكره الفوضى في دفاترها، لكنها لم تكن تمانعها كثيرًا في حياتها. رتبت المحاضرات حسب المواد، وضعت علامات على النقاط المهمة، وأعادت كتابة بعض الصفحات التي لم تعد تفهم خطها فيها. توقفت عند ورقة صغير

  • مالم يُقل في الغياب   6

    الفصل السادس: عودة الأشياء التي لم تنتهِلم تكن تخاف عودة الماضي، بقدر ما كانت تخاف أن تجده في داخلها على الهيئة نفسها التي تركته عليها.فثمة أشياء نظن أننا تجاوزناها لمجرد أننا توقفنا عن الحديث عنها، ونظن أننا نسيناها لأننا لم نعد نبكي كلما تذكرناها. لكن الذاكرة لا تعمل وفق رغباتنا، ولا تستأذننا حين تقرر إعادة فتح أبواب ظننا أنها أُغلقت.في ذلك الصباح، كان كل شيء عاديًا إلى حدّ مريب.استيقظت متأخرة قليلًا، رتبت فراشها، وغسلت وجهها، ثم جلست أمام مكتبها تحاول مراجعة محاضراتها. كانت قد وعدت نفسها أن تمنح دراستها وقتًا أكبر، وأن تكفّ عن إهدار ساعاتها في التفكير بأشياء لا تملك تغييرها.لكن الهاتف أضاء.رسالة جديدة.لم يكن الاسم غريبًا، ولم تكن الكلمات مفاجئة تمامًا، ومع ذلك شعرت بأن الغرفة ضاقت فجأة.لم تفتحها.تأملته طويلًا، ثم أعادت الهاتف إلى مكانه، كأنها تخشى أن تلمسه فتعود معها أشياء كثيرة.كانت تعرف هذا الشعور؛ أن يقف الماضي أمامك في هيئة إشعار صغير، بينما يحتاج قلبك إلى وقت طويل كي يستوعب ما حدث.بعد ساعة، فتحت الرسالة.لم تكن تحمل اعتذارًا واضحًا، ولا طلبًا صريحًا بالعودة. كانت مج

  • مالم يُقل في الغياب   5

    الفصل الخامس: ما تبقّى من الذين رحلوا ثمة أشخاص لا يغادرون حياتنا دفعة واحدة؛ يرحلون عن أيامنا، ثم عن أحاديثنا، ثم عن تفاصيلنا الصغيرة، لكنهم ينسون شيئًا في الداخل، شيئًا لا نعرف كيف نعيده إليهم، ولا كيف نتخلص منه. ولعل أصعب ما في الفقد أن تتعلم العيش بعده، ثم تكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كان يعيش قبله. في صباح ذلك اليوم، استيقظت على شعور غريب بالحنين. لم يكن حنينًا إلى شخص بعينه، بل إلى زمن كانت فيه الأشياء أقل تعقيدًا، أو لعلها كانت أقل وضوحًا فحسب. أعدّت فطورها، وجلست قرب النافذة. كانت الشمس تتسلل إلى الغرفة بخفة، بينما راحت تقلب صورًا قديمة في هاتفها. توقفت عند صورة لمكان تعرفه جيدًا. لم يكن المكان جميلًا، ولم تكن فيه ذكرى سعيدة على وجه الخصوص، لكنه أعاد إليها شيئًا من طفولتها؛ طفلة لم تكن تعرف أن بعض الأسئلة سترافقها حتى تكبر، وأن بعض الإجابات لن تأتي مهما طال الانتظار. أغلقت الهاتف. كانت قد أمضت وقتًا طويلًا تحاول أن تفهم الماضي، كأن فهمه سيمنحها القدرة على تغييره. لكنها بدأت تدرك أن المعرفة لا تعيد ما مضى، وأن تفسير الجرح لا يعني بالضرورة زوال ألمه. في الجامعة، جلست في

  • مالم يُقل في الغياب   4

    الفصل الرابع: حين يصبح المرء غريبًا عن نفسه لم يكن التغيير يحدث دائمًا على هيئة قرارات كبيرة، ولا كانت الانهيارات تسبقها أصوات مرتفعة. أحيانًا، يستيقظ الإنسان في صباح عادي، يغسل وجهه، يرتب فراشه، ويؤدي واجباته كما اعتاد، ثم يكتشف في منتصف النهار أنه لم يعد يعرف نفسه جيدًا. وهذا ما حدث معها. لم تستطع تحديد اليوم الذي بدأت فيه تشعر بذلك. لم يكن حزنًا خالصًا، ولا ضيقًا يمكن نسبته إلى حادثة بعينها. كان أشبه بتعب قديم استقر في أعماقها، حتى صار جزءًا من طريقة تفكيرها. كانت تؤدي حياتها بإتقان، لكنها لم تكن تعيشها بالقدر نفسه. في ذلك الصباح، تأخرت عن موعدها. وقفت أمام المرآة طويلًا، لا لتتأمل ملامحها، بل لأنها شعرت بأن وجهها مألوف على نحو غريب؛ كأنها تنظر إلى شخص تعرف عنه كل شيء، باستثناء ما يشعر به. مررت أصابعها على شعرها، ثم ابتعدت خطوة. كم مرة ابتسمت وهي لا تريد ذلك؟ وكم مرة قالت إنها بخير لأنها لم تجد تفسيرًا مختصرًا لما يحدث داخلها؟ كانت قد اعتادت أن تكون الشخص الذي يتفهم الجميع، الذي يجد الأعذار، الذي يحاول رؤية الجانب الآخر من الحكاية. لكنها لم تنتبه إلى أنها، في أثناء محاولات

  • مالم يُقل في الغياب   3

    الفصل الثالث: الذين نترك لهم نافذة لم تكن تخشى الرحيل بقدر ما كانت تخشى اللحظة التي تسبقه؛ تلك اللحظة التي يتغير فيها صوت الإنسان، وتصبح كلماته أقل دفئًا، وتغدو الأشياء الصغيرة التي كانت تمرّ دون انتباه شواهد على أن شيئًا ما يتداعى بصمت. كانت تراقب التفاصيل أكثر مما ينبغي. تنتبه إلى تأخر الرد، وإلى اختلاف نبرة الحديث، وإلى الكلمات التي لم تُقل، وإلى المسافات التي تتسع بين جملتين كانتا بالأمس متجاورتين. لم تكن تسمي ذلك خوفًا، بل حدسًا. وربما كان الخوف حين يطول مقامه فينا يتعلم ارتداء أسماء أكثر تهذيبًا. في طفولتها، لم يكن الغياب حدثًا استثنائيًا، بل كان شيئًا يتسلل إلى الحياة دون استئذان. ولهذا، حين كبرت، لم تتعلم كيف تستقبل الأشخاص فحسب، بل كيف تستعد لفقدانهم أيضًا. كانت تترك في داخلها بابًا مواربًا، حتى لأولئك الذين تحبهم. لا تسمح لنفسها بالاطمئنان الكامل، ولا تسلّم قلبها دون أن تحتفظ بجزء منه بعيدًا عن متناول أحد. كانت تريد أن تصدّق أن الآخرين سيبقون، لكنها لم تستطع إقناع ذاك الجزء القديم منها بأن البقاء أمر ممكن. وكانت المفارقة أنها لم تكن تبحث عن شخص لا يرحل، بقدر ما كانت ت

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status