Masukالفصل الرابع
من وجهة نظر ليلى
"هل أنت من أخرجني من السجن؟"
استقر السؤال داخل السيارة كأنه شيء حي… ثقيل ومستحيل تجاهله.
لكنه لم يجب.
كان صوت المحرك مستمرًا تحتنا، لكن الصمت بيننا كان أعلى من أي ضجيج.
بقيت عيناي عليه، أرفض أن أشيح بنظري هذه المرة.
كنت بحاجة إلى معرفة الحقيقة… مهما كانت.
اشتدت قبضته حول المقود.
رأيت ذلك بوضوح—طريقة انقباض أصابعه على الجلد، التوتر الخفيف في مفاصله، شدّة فكه وهو يغلقه بقوة.
كان نظره ثابتًا على الطريق، لكن شيئًا فيه تغيّر.
كأنه يمسك نفسه بصعوبة.
كأن شيئًا داخله يحاول الانفجار.
انقبض صدري.
لماذا؟
لماذا يبدو أن هذا السؤال يعني له الكثير؟
ابتلعت ببطء، وأصابع يدي تضغط على حجري بينما واصلت النظر إليه.
"ريان…"
وقبل أن أكمل.
ضغط على الفرامل بقوة.
اهتزت السيارة بعنف.
اندفع جسدي للأمام، وخرجت مني شهقة حادة بينما شدّ حزام الأمان صدري بقسوة وأوقفني في اللحظة الأخيرة.
قفز قلبي بعنف داخل صدري.
تلاشى كل شيء للحظة ثم عاد الثبات.
السيارة توقفت.
لكن المحرك ظل يعمل.
أما العالم خارجها فبدا بعيدًا.
كان تنفسي مضطربًا، وصدرى يرتفع وينخفض بسرعة وأنا أحاول استعادة توازني.
"ماذا…"
"اصمتي."
قطع صوته الهواء.
بارد. حاد. نهائي.
ببطء، التفتُّ نحوه.
لم يكن ينظر إليّ.
كانت يداه ما تزالان على المقود، لكن أشد من قبل.
كتفاه مشدودتان، وجسده بالكامل متصلب، وكأنه بالكاد يمسك نفسه.
"لماذا تسألين؟" قال بصوت أخفض، لكنه أخطر.
"هل تدركين حتى ما الذي تسألين عنه؟"
كل كلمة كانت محسوبة، بطيئة، ومتحكمة.
لكن تحتها…
كان هناك شيء آخر.
شيء أعمق.
لم أجب.
لم أستطع.
لأنه لم يعطني فرصة.
"حتى لو كنتِ تعلمين أنني أنا من أخرجك…" توقف قليلًا، ثم التفت نحوي ببطء، ونظراته لامستني للحظة خاطفة.
"ماذا ستفعلين؟"
صمت.
"هاه؟"
كانت هناك سخرية خفيفة في صوته… ومرارة.
تمسكت بنظره.
"أريد فقط الحقيقة." قلت بهدوء.
لكن صوتي كان أكثر ثباتًا مما توقعت.
تغيرت ملامحه.
لم تلِن.
بل… ازدادت قسوة.
"حسنًا." قال فجأة.
"بما أنكِ تريدين المعرفة بشدة."
انحنى طرف شفتيه، لكن بلا أي مرح.
"أنا من أخرجكِ."
صمت.
"راضية؟"
الكلمة سقطت ثقيلة.
ليست غضبًا فقط… بل شيء أعمق.
ندم. غضب مكبوت. شيء مؤلم.
كأنه أجبر نفسه على قولها.
إذًا… هو.
انقبض شيء داخل صدري.
ارتباك… راحة… وشيء آخر لا أريد تسميته.
"أنا—"
"أنتِ ماذا؟"
قاطعني فجأة.
التفت بالكامل نحوي هذه المرة.
عيناه اصطدمتا بعينيّ… باردة، قاسية، بلا رحمة.
"ماذا تريدين الآن؟" ارتفع صوته قليلًا.
"شكرًا؟"
"اعتذار؟"
"أم آسفة لأنكِ سببتِ لي المشاكل وخيانتكِ السابقة؟"
كل كلمة كانت أشد من التي قبلها.
تشدّدت أصابعي دون وعي.
"هل تعلمين حتى ما الذي كلفني إخراجك من السجن؟"
انخفض صوته مجددًا، لكنه لم يهدأ.
كان يحترق.
"سمعتي… موقعي… الاسم الذي بنيته بصعوبة."
انقبض فكه بقوة.
"كل شيء كان على المحك فقط لأخرجك."
أخذت نفسًا ببطء.
"أنا أعلم…"
"اصمتي."
جاءت الكلمة فورًا.
"فقط اصمتي."
اشتدت قبضته على المقود حتى ابيضت مفاصله.
"أنتِ لا تعلمين شيئًا."
ثم سكت لحظة.
ثم قال:
"أنا نادم."
توقفت داخلي.
كانت الكلمة باردة، مسطحة…
لكنها ضربت أقوى من أي شيء آخر.
"أنا نادم لأنني استمعت إلى أمي."
شيء داخلي تجمد.
"كان يجب أن أترككِ حيث تنتمين."
رفع عينيه نحوي.
أبرد من قبل.
"في ذلك السجن."
"كان يجب أن أترككِ تتعفنين هناك."
للحظة… لم أستطع التنفس.
تردد صدى الكلمات داخلي… قاسية، حادة، تمزق شيئًا في صدري.
حدقت به.
حقًا حدقت به…
أحاول أن أفهم إن كان يقصدها فعلًا.
"لماذا أنتِ مصدومة؟" تابع.
"هل تعتقدين حقًا أنني أخرجتكِ بدون والديّ؟"
زفر بمرارة.
"وخاصة أمي… كانت تتوسل."
كلمة "تتوسل" سقطت ثقيلة داخل صدري.
"هل تعتقدين أنني كنت سأفعلها لأجلك؟"
"أنتِ خيانة."
بقيت الكلمة بيننا.
"أم أنكِ نسيتِ ما فعلتِ؟"
شيء داخلي انكسر.
"كفى."
خرج صوتي أقوى مما توقعت.
ليس عاليًا… لكنه ثابت.
قطع الهواء بما يكفي ليوقفه لحظة.
"كفى." كررتها.
شدّت يداي على حجري.
"أعلم أن إخراجي كلفك الكثير."
انخفض صوتي هذه المرة.
"لكن… هل طلبت منك أن تفعل ذلك؟"
صمت.
"ماذا؟" قال ببطء.
عدم تصديق واضح في صوته.
"نعم." أجبت.
"سمعتني جيدًا."
كان قلبي يخفق بسرعة… لكنني لم أهرب بنظري.
"شكرًا لأنك أخرجتني من السجن."
"أنا ممتنة."
وكانت الحقيقة.
"لكن هذا لا يعطيك الحق في إهانتي."
توقف بسيط.
"أنا لم أجبرك." قلت.
صمت.
ثم—
"واو."
خرجت منه كلمة قصيرة، فارغة.
"فقط… واو."
استند للخلف قليلًا، يهز رأسه كأنه لا يصدق ما يسمعه.
"هل أنقذتُ ناكرة للجميل؟"
انحنت زاوية شفتيه قليلًا.
"يا الله…"
زفر ببرود.
"لا عجب أن أحدًا لم يساعدك عندما كنتِ بحاجة إليه."
حدقت به بغضب.
"أستطيع رؤية ذلك الآن."
تغيرت نظراته.
"أستطيع أن أفهم لماذا زوجك السابق وعائلته…"
توقف قليلًا.
"وعائلة عمك…"
جاءت الكلمات أبطأ.
أكثر تعمدًا.
"خانواكِ."
قبضت أصابعي بقوة.
"وشهدوا ضدكِ في المحكمة."
كل كلمة كانت ضربة.
"كنتِ تستحقين ذلك."
التفتُّ نحوه بسرعة.
ارتفع الغضب والألم داخل صدري.
"انتظر—"
لكنّه تابع، بصوت أخفض… أخطر.
"هل ندمتي؟"
ثبتت عيناه في عينيّ.
"هل ندمتي لأنكِ انفصلتِ عني لتكوني مع ابن عمك زيد؟"
"أجيبي."
"هل ندمتي؟”
الفصل 37منظور ليلى"هل أنتِ بخير؟"أخيرًا كسر صوت ريان الصمت الثقيل الذي استقر داخل غرفة المكتب بعد مغادرة المحقق رحيم.للحظة، لم أجب فورًا.جلست هناك بصمت، أحدق في جهاز التسجيل الصغير الذي ما زال مستقرًا فوق الطاولة. كان الضوء الأحمر الصغير الذي يومض عليه قد انطفأ بالفعل، ومع ذلك شعرت بطريقة ما وكأن الاستجواب لم ينتهِ بعد. وكأن الأسئلة ما زالت تحوم حولي، تخنقني.كان المحقق رحيم قد أخذ أحد التسجيلات وترك الآخر لي ولريان.بدت الغرفة أكثر برودة من السابق. بقيت أصابعي متشابكة بإحكام فوق حجري بينما كانت أفكاري تتخبط بعنف داخل رأسي.نور. الدرج. الدماء. تحذيرها.كل شيء كان يعيد نفسه مرارًا وتكرارًا ككابوس يرفض أن ينتهي.ببطء رفعت عيني نحو ريان."لا أعلم."خرج صوتي أخفض مما توقعت."في هذه اللحظة... لا أعرف حقًا ماذا أشعر."ابتلعت بصعوبة."أشعر بالضياع. بالتشتت. وكأن عقلي يُسحب في اتجاهات مختلفة."ظل ريان صامتًا، يسمح لي بالكلام دون مقاطعة.وبطريقة ما، جعلني ذلك الصمت أُفرغ كل ما بداخلي."لا أستطيع التوقف عن التفكير في نور،" تابعت، بينما انقبض صدري بألم عند ذكر اسمها. "ماذا لو كانت تحاول فعل
الفصل 36منظور ليلى"لا... لا أتذكر."خرج صوتي أهدأ مما كنت أقصد.ساد الصمت غرفة المكتب مجددًا بعد إجابتي. صمت ثقيل. ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على صدرك ويجعل التنفس أصعب من المعتاد.لم يتحدث المحقق رحيم مباشرة. اكتفى بمراقبتي بعناية، وملامحه غير قابلة للقراءة، وكأنه لا يدرس كلماتي فقط، بل المشاعر المختبئة خلفها أيضًا."ما الذي يجعلكِ متأكدة إلى هذا الحد؟" سأل أخيرًا بهدوء.لم يكن صوته اتهاميًا.لكنه لم يكن مطمئنًا أيضًا."ما الذي يجعلكِ واثقة أنكِ لستِ من دفعتِ أختكِ؟"جعلني السؤال أشعر بانقباض مؤلم في صدري مرة أخرى. خفضت نظري نحو أصابعي المرتجفة قبل أن أجبر نفسي على الإجابة."لأنني، رغم الدوار... ورغم كل ما حدث لي في ذلك اليوم..." قلت ببطء وأنا أحاول ترتيب الذكريات المبعثرة داخل رأسي. "كنت ما زلت واعية بنفسي."شعرت بجفاف في حلقي."كنت أعرف الصواب من الخطأ."بدت كلماتي حازمة.لكن في داخلي، كانت الحيرة تعود ببطء."ولهذا السبب استدعيت الخادمة." تابعت بهدوء. "كنت أعلم أنني لست في حالة تسمح لي بصعود الدرج مرة أخرى، لذلك طلبت منها أن تُنزل نور إليّ."توقفت.وفجأة...شعرت أن هناك شيئًا خ
الفصل 35 الجزء الثاني من وجهة نظر ليلى «ماذا حدث بعد ذلك؟» سأل بهدوء.أخذت نفسا عميقا.«نزلت إلى الطابق السفلي مع زيد،» أجبت. «وأخبرني أن والدته كانت تستقبل زوارًا في ذلك اليوم. بعض صديقاتها.»كلما تحدثت، أصبحت الذكرى أكثر وضوحًا."لذا قمت بتحية هؤلاء الضيوف بأدب."ما زلت أتذكر رائحة العطور التي كانت تملأ الهواء. صوت ضحكات النساء. المجوهرات باهظة الثمن التي كانت تتلألأ تحت الضوء."بعد أن قمت بتحية الضيوف، ذهبت إلى المطبخ لبعض الوقت لأشرف على الخادمات."عبست قليلاً."كان كل شيء يبدو طبيعيًا في تلك اللحظة."أو ربما بدا الأمر طبيعياً فقط لأنني لم أكن منتبهة."ثم بعد فترة، عدت إلى غرفتي لأستعد قبل أن أغادر مع نور."بدأت دقات قلبي تتسارع ببطء. لأن هذا كان الجزء المهم. البداية."عندما دخلت غرفتي..." توقفت.شعرت بشيء بارد يخترق جسدي."فجأة بدأت أشعر بشيء غريب."ظل رحيم صامتًا، مما سمح لي بالمتابعة على وتيرتي."في البداية كان الأمر بسيطًا،" همست. "مجرد دوخة خفيفة."انكمشت أصابعي ببطء على فستاني."لكن بعد ذلك بدأ رأسي يصبح أثقل."أغمضت عيني لبرهة بينما عادت الذكرى لتتكرر بوضوح."شعرت بالحرار
الفصل 35 الجزء 3من وجهة نظر ليلى«عندما وصلت إلى الدرج...»توقفت عن التنفس لثانية. اندفعت الذكريات كلها بعنف هذه المرة.«نور...»انخفض صوتي حتى كاد يصبح همسًا.«كل ما رأيته هو نور وهي تسقط.»صمت. صمت تام. كنت لا أزال أرى المشهد. جسدها يتدحرج بعنف على الدرج. الصوت المروع الذي كان يصدر كلما ارتطم جسدها بالدرجات.الصراخ الذي انطلق من فمها. جسدي كله أصبح باردًا على الفور."اختفى كل الدوار فورًا"، همست بصوت مرتجف.الخوف. الصدمة. الذعر. كل شيء انفجر بداخلي دفعة واحدة."ركضت نحوها."بسرعة كبيرة. بيأس شديد."لكن..."ارتجفت شفتاي قليلاً."لقد تأخرت."حطمت الكلمات شيئاً بداخلي من جديد."الشيء التالي الذي سمعته كان صراخها"أغمضت عيني بإحكام."ثم الصمت."ذلك الصمت. ذلك الصمت الرهيب بعد الصراخ. كرهته. كرهت تذكره.كرهت كيف أصبح كل شيء هادئاً بعد ذلك."ركضت إلى الطابق السفلي"، واصلت بضعف. "و..."أصبح تنفسي أثقل الآن."كانت مستلقية هناك."تشوش بصري قليلاً بسبب الدموع."في بركة من الدماء."لا تزال تلك الصورة تطاردني كل ليلة. عيناها مفتوحتان على مصراعيهما. لا تتحرك.فارغتان."مهما هززتها... لم تستيقظ.
الفصل 35من وجهة نظر ليلى«في ذلك اليوم...» بدأتُ بهدوء، لكن صوتي خرج أضعف مما توقعت.تشابكت أصابعي ببطء فوق حضني. كنتُ أشعر بنظرات المحقق رحيم موجهة إليّ. هادئة ومتفحصة. تراقب كل رد فعل بعناية. حتى ريان توقف تمامًا عن الكتابة على حاسوبه المحمول الآن، متكئًا على كرسيه وهو ينظر إلي. ساد الصمت الغرفة باستثناء صوت دقات الساعة المعلقة على الحائط."كان ذلك اليوم هو اليوم الثالث لعودة نور من الخارج لأول مرة منذ وفاة والديّ"، تابعت ببطء.مجرد قول ذلك جعل شيئًا ما يضيق بشكل مؤلم داخل صدري."لم تعد إلى المنزل عندما توفيا"، قلت، وأخفضت نظري قليلاً. "رفض والداي ذلك قبل وفاتهما. لم يرغبا في أن يتأخر تعليمها بسبب أي شيء."ابتسامة مريرة لمست شفتي لثانية قبل أن تختفي."نور استمعت إليهما حتى النهاية."ساد الصمت الغرفة. ابتلعت ريقي بصعوبة قبل أن أستكمل."لذا في ذلك الصباح، خططنا لزيارة قبر والديّنا معًا."عادت الذكرى تتدفق ببطء الآن. ببطء شديد. كاد أن يشتمّ أنفّي رائحة عطر نور المألوفة مرة أخرى. أسمع ضحكتها خافتة داخل رأسي. أراها تتجول في الغرفة وكأنها لا تزال موجودة في مكان ما وراء ذكرياتي."تناولن
الفصل 34منظور ليلى"هل أنتِ من قتلتِ أختكِ بالفعل في 17 مايو 2023… في تمام الساعة الثالثة؟"في اللحظة التي خرج فيها السؤال من فمه، تجمّد جسدي بالكامل. شعرت وكأن كل الهواء داخل الغرفة قد اختفى فجأة. لثانية كاملة، لم أستطع التنفس.تيبّست أصابعي على حضني بينما كان قلبي يضرب بقوة عنيفة داخل صدري. صوت الساعة التي كانت تدق قبل قليل أصبح أعلى فجأة… أبطأ… خانقًا.حدقت في المحقق رحيم بصمت. ثم ببطء… انتقلت عيناي نحو ريان.لأول مرة منذ بدء التحقيق، توقفت أصابعه تمامًا عن الحركة على لوحة المفاتيح. لم يعد ينظر إلى شاشة الحاسوب.كان ينظر إليّ. نظرة حادة، صامتة، وغير قابلة للقراءة. وهذا جعل توتري أسوأ.ابتلعت ريقي وأجبرت نفسي على أخذ نفس عميق رغم ضيق صدري."لا." قلت أخيرًا.خرج صوتي أخفض مما أردت، لكنه ثابت. رفعت نظري بالكامل نحو المحقق رحيم."لا، أنا لست من قتلت نور."مجرد نطق اسمها كان مؤلمًا. شعرت بوخزة غريبة داخل صدري، لكنني أكملت."لم أقتلها عمدًا ولا عن غير قصد. ليس لي أي علاقة بوفاتها إطلاقًا."ساد الصمت بعد كلماتي.لم يقاطعني المحقق رحيم فورًا، بل ظل يراقبني بهدوء، وكأنه يحلل كل حركة في وجه







