Войтиوبعد شهر تقريبًا علمت ليلى أنَّ زوجة أبيها تتحدَّث مع ٱبنِ عمِّها الذي كانت تُحبُّه قبل زواجها ولمَّا تزوَّجت تزوَّج هو مِن غيرها والآن رجع يُريد أن يتزوَّجَها، قالت لها ليلى: لكنَّه لم تمضِ مدَّةٌ طويلةٌ على وفاةِ والدي، فقالت زوجةُ أبيها: إنَّ عدَّتَها ٱنتهت بولادتها، وأصبحت الآن حُرَّةً، وتستطيع الزواج.
سألتها ليلى: كيف تتزوجينَ وٱبنكِ لا زال صغيرًا؟
قالت: سأتركه لكِ.
أنتِ كنتِ تقولينَ دائمًا أنَّكِ لن تتخلَّي عنه؛ لأنَّه وصيَّةُ أبيكِ، لذلكَ سأطمئنُّ عليه معكِ، إنَّ ٱبنَ عمِّي لن يقبل بأن أصطحبهُ معي.
نظرت لها ليلى وقالت: كيف ٱنعدمتِ الرحمة من قلبكِ لتتركي ٱبنكَ وهو طفلٌ رضيعٌ؟!
قالت: وما ذنبي، فعندما أُجبِرتُ على الزواج مِن والدكِ وأنا لا زلتُ شابَّةً أُقاربُ عمركِ،وأمَّا الآن فأريد أن أعيش حياتي التي حُرِمتُ مِنها، فتركتِ الطفلََ، وجمعت ثيابَها، وعادت إلى منزل والدها؛ ٱستعدادًا لزواجها.
جلست ليلى تبكي على بُكاءِ أخيها الطفل، لم تكن لديها أيَّةُ خبرةٍ برعايةِ الأطفالِ، وزاد بُكاءُ الطفلِ لشدَّةِ ٱفتقادِ والدتِه، وكلَّما حاولت ليلى الاتِّصال بها كانتِ الإجابةُ هي الرفض، وأعطت زوجةُ أبيها هاتفها إلى والديها اللَّذينِ كانا دائما يتحدَّثانِ مع ليلى بطريقةٍ سيِّئةٍ، ومضى شهرٌ أخرُ على ذهابِ زوجة أبيها فمرض الطفل يُوسُف وذهبت به ليلى إلى المستشفى العامِّ في الحيِّ الذي تسكنُ فيه، وٱكتشفت أنَّ الطفلَ مصابٌ بمرضٍ خطيرٍ في دمهِ، ويحتاج إلى عمليَّةٍ ويبدو أنَّها باهضةُ الثمن.
ظلَّت ليلى تبكي طوالَ هذه اللَّيلة، وهي تستمعُ محطَّةِ القرآن الكريم، فطرق أسماعهاَُِّّ قصة سيدنا موسى﴿ع﴾ يرويها أحد المشايخ، وكيف نجا سيِّدنا موسى﴿ع﴾ وهو في منزلِ ألَـدِّ أعدائه.
نهضت ليلى الساعة الثالثة قبل الفجر، وٱرتدت ملابسَ والدتِها ونقابَها، وكتبتِ الرسالةَ، وذهبت إلى منزل القاضي، وقبَّلت رأسَ أخيها الطفل، ووضعتْه داخل منزلِ القاضي في حديقته، وظلَّت تُراقبُهُ مِن بعيدٍ بعد أن خلعتِ النقابَ والملابسَ السوداء، وبقي تنظر إليه حتَّى الصباح، وفي الأثناءِ ٱستيقظ صالحٌ ورأى الطفل.
ليلى في يومها ذلكَ لم تعد إلى المنزلِ؛ لأنَّها بَقِيَت تبحث عن عملٍ _ يُناسبها _ جوار منزلِ القاضي، وفي نفسِ منطقةِ المنزلِ؛ لتكونَ قريبةً مِن مكان أخيها؛ ولتستطيع معرفة أخباره ع طريقِ عمَّالِ المنزلِ.
دخلت ليلى إلى أقرب "سوپر ماركت" عن المنزلِ وأشارت إليه أنَّها لا تتحدَّث ولا تسمع؛ كي يُشفقَ عليها صاحبُ العملِ، ويقبلُ أن تعمل عنده، وفعلاً قبلها وباشرت عملها في "السوپر الماركت" وهُناكَ تعرَّفت على "سيِّدةٍ" وسمعتْها تحكي مع صديقتها على الهاتف أثناء التسوُّقِ، عن يُوسُف والرسالة، فتظاهرت ليلى بأنَّها لم تسمع شيئًا.
وبعد مرور أيَّامٍ قليلةٍ عادت "سيِّدةُ" إلى التسوُّقِ مرَّةً أخرى، فأخبرتها ليلى بالإشارة بأنَّها تبحث عن عملٍ، فرحت "سيِّدةُ" بسماعِ طلبِ ليلى؛ ولأنَّها كانت مجهدةً كثيرًا تلكَ اللَّيلة؛ بسبب ذلك السهر على رعاية الطفلِ، والآن وجدت مَن يرعى الطفلَ.
كتبت لها ليلى أنَّ أوراقها ضاعت جميعها وتُريدُ بعضَ الوقتِ؛ لكي تستخرجَ غيرها، فأخبرتها "سيِّدةُ" أنَّ ٱبنها مِن ضمنِ حُرَّاسِ المنزلِ، وسيخبر صالحًا أنَّه تحرَّى عنكِ بالفعلِ، ولكن عليكِ أن تُسرعي بٱستحصالِ الأوراقِ.
خافت ليلى تقديمَ أوراقِها فيتعرَّف صالحُ عليها مِن خلالِ ٱسم والدِها أثناءَ إعادةِِ قرآءة الملفَّات القضايا القديمة، فجلست تبكي صباحَ ذلكَ اليومِ.
لاحظَ صالحٌ أنَّ عيونَها الزرقاءَ التي تلوَّنت بلونِ السماءِ صباحًا لا تليق بها الدموعُ التي سبَّبتِ ٱحمرارًا لها، وتعكَّر صفاؤها، فٱقترب مِنها، وسألها عن سببِ بكائِها، فلم تجد ورقةً تكتب له عليها، ففتح صالحُ هاتفَه لها، وطلب مِنها أن تكتب سببَ حُزنها، فأخبرتْه بأنَّ لونَ الطفلِ شاحبٌ، وأنَّها لم تتحمَّلْ بكاءه.
أعطاها صالحٌ عُنوانَ مستشفىً، وطلب مِنها أخذَ الطفلِ، لكنَّه في داخلهِ بعضُ الحيرةِ، هل أحبَّتِ الطفلِ في يومينِ فقط أو أنَّ لها قلبًا طيِّبًا إلى هذا الحدِّ؟
لم يتخيَّلْ صلةَ القرابةِ بينهما، وأمَّا ليلى فقدِ ٱلتقظت ألنفاسَها وٱستقرَّت، وطلب مِنها صالحٌ الذهاب بالطفل إلى المستشفى؛ كي يعرفَ حقيقة مرضِهِ؛ ويُساهمَ في علاجِهِ، وهذا ما كانت تُريده ليلى.
فذهبت وقضت يومًا كاملًا مع الطفل في المستشفى، فتحدَّث صالحٌ إبى "سيِّدةِ" وقال: هل تعلمينَ بأنَّ وجودَ ليلى والطفلِ أضافا روحًا إلى المنزلِ، لم أكن أشعر بها إلَّا بغيابهِما، فسألها صالحٌ: هل تحدثتِ مِعها؛ لتتطمئنِّي على الطفل؟!
قالت سيِّدةُ: وكيف سأتحدَّث إليها هاتفيًا وهي لا تتحدَّث؟! قال: عن طريقِ الرسائلِ، فقالت: لكنَّني لم أرَ معها هاتف .
إتَّصل صالحٌ بصديقِهِ الطبيبِ وعلم بخطورةِ مرضِ الطفلِ، فذهب دونَ حراسةٍ إلى المستشفى وعندما ٱقترب مِن ليلى لم تقفْ لهُ فورَ رؤيتِهِ، فهي الوحيدة التي لا تقفُ لهُ عند رؤيتِهِ، وجلس صالحٌ إلى جانبها، وسألها عن حال الطفل، زأعطى لها هاتفَه، فكتبت له إنَّها لا تعلمُ شيئًا، ولم يخبرْها الطبيبُ عن أيِّ شيءٍ، فخاف صالحٌ إخبارها؛ لأنَّه يعلم مدى تعلُّقها بالطفل، فدخل على مكتبَ مديرِ المستشفى، وطلب مِنه أن يقومَ بكلِّ ما يلزمُ مِن أجلِ الطفلِ، وسأله الطبيب عن الطفلِ، فحكى له الحادثة، وسأله صديقُهُ الطبيبُ: ألم تسلِّمْه إلى الشرطةِ؟
قال صالحٌ: لا، لن أسلِّمه قبل أن أطمئنَّ عليهِ.
ثُمَّ عاد صالحٌ وجلس إلى جانبِ ليلى وكذب عليها، إذ أخبرها أنَّ الطفل بخيرٍ، فنظرت إليهِ وهي تعلم أنَّه يكذبُ عليها؛ لأنَّها سمعت حواره مع الطبيب.
فطلب صالحٌ مِن أحدِ العاملينَ شراءَ بعضَ الطعامِ إليها، فذهب العاملُ وٱشترى الطعام لها وأخذه صالحٌ مِن العاملِ ومدَّ يده إليها، وطلب مِنها أن تأكلَ؛ لأنَّها قضت يومًا كاملاً مع الطفلِ مِن دون أكلٍ.
حدثت ليلى نفسَها قائلةً: تلكَ اليدُ التي وقَّعت على قرارِ إعدامِ أبي، كيف لي أن أتناولَ شيئًا مِنها؟! أفضِّل الموتَ جائعةً على أن أتناولَ الطعامَ مِن يدِهِ.
ورفضت أخذَ الطعامَِ، وٱعتقد صالحٌ أنَّ حُزنَها على الطفلِ أفقدَها شهيَّتها، فقام بنفسهِ وأعطى الطعامَ إلى إحدى العاملاتِ في المستشفى، وظلَّ مَعها إلى أنِ ٱنتهت جميعُ الفحوصاتِ، وطلب مِنهُ الطبيبُ إحضارَ الطفلِ إبى المعاينة مرَّةً أخرى قبلَ تحديدِ موعدِ العمليَّةِ، وبينما يُغادر صالحٌ المستشفى ومَعه ليلى والطفل، قام الطبيبُ بالنداءِ على صالحٍ فٱلتفتت ليلى قبل أن يلتفتَ صالحٌ، فسألها: هل سمعتِ نداءَ الطبيبِ؟
هزَّت رأسها تنفي أنَّها سمعته، وأشارت إليهِ بأنَّها نسيت زجاجةَ المياهِ الخاصَّة بالطفلِ في الغرفةِ، وذهبت نحو الغرفةِ وعادت ويدُها فارغةً، وأشارت إليهِ أنَّها لم تجدْها.
قال الطبيبُ يريد فحصَ الطفلِ غدّاً مرَّةً أخرى، فتسائل: كيف ٱستطاعت أُسرتُه التخلِّي عنه، وهو بهذه الحالة؟!
حدَّثت ليلى نفسَها قائلةً: إنَّه العجزُ الذي جعلني ألتجأ إليكِ، وعندما خرج صالحٌ وجد سيَّارةَ الحراسةِ أمامَ بابِ المستشفى، فٱنزعجَ وغضبَ؛ لأنًّهم حضروا دونَ أن يطلبَ مِنهم ذلكَ، فقال رئيسُ الأمنِ: إنَّ حمايةَ سيادتِكَ مِن مسؤوليَّتنا، فذهبت ليلى وجلست داخل سيَّارةِ الحراسةِ، ظلًّ صالحٌ ينظر إليها ويتسائل عن سببِ عودتِها مع رجالِ الأمنِ وليسَ مَعه، ولا يعلم بأنًّها لا تُريدُ الاقترابَ مِنه، وتكره رؤيته.
عاد صالحٌ فوجدها في غرفةِ الطفلِ غالقةًَ باب الغرفةِ؛ لأنَّها تصلِّي وتدعو ٱلله تعالى أن ينجِّيَ أخاها؛ لأنَّه آخرُ ما بقي لها في هذه الحياة.
فعانقتْه ونامت وطلب صالحٌ مِن "سيِّدةِ" أن تجهِّز الطعامَ إلى ليلى؛ لأنَّها لم تتناولْ شيئاً في المستشفى، وفي الحال جهَّزت "سيِّدةُ" بعضَ الطعامِ وذهبت به إليها فوجدتْها نائمةً تعانقُ الطفلَ بقوَّةٍ، وتساقطُ مِنها الدموعُ أثناءَ نومِها، فخرجت "سيِّدةُ" وحكت إلى صالحٍ ما رأت، فقالت: أنا أشعرُ أنَّ هذه الفتاةَ قد عاشت مأساةً قبل أن تأتي هُنا للعملِ.
قال صالحٌ: وهذا ما شعرتُ بهِ أيضًا، وأشعرُ كذلكَ بأنَّها تتجنَّبني، قالت "سيِّدةُ": ليسَ كذلكَ، ولكن يبدو أنَّها تهابُكَ لا أكثر، فلحضرتكَ هيبةٌ تُخِيفنا، ثُمَّ أكملت ولكن ماذا حدث؟ فحضرتكَ في الماضي كنتَ تكره أن يقتربَ أحدٌ مِنكَ أو يتخطَّى الحاجز التي وضعتَها للعاملينَ، ما عدايَ؛َّ لأنني أُذكِّركَ بوالدتِكَ.
فما الذي حدث وأصبحت تتسائل الآن إذا كانت تتجنَّبكَ ليلى أو لا؟!
سكت صالحٌ ولم يجيبْها ليسَ لديه إجابةٌ واضحةٌ، ولكن عندما دخل غرفتَهُ أمسكَ بقلمهِ وكتب
زُرقةُ عينيها بحرٍ يخطفني
أُريدُ الإبحار به وإن أغرقني
زُرقةُ عينيهاسماءٌ تسرقني
أُريدُ السير بنور شمسِها
حتَّى وإن أحرقني.
إلتقط صالحٌ نفسًا عميقًا وأسند ظهرَه إلى مقعدِ مكتبِهِ، ثُمَّ ٱنتابَهُ شُعورٌ غريب ، وبدأت أمواجُ الحبِّ تتدفَّق مِن داخله.
وشعر أنَّ قلبَهُ يستعدُّ للإبحارِ في رحلةٍ يهرب مِنها مُنذ زمنٍ بعيدٍ، وحلَّقت أشرعتُه، ورففت عاليًا بٱنتظارِ تدفُّقِ الرياحِ، وبعدها ٱستيقظت ليلى باكرًا، خرجت وجلست في الحديقة كعادتِها؛ لِتُعَرِّضََ الطفلَ إلى الهواءِ النقيّ.
وعندما عادت كان صالحٌ في مكتبِهِ والبابُ مفتوحٌ يتحدَّث إلى المحامي، ويطلب مِنه أن يتعجَّلَ بإيجادِ مشترٍ للشاليه (المنزل) الذي في الإسكندريَّة؛ لأنَّه يُريد المالَ عاجلاً.فرحت ليلى ولم تصدِّق أنَّه سيتخلَّى عن شيءٍ مهمٍّ مِن أملاكِهِ؛ لمساعدةِ طفلٍ لا يعرفه، ثُمَّ أغلق هاتفه وناجى ربَّه قائلاً: اللهمَّ تقبَّلْ مُساعدتي لهذا الطفلِ تبرئةً لذنبي إذ كنتُ ظلمتُ والده. إتَّصل الطبيبُ به وسأله عن ٱسمِ الطفلِ كاملاً فأخبره صالحٌ أن يقيِّدَه تحت أيِّ ٱسمٍ؛ لأنَّه لا يعلم ٱسمَ والدِهِ إلى الآن.وخرج صالحٌ مِن مكتبِهِ يتفقَّد عودةَ ليلى والطفلِ، ورأها فأخبرها أنَّ الطبيبَ حدَّد موعداً في الاسبوعِ القادمِ؛ لإجراءِ عمليَّةٍ إلى الطفل ِ،فسألتْه: هل سيتحمَّل ُالعمليَّةَ وهو بهذا العمرِ الصغيرِ؟قال: نعم،وسألتْه: هل سينجو مِنها؟قال: نعم، سينجو مِنها ويتعافى تمامًا، فالطبيبُ طمأنني بذلكَ، عندها لفظت أنفاسها بعمقٍ وأخذ عنها الطفلَ، وقال: أنا أيضًا أحببتُ الطفلَ مثلكَ، ونظر إلى وجهِهِ وقال: تعلمينَ أوَّل مرَّةٍ أنتبه لعيني الطفل تشبه عينيكِ، إرتبكت ليلى وهزَّت رأسها إشارةً لجوابٍ: نعم. و
خرج صالحٌ؛ ليمارسَ رياضتَه كالمعتادِ ورأها هي والطفلِ، وٱقترب مِنها وكعادتِها لم تقفْ له وحين رأتْهُ، ٱقتربَ مِنها أحدُ رجالِ الأمنِ وعنَّفها بشدَّةٍ وقال: عندما يتَّجهُ سيادتُه نحوكِ فلا بدَّ وأن تنهضي فورًا، فأشارت بيدها لماذا؟قال رجالُ الأمنِ: إنَّه سيادةُ المُستشارِ والجميعُ في قاعةِ المحكمةِ، تظاهرت أنََّّها قرأت كلماتٍ رجال الأمن مِن خلالِ حركةِ الشفاه،وأشارت أنّها تحملُ طفلاً.فٱبتسم صالحٌ وطلب مِن رجالِ الأمنِ أن يتركوها، وجلس قربهًا مِنها يسألُ عن صحَّةِ الطفلِِ، ثُمّ دخل قليلاً وعاد وبيده هاتفٌ جميلٌ، وأعطاه لها وطلب مِنها أن تستخدمَهُ في التحدُّث مَعه، وكان الحوارُ مِن خلال الرسائل هكذا:صالحٌ: كيف أصبح حالُ الطفلِ اليومَ؟ليلى: بخيرٍ، ألستَ أنتَ مَن أخبرني بالأمس أنَّه بخير؟صالحٌ: هُنالكَ شيءٌ لم أستطع إخبارك بهِليلى: ما الشيءُ؟صالحٌ: إنَّ الطفلَ ليسَ بخيرٍ مثلما أخبرتُكِ، وإنًّما حالتُهُ تستدعي إجراءَ عمليَّةٍ جراحيَّةٍ. عانقت ليلى أخاها الطفلَ، وتساقطت دموعُها على وجنتيها فنظر صالحٌ إليها وكأنَّه لا يُريدُ لتلكَ السماءِ الصافيةِ التي يراها بعينيها أن يعكِّرَ صفوَ
وبعد شهر تقريبًا علمت ليلى أنَّ زوجة أبيها تتحدَّث مع ٱبنِ عمِّها الذي كانت تُحبُّه قبل زواجها ولمَّا تزوَّجت تزوَّج هو مِن غيرها والآن رجع يُريد أن يتزوَّجَها، قالت لها ليلى: لكنَّه لم تمضِ مدَّةٌ طويلةٌ على وفاةِ والدي، فقالت زوجةُ أبيها: إنَّ عدَّتَها ٱنتهت بولادتها، وأصبحت الآن حُرَّةً، وتستطيع الزواج.سألتها ليلى: كيف تتزوجينَ وٱبنكِ لا زال صغيرًا؟قالت: سأتركه لكِ.أنتِ كنتِ تقولينَ دائمًا أنَّكِ لن تتخلَّي عنه؛ لأنَّه وصيَّةُ أبيكِ، لذلكَ سأطمئنُّ عليه معكِ، إنَّ ٱبنَ عمِّي لن يقبل بأن أصطحبهُ معي. نظرت لها ليلى وقالت: كيف ٱنعدمتِ الرحمة من قلبكِ لتتركي ٱبنكَ وهو طفلٌ رضيعٌ؟!قالت: وما ذنبي، فعندما أُجبِرتُ على الزواج مِن والدكِ وأنا لا زلتُ شابَّةً أُقاربُ عمركِ،وأمَّا الآن فأريد أن أعيش حياتي التي حُرِمتُ مِنها، فتركتِ الطفلََ، وجمعت ثيابَها، وعادت إلى منزل والدها؛ ٱستعدادًا لزواجها. جلست ليلى تبكي على بُكاءِ أخيها الطفل، لم تكن لديها أيَّةُ خبرةٍ برعايةِ الأطفالِ، وزاد بُكاءُ الطفلِ لشدَّةِ ٱفتقادِ والدتِه، وكلَّما حاولت ليلى الاتِّصال بها كانتِ الإجابةُ هي الرفض،
قالت سيِّدة: أخبرتني أنَّكَ ستجلب مَن يعتني بالطفل، قال صالحٌ: أعتذر نسيتُ ذلكَ الأمر، قالت سيِّدة: أرى هذه الفتاة مناسبةً لهذا الأمر، قال صالحٌ: إجعليها تأتي إلى مقابلةِ رئيسِ الأمنِ؛ وتقدِّم بيانتِها؛ ليتحرَّى عنها. في اليوم التالي ذهبت سيِّدة إلى الماركت وأبلغتِ الفتاة، ففرحت وشكرتْها كثيراً بعد أيَّامٍ عدَّةٍ جاءتِ الفتاة إلى مقابلةِ رئيسِ الأمنِ وظلَّت تُشير إليهم ولا أحد يفهمها وقام أحدُ أفراد الأمن بطردها فرأها صالحٌ مِنَ النافذة فٱتَّصل بأفراد الأمن وأخبرهم أنَّها الفتاة التي حدَّثتْه سيِّدة عنها، فقاموا بأخذ بيناتِها وطلبوا مِنها الرحيل، وٱتّصل صالحٌ بهم مرَّةً أخرى وطلب مِنهم دعوتَها إلى الداخل والبدء في العملِ؛ لتصدرَ التحرِّيَّات كفترةِ أختبارٍ. رحَّبت الفتاة بالأمرِ ودخلت على الفورِ وكانت مرتديةً ملابس بسيطةً جدَّاً وحذاءً متهالكَاً، سألها صالحٌ: عن ٱسمها كتبت على الورقة ليلى فتاة جميلة جدَّاً وجهُها طفوليٌّ بريءٌ عيناها زرقاء اللون تُحيط بها حُمرة داكنة أضافت على عينها ظِلّاً جميلاً وكأنّها سماءٌ صافيةٌ تُحيط بها سحابةٌ غائمةٌ. أشفقَ عليها صالحٌ عندما عَلِ
مُحاكمة قلبٍ الحبُّ رحلةٌ إبحارِ القلبِ سفينتها، ليسَ لها مرسىً أو بحَّارٌ، وليسَ فيها سوى بَوصلةٌ صغيرةٌ تدلُّكَ على الطريق؛ كي تصل إلى مينائكَ، بَوصلتكَ هي قلبكَ الذي يَهديكَ إلى الطريق ولكن عليكَ أن تصارعَ الأمواج التي تقابلكَ في الطريق. صالحٌ شابٌّ قاضٍ يبلغ الأربعين مِن عمره، وسيمٌ طويلٌ يُحبُّ الرياضة ويمارسُها يوميّاً كلَّ صباحٍ، يعيشُ في منزلٍ كبيرٍ وحده بعد أن تُوفِِّّيَتْ زوجته الشابَّة يوم زفافهما، أصيبتْ بطلقٍ ناريٍّ أُطلِقَ نحو صالح ولكنَّها أصيبت بدلا عنه وتُوفِّيَتْ في الحال، ورغم أنَّه مرَّ على الحادثة سنواتٌ خمس إلَّا أنه ما زال يتذكُّر ما حدث ويرفض فكرة الزواج مرَّة أخرى. تُوفِّيَ والده منذ كان طفلاً وأمَّا والدته فقد تُوفِّيَتْ منذ عامين وأوصتْه قبل وفاتها بأن يتزوَّج ويُنجبَ أطفالاً. صالحٌ ٱسم على مسمَّى فهو شابٌّ صالحٌ مُستقيمٌ في حياته ولكن لديه بعضُ الكِبَرِ أصابه قليلاً منذ أن صار قاضياً والكُلُّ يقف أمامه ٱحتراماً لا يتخيَّل أن يمرَّ على إنسانٍ دونَ أن يقفَ له، وينظر إلى الجميع بتعالٍ ولم يكن كذلكَ مِن قبلُ لكنَّ الحزن الذي في داخلهِ ومحاول







