Masukبعد عشر سنوات من الفراق… تعود المرأة التي حطمته إلى حياته، لكن هذه المرة ليست وحدها… بل مكسورة، غامضة، ويطاردها سر قد يقلب كل شيء. آدم لم يكن يظن أن الماضي قد يعود يومًا. ولا أن اسم “صوفيا” قادر على هدم كل ما بناه من برودٍ وصمت. في ليلة واحدة فقط، يلتقي بوجهها من جديد… لكن العالم لم يعد كما كان. هي لم تعد الفتاة التي أحبها بجنون. وهو لم يعد الرجل الذي تركته خلفها. بين صدمة اللقاء، وجرح لم يلتئم، وحب لم يمت رغم كل شيء، تبدأ الحقيقة في الانكشاف… حبٌ انتهى مرة، لكنه لم يمت. لكن المفاجأة الأكبر ليست في عودتها… بل في السر الذي تخفيه. وفي كل خطوة يقترب فيها آدم منها، يكتشف أن الحب الذي ظنه انتهى… كان مجرد بداية لعذاب لم يتوقف يومًا. هل يمكن لقلبٍ واحد أن يحب مرتين لنفس الشخص… ويخرج سالمًا؟ أم أن اللقاء الثاني وُجد فقط ليكسر ما تبقى من الأول؟
Lihat lebih banyakكان آدم نائمًا في سلام، حين اخترق رنين الهاتف الصمت الثقيل في غرفته. تململ في. فراشه وتقلّب بانزعاج، قبل أن يرفع الوسادة فوق رأسه كأنه يحاول إيقاف الصوت، لكنه استمر بإصرار مزعج لا ينقطع. تأفف لهذا الازعاج، وزفر حانقاً، وقد ومدّ يده إلى الهاتف دون أن يفتح عينيه بالكامل، ثم أجاب بصوتٍ خشن تشوبه بحّة محببة من أثر النوم:
— ماذا تريد يا نوح؟ جاءه صوت نوح فورًا، حادًا وساخنًا كعادته: — أكنت نائمًا حتى الآن؟ حقًا يا آدم أنت غير معقول فتح آدم عينيه ببطء، وجلس على السرير، ثم مرر يده في شعره وقال بنبرة متحفظة: — تحدث بسرعة. ضحك نوح بسخرية اعتاد عليها: — أتحب أن أذكّرك أن الناس تبدأ يومها منذ ساعات، بينما أنت تعيش خارج الزمن؟ قلّب آدم عينيه في ضيق: — هل اتصلت بي لتوبخني؟ رد نوح مباشرة دون تردد: — اتصلت بك لأن الليلة حفلة تجمع دفعة الجامعة. توقف آدم للحظة عن الكلام، لم تتغير ملامحه لكن شيئاً بداخله قد تغير، حاول إخفاء مشاعره، وتحدث بصوت ثابت وقال: — لا شأن لي بذلك. قال قوله هذا وهو يتحرك من الفراش، والهاتف في يده، ثمّ بدأ في التحرك داخل الغرفة ، بخطوات بطيئة وثقيلة، كأنه لا يزال بين النوم واليقظة. وصوت نوح لا يزال يلاحقه على الهاتف، يأتيه ضاحكاً وهازئاً على كلماته، لكن هذه المرة كان صوته أكثر حدة: — لا شأن لك؟ يا رجل، نحن نتحدث عن دفعة كاملة، عن أصدقاء سنين. في تلك اللحظة كان آدم قد فتح آدم درج الطاولة الجانبية دون أن يغلق المكالمة، وأجاب بهدوء بارد: — لقد انتهت تلك المرحلة. رد عليه نوح بسرعة وكأنّه يذكره بما حدث سابقاً: — لا، أنت من انتهيت منها، وليس هي. توقف آدم للحظة عند الدرج، ثم أخرجه ببطء. وكان نوح لا يزال يتكلم: — الجميع سيحضر الليلة، حتى أولئك الذين اختفوا وسافروا عادوا من الخارج خصيصاً لتلك المناسبة، ستكون الليلة مختلفة. لكن آدم لم يكن يستمع إليه بالكامل، كان تركيزه منصبّاً على الدرج المفتوح أمامه في تلك اللحظة. وقد مدّ يديه بتردد داخله، وأخرج صورة قديمة، وأخذ ينظر إليها بتأثر. توقف الوقت للحظات بالنسبة إلى آدم، وساد صمت غريب في المكان لم يقطعه سوى صوت نوح المزعج وهو يقول: — آدم؟ هل ما زلت معي؟ إلا أن آدم لم يرد، كان ينظر إلى الصورة ويتأملها، تلك الصورة الجامعية التي التقطت في حفل التخرج، ويتعجب من تلك الضحكات والابتسامات الوضيئة، والأذرع المتشابكة، والوجوه السعيدة التي لم تكن تعرف أن الزمن سيعيد تشكيلها بهذا الشكل القاسي. لو أنّهم علموا ما يخبئه لهم الزمن، لما التقطوا تلك الصورة! كان يقف فيها بجوار نوح، ذلك الشقي الذي يبتسم ابتسامة سعادة حقيقية محتضناً سارة التي كانت تضحك بصدق قبل أن تصبح زوجته لاحقاً، وأمّا هو فكان مبتسمًا ابتسامة واسعة لا تشبهه الآن، تأمل وجهه لثوانٍ معدودة، قبل أن يتحرك بعينيه إلى تلك الفتاة الواقفة إلى جانبه صوفيا... ردد اسمها في خفوت، كانت تقف إلى جواره في هدوء، كأنها لا تحتاج أن تفعل شيئًا كي تُلاحظ. يكفيها شعرها الطويل، الأسود اللامع وهو ينسدل على ظهرها بانسيابية، كأنه جزء من الليل نفسه، وعيناها العسليتان الهادئتان، فيهما دفء غريب يربك من يقترب منهما أكثر مما يطمئن، وتلك الملامح الناعمة، والشفتان المكتنزتان بابتسامة خفيفة، لا تبدو مصطنعة، بل طبيعية لدرجة مزعجة، كان حضورها… مختلفًا. تلك الحقيقة التي كان يؤمن بها. هي لم تكن أجمل فتيات الجامعة فقط، بل كانت أكثرهم أثراً وحضوراً وعمقاً. كان آدم غارقاً في تأملاته، حين صاح نوح بدون إنذار وقال بصوت حازم: — آدم، لا تتجاهلني. ستأتي الليلة، انتهى الأمر. تحرك آدم ببطء نحو النافذة، وهو يحمل الصورة الجماعية بين يديه وقال: — قلت لك إنني سأفكر. فقال نوح: — أنت لا تفكر، أنت تهرب. توقف آدم عند النافذة، ونظر إلى الخارج دون أن يراه حقًا، ثم قال: — الهروب أحيانًا أفضل من العودة. سكت نوح للحظة كأنّه يفكر، ثم قال بنبرة أخفض لكنها أكثر حدّة: — العودة إلى ماذا؟ أو بالأحرى .. العودة إلى من؟ لكن آدم لم يجبه، وعادت عينيه لتأمل الصورة مرة أخرى صوفيا... أخذ يردد اسمها مرة أخرى. مرّت ثوانٍ ثقيلة قبل أن يقول نوح فجأة: — انسَها يا آدم. لكن آدم لم يرد، أغلق عينيه ببطء، كأنه يحاول إبعاد صوت لم ينجح يومًا في إسكاتِه بداخله، ثم قال بصوت منخفض: — لو كان ذلك ممكنًا… لفعلت ذلك منذ زمن. عاد نوح بنبرة أكثر إصرارًا: — إذًا جرب مرة أخرى الليلة. تعال، فقط ساعتين لا أكثر، وإن لم تعجبك الأجواء بإمكانك الرحيل. تحرك آدم ببطء في الغرفة، وهولا يزال ممسكًا بالصورة: — ولماذا تصر؟ جاءه الرد سريعًا: — لأنك لم تعد كما كنت. ولأنك إن بقيت وحدك أكثر… لن تعود أصلًا إلينا ساد الصمت مرة أخرى. ثم أغلق نوح تلك المحادثة قائلاً: — أراك الليلة ... لا تتأخر وانقطع الخط. بقي آدم واقفًا في منتصف الغرفة، والهاتف في يد، والصورة في اليد الأخرى، تطلع في الغرفة من حوله، كانت هادئة أكثر من اللازم، ومرتبة أكثر من اللازم، وكان في الآونة الأخيرة قد أصابه الهوس في الترتيب والنظافة، تنهد بكدر وهو يجلس على طرف السرير، ثمّ قام بإسناد مرفقه إلى ركبته، وأخذ يحدق في الصورة طويلًا. كل شيء فيها يبدو بعيدًا الآن، ضحكاتهم، وقوفهم جنبًا إلى جنب، وحتى صوفيا… كأنها تنتمي لشخص آخر عاش حياته بدلًا منه. مرر إصبعه فوق صورتها دون وعي، ثم توقف فجأة كأنه استوعب ما يفعله، سحب يده بسرعة، وأغلق عينيه للحظة. وفي داخله، كان سؤال واحد يتكرر دون توقف: هل ستكون هناك الليلة؟ لكنه لا يمتلك إجابة واضحة، ردد اسمها مرة أخرى على لسانه وهو يحدق في الصورة بتركيز شديد، كأنّه يخشى نسيان ملامحها، ثمّ أغلق عينيه بشدة، وهو يضع الصورة في الدرج بعصبية، لقد مر سبع سنوات على لقائهما الأخير، ومنذ ذلك اليوم، أخذ ينظر في الصورة كي لا ينساها .. وكان هذا آخر شيء يريده. فهل تراها تعود من جديد ليراها مرة أخرى؟ لأول مرة منذ وقت طويل، يتردد في اتخاذ قراره .. ولأول مرة يخشى لقاءها ! ساد الصمت لدقائق معدودة، قبل أن يرن هاتفه مرة أخرى، نظر آدم ببطء في الشاشة، كان نوح، لكنه لم يجبه، لم يكن في حال يسمح لسماع حديثه مرة أخرى، لكن الشاشة أضاءت وحدها بعد لحظات، وظهرت الجملة بوضوح: " لا تتأخر .. هي ستكون هناك "تسللت خيوط الفجر الأولى بهدوء عبر نافذة الغرفة البيضاء، وانعكست فوق الأجهزة الطبية المحيطة بالسرير، بينما كانت صوفيا لا تزال غارقة في ذلك الشعور الثقيل الذي لا يشبه النوم ولا يشبه الاستيقاظ! واقعة في المنتصف بينهما.تحركت أصابعها ببطء فوق الغطاء الأبيض، ثم انقبض حاجباها بألم، كان رأسها يؤلمها بصورة قاسية، وجسدها كله منهكًا كأنّه خاض حربًا طويلة خاسرة.حاولت فتح عينيها، لكنها أغمضتهما فورًا بتأوه ضعيف حين ضرب الضوء عينيها المتعبتين. لحظات معدودة قبل أن تستوعب وضعها، وتتساءل: أين هي؟وما الذي حدث؟ عصرت عقلها في محاولة منها للتذكر، لكن الصور داخل رأسها كانت مشوشة ومبعثرة، هروب وطريق مظلم، خوف، ثم حادث السيارة الأخير، ثمّ ظلام، لم تستطع تذكر ما حدث بعد ذلك، وكانت الصور في عقلها ضبابية، فلا تتذكر وجوهاً ولا أصواتاً.لحظات معدودة ثمّ فتحت عينيها أخيرًا ببطء، وبدأت تنظر حولها بإرهاق، لتجد نفسها داخل غرفة مستشفى، وأجهزة المراقبة تحيطها من كل جانب.كان حلقها جاف، فابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت النهوض قليلًا، لكن الألم اجتاح جسدها فورًا، فأطلقت أنينًا خافتًا وسقطت مجددًا فوق الوسادة من د
سقط جسدها بين ذراعيه فاقدًا للوعي، لكن آدم لم يشعر بثقلها أبدًا.على العكس…شعر في تلك اللحظة وكأن العالم كله قد أصبح بين يديه.ثبت نظره على وجهها بصدمة، فتلك المرأة المنهكة… الشاحبة… المكسورة… والواقعة بين يديه ... كانت صوفيا.لكن كيف؟ وماذا حدث لها؟ وكيف تحولت إلى هذه الصورة التي بالكاد تشبه الفتاة التي كانت تُضيء المكان بمجرد دخولها؟حدّق فيها أكثر، وكأن عقله يرفض هيئتها الجديدة،حتى وهي فاقدة للوعي… ما زالت ملامحها مألوفة لقلبه بصورة موجعة.تلك الرموش الطويلة...ذلك الأنف الصغير... حتى ارتجافة أنفاسها الضعيفة… يعرفها، شعر بغضب يعتصر صدره بعنف، وخوف حقيقي بدأ يتسلل داخله.—صوفيا…؟خرج اسمها من بين شفتيه بصوت خافت ومضطرب، يناديها علّها تستجيب له وتستيقظ، لكنها لم تتحرك، فازداد توتراً وخوفاً عليها.رفع رأسه سريعًا نحو الرجل الذي كان يقود السيارة التي خرجت منها، وصاح فيه بغضب:—ماذا حدث لها؟!ارتبك الرجل واضطرب وهو يرد بسرعة، نافياً عن نفسه أي اتهامات:—أنا… أنا مجرد سائق يا سيدي، أقسم إنني لا أعرف، طلبت مني السيدة أن أوصلها فقط لهذا العنوان، ثم ...لم يستمع آدم إلى بقية
غادر آدم المطعم بخطوات سريعة ومتوترة، غير عابئ بالأصوات التي نادته خلفه، ولا بمحاولات نوح الأخيرة لإيقافه. كان صدره يضيق أكثر مع كل ثانية تمر في ذلك المكان، حاول نوح إيقافه، الا أن آدم توعده إن لحق به، فعاد نوح أدراجه داخل المطعم، وانطلق هو خارجه، وهو يردد جملة واحدة كاد ينساها "صوفيا متزوجة."تلك الجملة وحدها كانت كافية لتحويل تلك الليلة إلى كارثة لا يحتملها عقله.خرج إلى موقف السيارات، والهواء الليلي البارد يصفع وجهه، لكنه لم يشعر به. كان الغضب يشتعل داخله بصورة أعنف من أن يطفئها هواء العالم كله، فتح باب سيارته بعنف، واستقلها سريعًا، ثم أغلق الباب خلفه بقوة جعلت الزجاج يهتز قليلًا. جلس على المقعد من دون أي حركة، أطبق كفّيه على المقود، وأخذ نفسًا طويلًا، محاولًا السيطرة على اضطرابه، لكن عقله كان قد انفلت بالفعل. عاد إليه صوت نوح من جديد "صوفيا متزوجة."ضحك بسخرية مريرة، ثم أدار وجهه نحو النافذة...متزوجة؟ كيف مرت السنوات أصلًا بهذه السرعة؟ وكيف له أن ينسى تلك الحقيقة المرة؟أغمض عينيه للحظة…وهنا، شردت أفكاره بعيداً إلى ذكرى يبغضها قلبه، وتمزقه تمزيقاً، .. عادت إليه ذكرياته من دو
انحدرت الشمس من كبد السماء وهوت إلى الغرب، وجاء الليل بستارته السوداء ليغطي سماء تلك المدينة الصاخبة، في عملية تبادل روتينية منظمة، يتعجب لها الخلائق. وكان آدم ينتظر هذا التبادل بفارغ الصبر والصمت أيضاً، إلّا أنّ الصمت كان مختلفاً هذه المرة .. ليس صمت نوم، بل صمت انتظار ثقيل، كأن المكان كله يحبس أنفاسه لشيء مجهول قادم.وفي تلك الأثناء كان قد انتهى من حمّامه الساخن، وقد كتم صوت هاتفه كي لا يشوش نوح على تفكيره، لم يكن قد قرر بعد الذهاب إلى الحفلة، كان رأسه مزحوماً بذكريات مؤلمة، فأنهى حمّامه على عجل، وخرج بعد أنّ لف المنشفة حول جسده، ووقف أمام المرآة، ينظر إلى نفسه وإلى جسده، وإلى قطرات الماء التي ما زالت عالقة على شعره الأسود الكثيف، أخذ يحدق في انعكاسه طويلاً، من دون أن يرمش له جفن، ثمّ ابتسم ابتسامة باهتة، قبل أن يرفع يده ويمسح وجهه ببطء، لم يكن هناك شيء جديد في ملامحه، لكن شيئاً ما بدا مختلفاً في تلك الليلة، لمعة غريبة في عينيه الداكنتين، وإشراق ملامحه الحادة المرهقة، وكأن كل تلك السنوات لم تمر قط، وكأنّه استرد رونقه مرة أخرى! أدار وجهه قليلاً يميناً ويساراً في تعجب، هل باستطاع





