LOGINإيفا يتساقط الثلج الأول في صباح ديسمبر. أنا في المغسلة عندما أراه من النافذة. رقائق بيضاء كبيرة ترقص في السماء الرمادية، تدور، تتراكم. تغطي الأسطح، الشوارع، الأرواح. تصبح المدينة صامتة، مبطنة، غير حقيقية. عالم من الصمت والبياض. عالم لم يعد بحاجة إلينا. — الشتاء هنا، تقول المرأة ذات الوجه القاسي. هذه السنة، مبكر. سيكون طويلاً. — سيكون قاسياً، تجيب أخرى. سيكون قاسياً على الجميع. لكن على الفقراء... لا تكمل. لا تحتاج للإكمال. نعرف جميعاً ما يفعله الشتاء بالفقراء. نعرف جميعاً ما فعله الشتاء بالفعل. يواصلن العمل، الأيدي في الماء المغلي، غير مباليات. بالنسبة لهن، الشتاء مجرد فصل آخر. فصل للنجاة، كالآخرين. بالنسبة لي، كارثة. كوخ العمة آيشلينغ سيء العزل. الجدران رقيقة كورق، السقف يرشح كمصفاة، الأرض ترابية تتجمد من أولى الصقيع. الشتاء الماضي، كادت تموت من البرد. تتذكر. تحمل آثاره على أصابعها المشوهة، على أصابع قدميها التي فقدتها. هذه السنة، نحن أربعة. أعود أبكر من المعتاد.
إيفا أنا في المغسلة منذ ثلاثة أسابيع عندما يخبرني أبي بالخبر. يعود متأخراً أكثر من المعتاد، ذلك المساء. أكثر بكثير. الليل أسود، القمر مختبئ، النجوم ميتة. خطواته ثقيلة، جرّارة، كأنه يحمل العالم على كتفيه. وجهه رمادي، رمادي كالرماد، كأنه بدأ يموت بالفعل. يجلس على الحصيرة دون كلمة. يبقى هناك، ينظر إلى يديه، لا يقول شيئاً، لا يرى شيئاً. تتحدث إليه أمي، لا يسمع. تناديه العمة آيشلينغ، لا يجيب. — أبي؟ ماذا يحدث؟ أبي، انظر إليّ. أرجوك. انظر إليّ. — لا شيء. لا شيء. اتركيني. اتريني وشأني. — أبي. يرفع عينيه نحوي. في نظرته، شيء لا أعرفه. شيء لم أره فيه قط. ليس حزناً. ليس غضباً. ولا حتى يأساً. عار. عار عميق جداً، كامل جداً، حتى أنه أفرغ عينيه من كل نور. — الديون، يقول. صوته بالكاد همسة. ديون التجارة. الموردون، المالك، البنوك. كل ما جمعته في خمسة وعشرين عاماً. كل ما وعدت به. كل ما أقسمت على سداده. — ماذا عن الديون؟ أبي، ماذا حدث؟ — ش
إيفا المغسلة في عمق فناء، في مبنى منخفض بنوافذ مسدودة. الهواء حوله يفوح بالعفن، المنظفات، العرق، البؤس. نساء يدخلن ويخرجن، ظهورهن منحنية، أيديهن حمراء، وجوههن مغلقة كأبواب لم تعد تُفتح. أنا هنا منذ الفجر. طرقت الباب، انتظرت، توسلت. صاحبة العمل، امرأة ضخمة بشعر رمادي مشدود إلى الخلف، بيدين سميكتين كالمجارف، نظرت إليّ طويلاً. رأت ملابسي الممزقة، يداي المتضررتين، وجهي المحفور بالجوع. — أنتِ تلك التي طُردت، صح؟ المرفوضة. التي أعادها ليام ماكارثي ككلبة. — نعم. — أنتِ نحيلة. تبدين ضعيفة. لن تصمدي يوماً. لديك يدا فتاة لم تعمل قط. يدان لم تُستخدما لشيء. — سأصمد. سأعمل. سأفعل كل ما يلزم. — نبدأ عند الفجر، ننتهي عند الليل. أحياناً أكثر. ست عشرة ساعة، سبع عشرة ساعة، أحياناً أكثر إن تراكمت الطلبات. ندفع باليوم. رغيف خبز وفلسان. لا فلس أكثر. — هذا يناسبني. يناسبني جداً. — تعرفين العمل؟ — سأتعلم. أتعلم بسرعة. لا أشكو أبداً. هزّت كتفيها، كأن كل هذا لا يعنيها، كأنني مجرد فم إضافي يجب إطعامه، يد إضافية يجب استهلاكها. أرَتني مريلاً دهنياً، خرقة ممزقة، حوضاً من الحديد الزهر الأسود يدخّن كفم
إيفا الأيام التي تلي زيارة ليام هي الأطول في حياتي. كل ساعة صراع. كل دقيقة معركة ضد الصوت في أعماقي الذي يهمس: اقبلي. اقبلي، وسيتوقف كل شيء. الجوع، البرد، الخوف. اقبلي، وسيُنقذون. اقبلي، ولن تموت أمك وهي تبصق الدم على حصيرة متعفنة. اقبلي، ولن ينهار أبوك تحت ثقل العار. اقبلي، وسيعود كل شيء إلى نصابه. أدفع هذا الصوت. أكتمه. أدفنه تحت طبقات من الغضب والكرامة. لكنه يعود دائماً. أقوى. أكثر إلحاحاً. أحياناً يحمل صوت ليام. يحمل صوت ضعفي أنا. يحمل صوت الجوع الذي يقرض عظامي. في الصباح، أستيقظ وطعم عرضه في فمي. شقة. مال. طعام. أمان. كل ما نحتاجه. كل ما نحلم به ليلاً، عندما توقظنا معدتنا الفارغة مذعورين، عندما ترتجف أجسادنا من البرد، عندما تتيه عقولنا بين النوم والكابوس. أنظر إلى والديّ اللذين ما زالا نائمين، متلاصقين على الحصيرة الضيقة جداً. أمي وجهها غائر، وجنتاها مجوفتان، شفتاها جافتان متشققتان. يداها، اللتان كانتا ناعمتان عندما كانتا تداعبان شعري، لم تعودا سوى عظام مغطاة بجلد رمادي. أبي يداه نحيلتان، أصابعه متعقدة، مفاصله ناتئة كالحصى. أنفاسه أزيز، تنفسه معركة. إنهما عجوزان فجأة. هشّا
إيابهاعاد بعد ثلاث ليالٍ.كنت أنتظره. كنت أعرف أنه سيعود. لا يستطيع قبول الرفض. ليس هو. ليس الألفا الذي حصل على كل شيء، أخذ كل شيء، غزا كل شيء. ليام لم يقبل أبداً شيئاً من أحد. لطالما أخذ ما أراد، متى أراد، كيفما أراد.كنت أنتظره، وكنت أستعد.هذه المرة، أفتح قبل أن يطرق. أنا على العتبة، في ثوبي الأقل ثقوباً، شعري ممشط بأفضل ما أستطيع، يداي مغسولتان بالماء البارد. أريد أن يراني واقفة. أن يراني فخورة. حتى لو كنت أرتجف من الداخل. حتى لو كانت ركبتاي تهددان بالخذلان تحتي. حتى لو كان جسدي كله لم يعد سوى ألم.— إيابها.— ليام.ينظر إليّ. يتفحصني. عيناه تتأخران على شعري، على شفتيّ المتشققتين، على الثوب الذي يطفو على جسد لم يعد سوى عظام.— فكرت.— فكرت.— و؟أنظر إليه. هذا الرجل الذي أحببته بكل قواي، بكل روحي كأوميغا خاضعة. هذا الرجل الذي شاركني حياتي عشرين عاماً، ضحكاتي، دموعي، أسراري. هذا الرجل الذي دمر عائلتي، صحتي، كرامتي، مستقبلي.— ادخل.يدخل. يتبعني في الكوخ.
لا يتحرك. ينظر إليّ، وفي عينيه شيء لا أعرفه. عدم تصديق. إحباط. رغبة، أيضاً. رغبة كثيرة.— أنت تحكمين على عائلتك بالموت، إيابها. لكبريائك. لعنجهيتك. تفضلين رؤيتهم يموتون على قبول ما أقدمه لك؟ انظري إلى أمك. تسعل دماً. انظري إلى أبيك. لم يعد يقف. خلال أسابيع قليلة، سيكونون موتى. وسيكون ذلك خطأك.— اخرج. الآن. أو سأنادي الحراس. سأصرخ. سأوقظ كل الجيران. سأقول إنك جئت لاغتصابي. سأقول إنك خلعت الباب. سأقول إنك هددت عائلتي. أتظن أن سورشا ستحب سماع ذلك؟ أتظن أن الزعيم الأعلى سيحب معرفة ما يفعله صهره ليلاً؟يتراجع خطوة. خطوة واحدة فقط. عيناه تنكمشان، تصبحان شقين ضيقين.— لن تفعلي ذلك.— جربني.ننظر إلى بعضنا. دقيقة. دقيقتان. ثلاث دقائق. الصمت كثيف لدرجة يمكن قطعه بسكين. أشعر بنظرة أمي، خوف أبي، قلق العمة أيسلينغ. لا أستسلم. لن أستسلم.يعرف أنني أقول الحقيقة. يعرف أنني لم أعد أملك شيئاً لأخسره. المرأة التي لا تملك شيئاً لتخسره هي الأخطر على الإطلاق.— ستندمين على هذا، إيابها. ستأتين إليّ، يوماً ما. الجوع سيجعلك تأتين. الخ







