LOGINالفصل الخامس
. لعل القدر، بعد كل ما سلبه منها، قد منحها أخيرًا بداية جديدة… بداية لم تكن تعرف أنها تنتظرها خلف حدود وادي الأمان. ما إن دخلت القرية حتى تقدم عدد من الأطفال نحوها بفضول. كانوا يختبئون خلف بعضهم، يرمقونها بنظرات متسائلة، ثم يبتسمون كلما التقت أعينهم بعينيها. تقدمت طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها السابعة، تحمل بين يديها زهرة بيضاء ناصعة، ومدتها نحو مريم قائلة بابتسامة بريئة: “أهلًا بكِ.” ترددت مريم للحظة، ثم أخذت الزهرة برفق. لم تستطع منع دمعة صغيرة من الفرار من عينيها. منذ أن فقدت أسرتها، لم يقدم لها أحد هدية، ولو كانت مجرد زهرة. لاحظ كيان تأثرها، لكنه آثر الصمت، مدركًا أن بعض المشاعر لا تحتاج إلى كلمات. واصلوا السير حتى توقفوا أمام منزل واسع بُني من الحجارة البيضاء، تتسلق على جدرانه نباتات خضراء مزهرة، وتتدلى من شرفته فوانيس زجاجية تعكس ضوء الشمس بألوان جميلة. قال كيان: “ستقيمين هنا حتى تستعيدي عافيتك.” نظرت إليه بدهشة. “هنا؟” أومأ برأسه. “هذا بيت الضيافة، وكل من يصل إلى وادي الأمان يجد فيه مأوى حتى يشعر أنه بين أهله.” فتحت امرأة مسنة الباب، وكانت ترتدي ثوبًا أزرق طويلًا، يغطي شعرها وشاح أبيض مطرز بخيوط فضية. ابتسمت بحنان وقالت: “أهلًا بكِ يا ابنتي.” اقتربت منها، وربتت على كتفها برفق، ثم أضافت: “أنا الجدة هيلين، وسأعتني بكِ ما دمتِ هنا.” لم تعرف مريم لماذا شعرت بالراحة بمجرد سماع صوتها، لكنه ذكرها بجدتها التي رحلت منذ سنوات. دخلت إلى المنزل، فوجدته دافئًا وبسيطًا، تفوح منه رائحة الخبز الطازج والأعشاب العطرية. وفي إحدى الزوايا اشتعل موقد صغير، تتراقص فوقه ألسنة اللهب بهدوء. قالت هيلين مبتسمة: “ستجدين في غرفتك ماءً ساخنًا وثيابًا نظيفة، وبعدها تناولي عشاءك، فوجهك يخبرني أنك لم تشبعي منذ وقت طويل.” ابتسمت مريم بخجل، ثم شكرتها بصوت خافت. وقبل أن يغادر كيان، التفت إليها وقال: “ارتاحي الليلة… وغدًا سأريكِ المكان الذي لا يُسمح لأحد بدخوله.” اتسعت عيناها بدهشة. “ولماذا أنا؟” ابتسم ابتسامة غامضة، ثم أجاب: “لأن هناك من ينتظرك منذ زمن… أكثر مما تتخيلين.” ثم غادر بصحبة لورين، تاركًا مريم غارقة في أسئلة لا تجد لها إجابة. وقفت عند نافذة غرفتها، تنظر إلى الوادي الذي بدأ يغرق في ألوان الغروب. كانت الطيور تعود إلى أعشاشها، والنسيم يحمل معه رائحة الأشجار والأزهار. لكن فجأة… لفت انتباهها ظلٌ يقف فوق التل المقابل للقرية. شخص يرتدي عباءة سوداء طويلة، يراقب بيت الضيافة دون أن يتحرك. حدقت فيه مريم بقلق، وما إن رمشت بعينيها حتى… اختفى. تراجعت خطوة إلى الخلف، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لم يكن ذلك الظل وهمًا… أغلقت مريم النافذة ببطء، ثم وضعت يدها على صدرها محاولة تهدئة نبضات قلبها المتسارعة. ظلت تحدق في الستائر للحظات، وكأنها تنتظر أن يظهر ذلك الظل مرة أخرى، لكن كل شيء عاد ساكنًا. لم يبقَ سوى صوت الريح وهي تداعب أغصان الأشجار، وصوت الجرس الصغير المعلق أمام المنزل يتمايل بهدوء بل كان بداية سرٍ جديد، سيغيّر كل ما ظنت أنه أصبح آمنًا : “ربما كنت متعبة… وربما خدعتني عيناي.” لكنها، في أعماقها، لم تصدق ذلك. طرقت الجدة هيلين الباب برفق. “هل يمكنني الدخول يا ابنتي؟” التفتت مريم بسرعة، ثم قالت: “تفضلي.” دخلت هيلين وهي تحمل صينية خشبية عليها كوب من شراب الأعشاب الدافئ، ورغيفًا صغيرًا تفوح منه رائحة الزبدة. وضعت الصينية على الطاولة، ثم نظرت إلى مريم بعينين مليئتين بالحنانالفصل 136عاد كيان ومريم إلى ساحة التدريب معًا.كانت مريم تسير إلى جانبه بصمت، بينما كانت تحاول بكل ما لديها أن تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث قبل قليل.لكن احمرار وجهها كان يفضحها.لاحظ كيان ذلك، فابتسم بخفة.كيان:«لا عليكِ من آسر.»نظرت إليه مريم بسرعة.مريم:«أنا لا أهتم.»رفع كيان حاجبه، وكأنه لم يصدقها.كيان:«حقًا؟»أشاحت مريم بنظرها.مريم:«نعم.»ضحك كيان بخفة.كيان:«إنه يحب المزاح فقط، فلا تأخذي كلامه على محمل الجد.»هزت مريم رأسها، ثم حاولت تغيير الحديث.مريم:«حسنًا… لنكمل التدريب.»استدارت نحو السيوف الخشبية، ومدت يدها لتأخذ أحدها.لكن قبل أن تلتقطه، أمسك كيان يدها برفق.التفتت إليه باستغراب.مريم:«ماذا؟»اقترب منها كيان قليلًا، ثم مال نحوها وقبّل خدها قبلة سريعة.تجمدت مريم في مكانها.رفع كيان رأسه، ونظر إليها بابتسامة هادئة.كيان:«لم أستطع أن آخذها منكِ قبل قليل.»اتسعت عينا مريم، ووضعت يدها على خدها من شدة الإحراج.مريم:«كيان!»ضحك كيان.أما مريم فالتفتت حولها بسرعة، وكأنها تخشى أن يكون أحد قد رآهما.ثم نظرت إليه وهمست:مريم:«لا أريد أن يرانا أحد هكذا.»نظر إليها كيان با
الفصل 135 في ساحة التدريب… كانت أشعة الشمس الصباحية تتسلل فوق أسوار القصر، بينما وقفت مريم إلى جانب كيان في منتصف الساحة. التفت كيان إليها، ثم اتجه نحو رف الأسلحة وأخذ سيفين خشبيين. عاد إليها، ومد أحدهما نحوها. أخذت مريم السيف منه، ثم نظرت إليه للحظات. كان السيف أثقل مما توقعت، ولم تكن تعرف حتى كيف تمسكه بطريقة صحيحة. رفعت يدها قليلًا، ثم حاولت تثبيته أمامها، لكن قبضتها كانت ضعيفة ووضعية ذراعها غير مستقيمة. راقبها كيان للحظات، ثم اقترب منها. وقف خلفها مباشرة، ومد يده وأمسك يدها التي تحمل السيف، بينما استقرت يده الأخرى على ذراعها ليعدل وضعيتها. تجمدت مريم قليلًا من قربه. كيان: «أمسكيه بهذه الطريقة.» حرّك أصابعها برفق حتى أصبحت قبضتها أكثر ثباتًا. ثم قال: كيان: «واجعلي قدميكِ بهذا الشكل.» حرك قدمها قليلًا، ثم عاد إلى ذراعها. كيان: «لا تشدي كتفكِ.» حاولت مريم أن تفعل ما قاله، ثم رفعت السيف. كيان: «والآن… حركيه إلى الأمام.» حركت مريم السيف، لكنها فقدت توازنها قليلًا. أمسك كيان بيدها قبل أن تسقط، ثم قال بهدوء: كيان: «مرة أخرى.» أعادت الحركة. وفي المرة الثانية كا
الفصل 134في منتصف الليل…كانت مريم تقف في المطبخ أمام الموقد، تحرك الحساء ببطء داخل الوعاء.رفعت الوعاء عن النار، ثم تذوقت الحساء قليلًا، وبعد أن تأكدت من مذاقه، وضعته في وعاء صغير.حملته بين يديها، ثم اتجهت إلى الغرفة.طرقت الباب طرقًا خفيفًا.جاءها صوت كيان من الداخل:كيان:“ادخلي.”فتحت مريم الباب بهدوء، ثم دخلت وهي تحمل وعاء الحساء بين يديها.كان كيان مستلقيًا على السرير، وقد بدا عليه التعب، لكنه كان مستيقظًا.رفع عينيه نحوها، ثم نظر إلى الوعاء الذي تحمله.كيان:“ما هذا؟”اقتربت مريم من السرير، ثم وضعت الوعاء أمامه.مريم:“حساء.”نظر كيان إلى الوعاء، ثم إليها.كيان:“أعددته الآن؟”أومأت مريم.مريم:“نعم.”ثم جلست إلى جانبه، ومدت الوعاء نحوه.مريم:“لقد أعددته بنفسي.”نظر كيان إليها للحظة، ثم أخذ الوعاء منها.ارتسمت على وجه مريم ابتسامة صغيرة وهي تراقبه.أخذ كيان أول ملعقة، وتذوق الحساء.توقف للحظة، ثم نظر إليها.كيان:“مريم…”مريم:“ماذا؟”ابتسم كيان.كيان:“إنه ألذ حساء تذوقته في حياتي.”اتسعت ابتسامة مريم.مريم:“حقًا؟”كيان:“حقًا.”نظر إلى الوعاء مرة أخرى، ثم أخذ ملعقة أخرى.
الفصل 133 قبل الغروب بقليل… كانت الشمس تميل ببطء نحو الأفق، وتلقي بأشعتها الذهبية على أطراف القرية، بينما بدأ أهلها بالعودة إلى منازلهم قبل حلول الليل. داخل إحدى الخيام، كان زين يجهز أغراض الرحلة، ويتأكد من وجود الماء والطعام وبعض المؤن التي قد يحتاجون إليها في الطريق. أما مروان، فكان يقف بالقرب من الخيول، يتفقد أحزمة السروج ويتأكد من جاهزيتها. رفع زين عينيه نحو مدخل الخيمة. زين: “مروان، هل كل شيء جاهز؟” أجاب مروان وهو يشد أحد الأحزمة: “تقريبًا، بقي أن نجهز حصان الملكة رينا.” أومأ زين بهدوء. زين: “حسنًا.” ثم نظر إلى الطريق الممتد خارج الخيمة. كان الغروب يقترب، وهذا الأمر لم يكن يريحه. فالطريق إلى وادي الأمان طويل، والسفر في هذا الوقت قد يجعلهم يصلون إلى أماكن مجهولة بعد حلول الظلام. لكن رينا لم تكن مستعدة للانتظار أكثر. وبينما كان زين يفكر، سمع خطوات قادمة من خلفه. التفت. ظهرت رينا وهي ترتدي عباءة سفر داكنة، وقد جمعت شعرها إلى الخلف، وبدا على ملامحها شيء من الحزم. لكن ما لفت انتباه زين لم يكن عباءتها… بل السيف الذي كانت تحمله بيدها. نظر إليها للحظات، ثم قال باستغ
الفصل 132في القصر…كان الصباح قد حل، وقد توقف المطر تمامًا، ولم يبقَ منه سوى قطرات متفرقة عالقة على أغصان الأشجار خارج النافذة.استيقظت مريم بهدوء، ثم التفتت إلى كيان.كان لا يزال نائمًا إلى جوارها، إلا أن ملامحه بدت مختلفة قليلًا، وكأن التعب قد أثقل جسده.اقتربت منه مريم، ثم وضعت يدها على جبينه.شعرت بحرارة خفيفة، فتغيرت ملامحها بقلق.مريم:“كيان…”فتح كيان عينيه ببطء، ونظر إليها.كيان:“صباح الخير.”مريم:“أنت متعب.”كيان:“قليلًا فقط.”وضعت مريم يدها على جبينه مرة أخرى، ثم نظرت إليه بجدية.مريم:“حرارتك مرتفعة قليلًا.”ابتسم كيان بهدوء.كيان:“ستزول.”مريم:“سأعد لك بعض الأعشاب.”كيان:“لا داعي لأن تتعبي نفسك.”مريم:“لن أتعب.”ثم ابتسمت له.مريم:“ابقَ هنا وارتَح.”نظر إليها كيان للحظات، ثم أومأ.كيان:“حسنًا.”نهضت مريم من السرير واتجهت نحو الباب، بينما بقي كيان يتابعها بعينيه.وقبل أن تخرج، التفتت إليه مرة أخرى.مريم:“ولا تحاول أن تنهض.”ابتسم كيان.كيان:“أمركِ.”خرجت مريم من الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.أما كيان، فبقي مستلقيًا، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة.لم يكن يشعر بتعب
الفصل 131 بقي كيان ومريم جالسين بالقرب من النار، بينما بدأ الليل يزداد هدوءًا من حولهما. كان صوت الجدول يمتزج بحفيف الأشجار، والنسيم البارد يمر بين أغصانها بهدوء. نظر كيان إلى مريم، ثم قال: “إذن… سنبدأ غدًا.” نظرت إليه مريم باستغراب لطيف. “غدًا؟” ابتسم كيان وأومأ. “نعم، سيكون أول تدريب لكِ.” نظرت مريم إلى يديها، ثم رفعت عينيها إليه. “وهل تظن أنني سأتعلم بسرعة؟” ضحك كيان بخفة. “سنعرف ذلك غدًا.” ابتسمت مريم، ثم قالت: “حسنًا… سأحاول.” نظر إليها كيان بثقة. “وأنا سأساعدكِ حتى تتقني كل ما تحتاجين إليه.” ساد الصمت بينهما للحظات. وفجأة، سقطت قطرة ماء على يد مريم. نظرت إليها باستغراب، ثم رفعت عينيها نحو السماء. كانت الغيوم قد بدأت تتجمع فوقهما. قالت مريم: “يبدو أن المطر سيهطل.” رفع كيان رأسه نحو السماء، ثم قال: “يبدو ذلك.” وبعد لحظات، بدأت قطرات المطر تتساقط من بين أغصان الأشجار. ابتسمت مريم وهي تنظر حولها، لكن المطر بدأ يشتد شيئًا فشيئًا. نهض كيان، وبدأ يجمع الأغراض التي أحضراها. ثم نظر إليها وقال: “يجب أن نعود إلى القصر.” وقفت مريم و