LOGINصاحت تاليا بأنفاس متلاحقة ونبرة يملؤها الذعر
: "توقف هنا يا نبيل بيه.. أرجوك سننزل هنا!" . لم يلتفت نبيل إليها، بل ضغط على مكابح سيارته بقوة ثم انطلق بأقصى سرعة يخترق زحام شوارع القاهرة. نظر إليها عبر المرآة العاكسة وقال بهدوء صلب : "أين ستذهبين الآن ورجال رأفت والفيومي يحاصرون كل شبر؟". ردت بكبرياء جريح وعينين تلمعان بالتحدي: "سأتدبر أمري.. سأفكر في حل ، فقط أنزلنا في أي مكان آمن". ابتسم نبيل ابتسامة ساخرة خفيفة، ولمح التوتر المرتسم على ملامحها الحقيقية التي بدأت تظهر خلف المساحيق الباهتة، وقال: "إذن، ستمكثين عندنا في الفيلا حتى تجدي ذلك الحل السحري". انتفضت تاليا في مقعدها وردت بذهول: "ماذا؟! أين وكيف سامكث عندكم؟ هل جننت يا نبيل بيه؟ بعد كل ما حدث بيننا بالأمس!" . التفتت الأم منار، التي كانت تراقب الموقف بصمت وخوف، وقالت بلوم هادئ: "تاليا! لماذا توبخين الشاب هكذا؟ إنه يحاول إنقاذنا ومساعدتنا، والوضع في الخارج مرعب". عجزت تاليا عن نطق حرف واحد، كيف تخبر والدتها الشريفة أن هذا الرجل أهان كرامتها بالأمس واتهمها في شرفها، وأنها صفعته على وجهه؟ سكتت على مضض، ثم وجهت نظراتها الحادة ونبرتها القلقة لنبيل وقالت: "إذاً.. ماذا سأقول لهم في الفيلا؟ كيف ستبرر وجودنا معاً؟". رد بنبرة واثقة وصارمة: "اتركي لي أنا الكلام، وتصرفي كخادمة مطيعة فقط". ما إن وصلت السيارة إلى بوابة الفيلا الحديدية الضخمة، حتى ترجل نبيل بهيبته المعتادة . أمر الحارس الشخصي بتجهيز الملحق الصغير الموجود في أطراف الحديقة فوراً، وطلب من الأم منار أن تنتظر في استراحة الحديقة وسط الخضرة. ثم أمسك بذراع تاليا بخفة وقادها إلى الداخل متوجهاً إلى غرفة المعيشة حيث كان الصغير هاني يجلس بملامح شاحبة. قال نبيل بنبرة مبتهجة يحاول بها تلطيف الأجواء: "هاني.. لدي مفاجأة جميلة لك، انظر من أحضرت لك اليوم!". تطلعت تاليا إلى الصغير بابتسامة دافئة وشوق حقيقي، لكن المفاجأة أن هاني لم يستقبلها بالترحاب والركض المعتاد. كان غاضباً بشدة، تجمعت الدموع في عينيه الصغيرتين لأنه شعر بأنها تخلت عنه طوال الفترة الماضية بينما كان يصارع الحمى والمرض. طبق يديه الصغيرتين أمام صدره، وأدار ظهره لها ليعلن مقاطعتها، ثم مشى بعيداً ودموعه تنهمر في صمت. وشعرت تاليا بوخز في قلبها؛ فقد كان هذا الصغير هو الخيط الإنساني الأنقى في هذا البيت. في تلك الأثناء، دلفت مريم وسعاد هانم إلى الردهة. رحبت مريم بها بنبرة حملت بعض الفضول قائلة: "أهلاً تاليا.. أين كنتِ؟ لقد حاولنا الاتصال بكم كثيراً طوال الأسبوع الماضي ولم نصل لشيء". نظر نبيل إلى تاليا بنظرة ذات مغزى وهمس: "انتظريني في الحديقة الآن". جلس نبيل بجوار والدته سعاد هانم، التي كانت ملامحها صارمة ومتجهمة؛ فقد غضبت بشدة لأن تاليا غادرت القصر فجأة بعد كل الرجاء الذي قدمته لها. مد نبيل يده، وأمسك بيد والدته برفق ثم قبلها بنبل وقال: "أمي الغالية.. حال هاني النفسي والصحي لم يعجبني تماماً في الفترة الماضية، والجميع يعلم أن تاليا كانت حجة غيابها هي والدتها المريضة التي لا تجد من يرعاها". صمت للحظة ليرى أثر كلماته، ثم تابع بخبث وذكاء: "لذا.. أ بطلتُ حجتها تماماً، وأحضرتُ والدتها معها لتقيم هنا". نظرت سعاد هانم باستغراب ورفعت حاجبيها قائلة: "كيف ذلك يا نبيل؟ أين سيعيشون؟". قال بهدوء: "سيقيمون في ملحق الخدم بالحديقة، وهكذا ستبقى تاليا مع هاني ليل نهار لترعاه وترعى والدتها أيضاً. . ما رأيكِ؟". ارتسمت على شفتي سعاد هانم ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى، وقالت برزانة: "تماماً كما ترى يا بني.. ولكني ما زلت غاضبة من تصرفها المفاجئ" . هنا علقت مريم بنبرة باردة كعادتها: "هكذا أفضل كثيراً، على الأقل سنرتاح من زنه وبكائه طوال اليوم" . نظر إليها نبيل باشمئزاز ورفض واضح لأسلوبها الجاف، فشعرت مريم بالكلمة وقالت تبرر: "لا أقصد شيئاً سيئاً بالطبع.." لكن نبيل لم يعرها اهتماماً، وخرج إلى الحديقة حيث تقف تاليا بجوار والدتها المنتظرة. طمأن نبيل تاليا بملامح هادئة وقال لها بصوت منخفض: "الأمور سارت كما خططت.. اذهبي الآن وقبلي يد سعاد هانم لترضي عنكِ، وتبدأي عملكِ". أخذت تاليا يد أمها ودخلتا معاً إلى الصالون الكبير. دخلت منار بهيبتها الهادئة وقالت بنبرة راقية: "أهلاً بكم.. تشرفت بمعرفتكم جميعاً"، ولم ترفع النقاب عن وجهها بناءً على تعليمات ابنتها الصارمة لحمايتها. أما تاليا، فقد تقدمت بخطوات وئيدة نحو سعاد هانم، وانحنت برقة وقبلت يدها كعلامة على الاعتذار والولاء. وفي تلك اللحظة، وبدون أن تنتبه الأم منار لطبيعة الدور الذي تلعبه ابنتها الدكتورة، تملكها كبرياؤها المعتاد وأصلها الطيب، فصاحت فجأة بدهشة واستنكار: "تاليا! ماذا تفعلين؟!". ساد جمود مفاجئ في الصالون، لكن تاليا تداركت الموقف بسرعة البرق؛ أسرعت نحو والدتها، وأمسكت يدها وضغطت عليها بقوة وعين تتوسل إليها ألا تفضح المستور، وقالت مغيرة مجرى الحديث: "أمي تقصد أنني يجب ألا أزعج سعاد هانم بأسفي الزائد". نظرت سعاد هانم بنظرات حادة ومخترقة وقالت بصوتها الرزين: "نرجو ألا تهربي مرة أخرى يا تاليا.. ولكن اعلمي أن مهمتكِ ستكون شاقة وصعبة جداً هذه المرة مع هاني، لكي يرجع ويحبكِ كما كان في السابق". ابتسمت تاليا بثقة وقالت: "لا تقلقي يا سيدتي، سأهتم به". وفي تلك اللحظة تحديداً، اهتز هاتف تاليا في جيبها معلناً وصول رسالة نصية. أخرجت الهاتف بفضول، وما إن فتحت الرسالة وقرأت الكلمات المكتوبة فيها حتى حدقت بعينيها الزجاجيتين بصدمة ورعب حقيقي. تلاشت الابتسامة من وجهها، وشحب لونها كالموتى، بينما كان نبيل يراقب تحول ملامحها من بعيد بوجل. كانت الرسالة من المعمل الخاص بصديقها الطبيب، وجاء فيها: "تاليا.. اهربي فوراً، رجال الفيومي عادوا للمعمل وفتشوا الأوراق وعبروا عن شكهم في العينات، وحصلوا على عنوان بيتكِ القديم من السجلات.. إنهم في طريقهم إليكِ الآن وم معهم قوة!". شعرت تاليا فجأة أن الأرض تدور بها، وأن اللعبة أصبحت مسألة حياة أو موت.سرحت تاليا بخيالها مع مسار سيارة الإسعاف في تلك الليلة المظلمة قبل واحد وعشرين عاماً، وتجسد أمامها سيناريو مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ تخيلت الممرض وهو يلتفت للسائق بنظرة خبيثة ويقول له: "يا حسين.. ما رأيك أن تركن السيارة بعيداً عن الطريق لربع ساعة فقط؟". سأله السائق بحيرة: "ولماذا يا محمود؟"، فأجابه محمود بنبرة لزجة: "لكي نمتع أنفسنا أنا وأنت بهذه الجميلة الغائبة عن الوعي". قال له حسين وهو يستسلم لغوايته: "أنت شيطان حقاً!".تخيلت تاليا كيف انحرفت سيارة الإسعاف لتختفي وسط الأراضي الزراعية المعتمة، وكيف نزل حسين من مقعد القيادة والتفت لمحمود قائلاً بقلب ميت: "معك خمس دقائق فقط لا غير". ثم تمثلت تاليا الممرض محمود وهو ينظر إلى جسد والدتها المنهك ووجهها المغطى بالدماء، ولم يشفع لها مرضها ولا غيبوبتها عنده، فارتكب جرمه البشع داخل سيارة الإسعاف ، ثم نزل بكل برود والتقط السيجارة من يد زميله قائلاً: "أسرع أنت الآن حتى لا نتأخر ونكشف".في تلك اللحظة، انتفض جسد تاليا بالكامل وفتحت عينيها برعب وهي تنفض هذه التخيلات البشعة عن عقلها، وقالت بصوت مرتجف ونبرة حاسمة تحاول طمأنة
وجد نبيل مريم تقف أمامه مباشرة وعيناها تفحصان أرجاء المكان، ثم تقدمت وخطت خطوات نحو السيارة لتنظر إلى داخلها بفضول وشك، لكنها تنفست الصعداء واحست براحة بالغة عندما لم تجد أحداً في المقاعد، فقد كانت تاليا منكمشة بذكاء في الأسفل. التفتت مريم إليه وسألته بنبرة عاتبة: "لقد تأخرت جداً اليوم يا نبيل.. هل كانت تاليا معك طوال هذا الوقت؟".نظر نبيل إليها بثبات وبرود يداري به دقات قلبه المتسارعة، وقال ب نبرة حاسمة: "ماذا ستفعل معي حتى الآن؟ هل ستلاحقينني بالأسئلة؟ لقد ذهبنا بالفعل ووجدنا أن صاحب الشقة قد أجرها لشخص آخر وضاع مشوارنا، فتركتها تذهب لحال سبيلها، وخرجت أنا لقضاء بعض الوقت مع أصدقائي". اقتنعت مريم بكلماته، فصعدت إلى غرفتها.انتظر نبيل في الأسفل وراقب الممر بحذر حتى تأكد أن الجميع قد صعدوا وخلت الردهة تماماً، وكان الليل قد أصبح حالكاً والسكون يلف القصر. في تلك اللحظة، أشار لتاليا فخرجت من مخبئها بخفة، وتسللت عبر الحديقة ودخلت إلى ملحق والدتها وأغلقت الباب خلفها بأنفاس متهدجة.ما إن دخلت، حتى استقبلتها والدتها بقلق عارم وسألتها بلهفة: "لماذا كل هذا التأخير يا تاليا؟
هذه المرة، اقتربت تاليا من نبيل بخطوات بطيئة حالمة، ونظرت مباشرة إلى عمق عينيه، فأحست فيهما بشغف جارف لا يقل أبداً عن شغفها الكامن نحوه. بدأت نبضات قلبها تتصارع في صدرها كطبول متلاحقة، وتردد في خيالها صدى كلماته المشجعة منذ قليل: "افعلي اليوم كل ما يخطر ببالكِ، واتركي مشاعركِ تقودكِ".بلا وعي أو تفكير، وبدافع من مشاعرها الجياشة التي انطلقت من أسرها بعد ظهور النتيجة، أحس نبيل برغبتها وعاطفتها المشتعلة، فاقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة وسط برودة الصحراء. وفجأة، فاجأته تاليا بجرأة غير معتادة منها؛ اقتربت من شفتيه، وتركت نفسها تماماً لللحظة، وأغمضت عينيها وبدأت هي بتقبيله بنعومة وشغف، وكأنها بتلك اللمسة الدافئة قد أعطته إشارة البدء التي انتظرها طويلاً.تلقى نبيل الإشارة بلهفة، فأكمل هو القبلة بكل ما يحمله قلبه من حب وحنان دفينين. كانت هذه أول قبلة حقيقية بينهما، قبلة نابعة من العاطفة والاشتياق، وبها مشاعر دافئة تكفي لتملأ العالم كله بالسكينة. احتضنها هذه المرة برفق ورقة بالغة، وليس بقوة أو عنف كالمرات السابقة؛ ففي هذه اللحظة، لم تكن تاليا تريد الهروب منه، بل
قالت تاليا بنبرة يملؤها الخوف والتردد: "لا أريد فتحه الآن.. ليس هنا"، وفرّت من المشفى مرعوبة من تلك الحقيقة القابعة داخل المغلف.ركبا معاً السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك، حتى التفت إليها نبيل وسألها بنبرة حانية: "ألستِ متحمسة لمعرفة النتيجة؟ لقد انتظرنا هذا الأسبوع على جمر".أجابته بمرارة وإحباط: "إطلاقاً.. أريد أن أؤجل معرفتها طوال العمر إن استطعت. أشعر ببركان داخلي، أريد أن أصرخ صرخة عالية تزلزل الأرض كلها لتخرج هذه الطاقة السامة من صدري.. أنا لا أريد هذا الرجل أباً لي، لا أريد أن يجمعني به جسد أو دم".نظر نبيل إلى ملامحها المنكسرة، وتفهم حجم الضغط الذي تعيشه، فتوقف بسيارته على جانب الطريق، وقال بصوت هادئ ومريح: "هل تحبين أن تبتعدي قليلاً عن كل شيء؟ عن القصر، وعن العمل، وعن هذه المدينة بأكملها؟".أومأت برأسها وقالت بلهفة: "أتمنى ذلك من كل قلبي".فاستدار نبيل بسيارته وانحرف بها عن الطريق الرئيسي. سألته بتعجب: "إلى أين تذهب بنا؟"، فالتفت إليها وابتسم بثقة قائلاً: "سأجعل الكون لكِ وحدكِ الليلة".ضحكت تاليا رغماً عنها، واعتقدت في البداية أنه يمازحها أو يل
نظر نبيل إلى أمه وشعر بالتوتر الساري في الأجواء، فتقدم نحوها بهدوء وقبّل يدها كعادته وسألها باهتمام مصطنع: "ماذا بكِ يا أمي؟ وجهكِ لا يبشر بالخير". رمقته بنظرة عتاب ممتزجة بالخيبة وقالت باقتضاب: "لا شيء.. مجرد تعب مفاجئ، سأصعد إلى غرفتي لأستريح".فهم نبيل من داخله على الفور أن والده قد أخبرها بكل ما رأى في الغرفة، فتنهد في صمت وصعد هو الآخر إلى غرفته. تمدد على السرير وسند رأسه إلى الخلف مغمض العينين، وفجأة ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة من أعماقه وهو يتذكر ملامح وجه تاليا المذعورة عندما وجدته يخلع قميصه بسرعة، وعينيها الواسعتين اللتين اتسعتا بذهول وهي تراه يلقي بجسده فوقها على السرير، ونظرة الدهشة العارمة الممتزجة بالغضب التي ظلت تحدق بها إليه وهو يقبلها بعنف ليخرس صوتها. رفع يده ببطء ووضعها على خده الأيسر، يتحسس أثر صفعاتها القاسية بمتعة غريبة ولذة لم يعهدها من قبل، ثم التفت جانباً وأمسك بالقميص القطني (التيشرت) الأسود الذي كانت ترتديه منذ قليل وقربّه من وجهه، وظل يستنشق رائحتها الذكية العالقة بين ثناياه بشغف أفقده صوابه.أيقظه من حلمه الجميل طرقات قوية على الباب
ولكنه لم يردها أن تخاف من اقترابه أو تسيء فهم حمايته لها، فكبح رغبته في ضمها وتراجع خطوة إلى الخلف محاولاً تهدئتها بكلماته فقط. وعندما وصلا إلى المصعد الضيق وركبا معاً وانغلق الباب عليهما، انفرط عقد صمود تاليا تماماً؛ وبلا تفكير، ارتمت في أحضانه كالطفلة الصغيرة، وتباكت بحرقة وألم لم تعد تقوى على كتمانه.لم يشعر نبيل بنفسه إلا وهو يحتضنها بكل حب وحنان جارف، مطوقاً إياها بذراعيه ليحتويها بداخل صدره العريض ويخبئها عن العالم كله وعن كل أذى. أحست تاليا بصدق أمانه، فلفت ذراعيها حول رقبته بشدة وتشبثت به كأنها تتعلق بحبال النجاة، مما زاد من شعوره بالرغبة في ضمها أكثر فأكثر إلى ضلوعه لكي تشعر بالدفء والسكينة وتنسى تلك التجربة المريرة. استمرت اللحظة الحابسة للأنفاس حتى وصل المصعد إلى الطابق الأرضي، فانحنى نبيل وقبّل رأسها برقة بالغة، وهمس في أذنها بصوت دافئ ورخيم: "لقد وصلنا يا تاليا.. اهدي".أدركت تاليا موقعهما، فتركت رقبته ببطء ومسحت دموعها الساخنة التي أغرقت قميصه، وخرجا معاً مسرعين وركبا السيارة. وبعد فترة من الصمت المطبق قطعته أنفاسهما المتلاحقة، التفتت تاليا ونظرت إلى نبي







