LOGINكانت العجوز والطفلة بانتظاري…
وجاري ممدّدًا على سرير نقل الجثث. لم أصرخ… لم أتحرّك… كنتُ فقط واقفًا هناك، كأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة. كان المكان باردًا… أكثر مما ينبغي، والهواء ثقيلًا… خانقًا، كأنني لا أتنفّسه… بل يبتلعني. خطوتُ خطوةً إلى الداخل، ثم أخرى… وعيناي لا تفارقان ذلك المشهد. ارتجفت يداي. همستُ بصوتٍ مكسور: "هذا… ليس حقيقيًا…" لكنني… كنتُ أعلم. اقتربتُ ببطء، كأن كل خطوة تُنتزع مني انتزاعًا، حتى وقفتُ إلى جانبه. مددتُ يدي… بتردد… بخوف… ولمستُ وجهه. بارد. صلب. خالي من الحياة. سحبتُ يدي بسرعة، وكأنني لامستُ شيئًا لا ينبغي لمسه. وفي تلك اللحظة… سمعتُ صوتَ تنفّس. لكن… لم يكن مني. بل كانت هي… تقترب… كأنها ترغب في معانقتي، وسط تلك الأجواء التي لا تُحتمل. تراجعتُ خطوة… ثم أخرى، ثم استدرتُ فجأةً وركضتُ في الاتجاه الذي جئتُ منه. وعندما وصلتُ إلى الدرج، تعثّرتُ… فسقطتُ من الأعلى. كانت عيناي تُغلقان ببطءٍ شديد، وكنتُ أسمع تلك الأصوات… وهي تبتعد. حتى… غِبتُ عن الوعي. — استيقظتُ في الصباح، وأنا على سريري. وتبيّن أن رأسي قد ارتطم بالأرض حين سقطت… ففقدتُ الوعي. بينما كان الطبيب يقف بجانبي، كان جاري يقف عند الباب… سليمًا، مُعافى. كنتُ أحدّق فيه، وتدور في رأسي عشرات الأسئلة. قطع تفكيري صوتُه وهو يقول: "كيف أصبحت؟ هل تشعر بتحسّن الآن؟" هززتُ رأسي وقلت: "نعم… أشعر بأنني بخير." وصف لي الطبيب بعض الأدوية، ثم غادر، إذ كان لديه مريضٌ آخر. التفتُّ إلى جاري وسألته: "متى جئتَ مع الطبيب؟" قال: "وصلنا عند الساعة التاسعة، ووجدناك مُلقى أسفل الدرج… لكن الغريب أنك كنتَ تتعرّق بشدة، بينما قال الطبيب إن حرارتك طبيعية." صمتُّ… ولم أُجبه. ثم أردف قائلًا: "هل أنت مستعد للعودة إلى المنزل، أم تودّ البقاء هنا ليلةً أخرى؟" أجبتُ بسرعة: "لا، أريد العودة إلى المنزل." قال: "حسنًا، استعد… سأنتظرك في الأسفل." تجهّزتُ، وأخذتُ أدويتي، ثم نزلت. لكن المشاهد التي رأيتها… لم تغادر ذهني. قلتُ في نفسي: "أخيرًا… خرجتُ من ذلك المكان." لكن الحقيقة… أنني حملتُ كل ما فيه معي. كنتُ أعلم… أن تلك الصور سترافقني فيما تبقّى من حياتي. — في طريق عودتنا إلى المنزل، ساد الصمت بيننا. فكسرتُه قائلًا: "لقد أتعبتك معي…" ابتسم وقال: "لا مشكلة." ثم عاد الصمت… كما كان. لم تمضِ سوى دقائق، حتى اقتربنا من المنزل. فقال: "لم يتبقَّ الكثير للوصول. هل يمكنك إكمال الطريق بمفردك؟ لديّ بعض الأعمال." قلت: "لا مشكلة، لقد فعلتَ أكثر من واجبك." ثم شكرته، وأكملت طريقي نحو المنزل. — وعندما اقتربتُ… التفتُّ إلى اليسار. لا أعلم لماذا. أنا عادةً لا ألتفت كثيرًا… لكنني فعلت. أطلتُ النظر. كان ذلك الطريق… يؤدي إلى المقبرة. تجمّدتُ لثوانٍ. بدأ العرق يتصبّب مني، وتقطّعت أنفاسي. وعادت بي الذاكرة… إلى الليلة الماضية. كانت يداي ترتجفان… دون أن أشعر، وبدوتُ مضطربًا. تسارعت خطواتي نحو المنزل، وكأن شيئًا يطاردني. حتى وصلت. لكن… حتى الباب، بدا وكأنه يرفض أن يُفتح. دفعتُه بصعوبة… ودخلت. أغلقتُه خلفي بسرعة، ظنًّا مني أنني سأترك كل شيء بالخارج. لكن… لم يخرج شيء. — كان الوقت يمرّ ببطءٍ غريب. صنعتُ لنفسي فنجان قهوة، علّني أهدأ قليلًا. ثم طلبتُ طعامًا من أحد المطاعم المجاورة. وصل الطلب. كنتُ جائعًا… فالوقت كان الثانية ظهرًا. تناولتُ طعامي، ثم قلتُ في نفسي: "ربما أقرأ قليلًا…" بدأتُ القراءة. مرّت ساعة تقريبًا… ثم بدأ النعاس يتسلّل إليّ. تثاءبتُ مرارًا… حتى غلبني النوم. — غِبتُ في نومٍ عميق. وفجأة… صوت. أيقظني. فتحتُ عينيّ ببطء… وشعرتُ… وكأن قلبي قد توقّف. نظرتُ أمامي… وهمستُ بصوتٍ مرتجف: "كيف وصلتِ إلى هنا…؟ وكيف دخلتِ منزلي؟" نظرت إليّ… وقالت:......لم يكن صوته كما أعرفه.كان أعمق…أثقل…كأنه يأتي من مكانٍ بعيد… مدفونٍ تحت التراب:"كنتُ أعلم… أنك ستأتي."ارتجف جسدي…وحاولتُ التراجع…لكن قدمي…لم تتحرّك.ابتسم ببطء…ابتسامةً مشوّهة،لا تنتمي إلى إنسان.ثم أشار بيده نحو الأرض أمامه…وهنا—سمعتُ صوتًا."خدش… خدش… خدش…"كأن شيئًا يحفر…تحت قدمي مباشرة.اتّسعت عيناي…وانخفض نظري ببطء…التراب…كان يتحرّك.ينشقّ…ببطءٍ مرعب.ومن بينه—بدأت تظهر يد.يدٌ شاحبة…مغطّاة بالتراب…أصابعها ترتجف… وكأنها تحاول الخروج.تجمّدتُ تمامًا.ثم—خرجت اليد أكثر…تليها الأخرى…وجسدٌ…يُسحب من داخل القبر.كنت أرتجف…أنفاسي تتقطّع…حتى…رأيت الوجه.وجهي أنا.لكن—بعينين مفتوحتين على اتّساعهما…بلا رمش… بلا حياة…ينظر إليّ…ثم ابتسم.ومن خلفي—اقترب صوت الطفلة…همسًا… قريبًا من أذني:"الآن… لن تغادر أبدًا…"ارتجف جسدي أكثر…لكن هذه المرة—لم يكن الخوف وحده.كان هناك شعورٌ آخر…أعمق…أثقل…كأن شيئًا ما… يُسحب من داخلي.حاولتُ أن أصرخ—لكن صوتي… لم يخرج.الشخص… الذي يشبهني—مدّ يده نحوي ببطء.لم تكن حركة عشوائية…بل واثقة…كأنه يعرف تمامًا ما سيفعله.تراجعتُ
لم يكن الظلام وحده من استقبلني.كان هناك… شيءٌ آخر.هواءٌ بارد اندفع نحوي،باردٌ إلى حدٍّ مؤلم، كأنه يمرّ عبر عظامي لا بشرتي.توقفتُ عند العتبة…لم أدخل.شعرتُ… أن المنزل يتنفّس.نعم…يتنفّس ببطء… بثقل…وكأنني دخلتُ إلى صدر كائنٍ حي.خطوتُ خطوةً واحدة.صرير الأرضية تحت قدمي لم يكن عاديًا…كان أشبه بأنينٍ مكتوم.أغلقتُ الباب خلفي…"طَق."الصوت كان حادًا…أعلى مما ينبغي.وعندها—سمعته.همسة.قريبة…قريبة جدًا."عدتَ…"تجمّد الدم في عروقي.لم يكن الصوت غريبًا…بل كان مألوفًا… بشكلٍ مرعب.استدرتُ ببطء…لا شيء.الفراغ يحدّق بي…والظلام يزداد كثافة.تراجعتُ خطوة… ثم أخرى…لكن—قدمي اصطدمت بشيءٍ ما.نظرتُ للأسفل……آثار أقدام.آثار صغيرة…كأنها لطفلة.رطبة… داكنة…وتقود إلى داخل المنزل.رفعتُ رأسي ببطء…وتبعتُها بعيني…كانت تختفي في الممر.الممر الذي أعرفه جيدًا…لكنه الآن… بدا أطول مما ينبغي.أظلم.أعمق.وكأنه لا نهاية له.ابتلعتُ ريقي بصعوبة…ثم همستُ، بصوتٍ لم أعرفه:"من هناك…؟"صمت.ثوانٍ مرّت…أو ربما دقائق…ثم—ضحكة.خفيفة…طفولية…لكنها… لم تكن بريئة.جاءت من داخل الممر.من نفس الاتجاه
أنزلتُ نظري ببطء… ثم دخلت المنزل وأغلقت الباب كان الظلام يملأ أسفل الباب، كثيفًا… كأنه ليس مجرد ظل، بل شيءٌ حيّ يتنفس. تردّدتُ. صوتي اختفى… وقدماي تجمّدتا في مكاني. لكن الفضول… أو ربما الخوف نفسه… دفعني أن أنحني قليلًا. اقتربتُ.. أكثر… حتى كاد وجهي يلامس الأرض. "من… هناك؟" خرج صوتي متقطعًا، بالكاد يُسمع. لم يجب أحد. لكن… شيئًا ما تحرّك. رأيتُ أصابع صغيرة… شاحبة… تزحف ببطء من تحت الباب. تجمّد الدم في عروقي. أصابع طفل… لكنها كانت ملتوية بشكلٍ غير طبيعي… وكأن العظام بداخلها مكسورة… أو… لم تُخلق كما يجب. تراجعتُ بسرعة، وسقطتُ على ظهري. بدأتُ أزحف للخلف، وعيناي معلّقتان بالباب. ثم… بدأ الباب يهتز. ببطء… ثم بعنف. دق… دق… دق… ثم تحوّل الصوت إلى طرقٍ هستيري… كأن شيئًا في الخارج… يحاول الدخول بأي ثمن. "افتح…" الصوت هذه المرة أوضح… لكنه لم يكن صوت طفلة… بل صوتين… متداخلين. صوتها… وصوتٌ آخر أعمق… أجش… مكسور. "افتح… لقد اشتقنا إليك…" صرختُ بكل ما أملك من قوة: "ابتعدوا عني!!" لكن الطرق توقّف فجأة. سكون… مرعب. حتى أني س
وعندما فتحتُ الباب…تجمّدتُ في مكاني.لم يكن هناك أحد.نظرتُ يمينًا…ثم يسارًا…لا شيء.الهواء ساكن…والصمت أثقل من أن يُحتمل.كدتُ أُغلق الباب…لكن صوتًا خافتًا… انبعث من الأسفل."هل… نسيتني؟"تجمّد الدم في عروقي.أنزلتُ نظري ببطء…وكانت هناك.الطفلة.تقف ملتصقةً بعتبة الباب…ترفع رأسها نحوي ببطء،وعيناها… لم تكونا كما رأيتهما من قبل.لم تكونا حمراوين هذه المرة…بل فارغتين تمامًا.كأنهما… حفرتان لا نهاية لهما.تراجعتُ خطوة إلى الخلف،لكنها لم تتحرك.فقط… كانت تبتسم.ابتسامةً أوسع… وأبشع.ثم همست:"لقد عدنا."انطفأت ملامح وجهي."نحن؟"ما إن نطقتُ بها…حتى بدأ الهواء من حولي يبرد فجأة،وانبعثت رائحة ترابٍ رطب…تشبه تمامًا رائحة القبر.ببطء…ارتفعت يدٌ صغيرة من خلف كتف الطفلة…ثم أخرى…ثم…خرجت العجوز.لكنها لم تكن كما كانت.جسدها منحني أكثر،ورأسها يتدلّى بشكل غير طبيعي،وعيناها… مثبتتان عليّ دون أن ترمش.كانت تمسك بشيء في يدها.اقتربت خطوة…ثم رفعت يدها…كان القيثار.نفسه.نفس القيثار الذي وجدته بين الأشجار.لكن…كان مكسورًا.وملطخًا… بالدم.توقّف قلبي لوهلة.قالت بصوتٍ مبحوح، كأن الت
نظرت إليّ… وقالت: ما بك؟ لماذا أنت خائف؟ هل نسيت من أكون أنا… أو تلك الطفلة؟ نظرتُ إلى الباب… فإذا بتلك الطفلة تقف عنده، تعلو وجهها ابتسامة خفيفة، ونظرات حادّة تخترقني. تملّكني الخوف، وبدأت أصرخ بصوتٍ عالٍ… ولم تمضِ سوى لحظات حتى سُمِع طرقٌ عنيف على الباب. ثم جاء صوت من الخارج : "هل أنت بخير؟ افتح الباب… هيا!" تشتّتُ قليلًا، ثم التفتُّ إلى المكان الذي كانت تجلس فيه العجوز مع الطفلة… لكن المفاجأة… لقد اختفتا! عاد الطرق على الباب من جديد، وصوتٌ يلحّ من الخارج. قمتُ وفتحت الباب، فإذا بجاري يقف أمامي. قلت: مرحبًا… تفضل. قال بقلق: هل أنت بخير؟ أجبته: نعم… كان مجرد حلم سيئ، ربما بسبب الدواء. قال: هذا جيد، لقد أقلقتني عليك. ثم عاد إلى منزله، وأنا عدتُ إلى فراشي لأكمل نومي. كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. استلقيتُ وأنا ما زلت خائفًا… وسرعان ما غصتُ في النوم من جديد. فجأة… شعرتُ بأصبعٍ يضغط على كتفي، وصوتٍ يكرر اسمي. أفقتُ ببطء، مثقلًا بالتعب، وفتحتُ عينيّ… وليتني لم أفعل. كانت الطفلة هي من توقظني، وكان الصوت… صوت العجوز. لكن… هذا ليس منزلي. أنا في المقب
كانت العجوز والطفلة بانتظاري…وجاري ممدّدًا على سرير نقل الجثث.لم أصرخ…لم أتحرّك…كنتُ فقط واقفًا هناك،كأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة.كان المكان باردًا… أكثر مما ينبغي،والهواء ثقيلًا… خانقًا،كأنني لا أتنفّسه… بل يبتلعني.خطوتُ خطوةً إلى الداخل،ثم أخرى…وعيناي لا تفارقان ذلك المشهد.ارتجفت يداي.همستُ بصوتٍ مكسور:"هذا… ليس حقيقيًا…"لكنني… كنتُ أعلم.اقتربتُ ببطء،كأن كل خطوة تُنتزع مني انتزاعًا،حتى وقفتُ إلى جانبه.مددتُ يدي…بتردد… بخوف…ولمستُ وجهه.بارد.صلب.خالي من الحياة.سحبتُ يدي بسرعة،وكأنني لامستُ شيئًا لا ينبغي لمسه.وفي تلك اللحظة…سمعتُ صوتَ تنفّس.لكن…لم يكن مني.بل كانت هي…تقترب…كأنها ترغب في معانقتي،وسط تلك الأجواء التي لا تُحتمل.تراجعتُ خطوة… ثم أخرى،ثم استدرتُ فجأةً وركضتُ في الاتجاه الذي جئتُ منه.وعندما وصلتُ إلى الدرج،تعثّرتُ…فسقطتُ من الأعلى.كانت عيناي تُغلقان ببطءٍ شديد،وكنتُ أسمع تلك الأصوات… وهي تبتعد.حتى…غِبتُ عن الوعي.—استيقظتُ في الصباح،وأنا على سريري.وتبيّن أن رأسي قد ارتطم بالأرض حين سقطت…ففقدتُ الوعي.بينما كان الطبيب يقف بجانب