تسجيل الدخولكانت تقف… في نهاية الممر.
لم تعد مجرد همساتٍ بعيدة، بل أصبحت واضحة… قريبة… تدور حولي كأنها تحاصرني. حبستُ أنفاسي. "من هناك…؟" خرج صوتي خافتًا، غريبًا… كأنه لا ينتمي إليّ. نظرتُ حولي. الممر طويل… شبه خالٍ… تغمره إضاءة صفراء باهتة، تجعل كل شيء يبدو مريضًا. خطوة… ثم أخرى… والصوت يقترب. "لقد تأخرت…" تجمّدتُ. نفس الكلمات… نفس الصوت… لكن هذه المرة… لم يكن في رأسي. كان أمامي. هناك… في نهاية الممر… ظهرت. ببطءٍ مرعب، كما لو أنها تنفصل عن الظل نفسه. ملامحها لم تكن واضحة، لكنني لم أحتج أن أراها جيدًا… كنتُ أعرفها. "أنتِ…" لم تُجب. تقدّمت نحوي. خطوة… ثم أخرى… دون أن تُصدر قدماها أي صوت، كأنها لا تلامس الأرض. تراجعتُ حتى اصطدم ظهري بالجدار. بارد… رطب… وكأن الجدار نفسه… حيّ. "لماذا تركتني؟" قالتها بصوتٍ مكسور. ارتجف صدري. "أنا… لم أترككِ…" لكن كلماتي خرجت ضعيفة، هشّة… بلا أي إقناع. توقفت أمامي مباشرة. قريبة جدًا… أقرب مما يجب. رفعت رأسها ببطء— وعندها فقط… رأيتُ عينيها. فارغتان… لكنّهما ممتلئتان بشيءٍ أسوأ من الفراغ. همست: "كذبت." ثم… وضعت يدها على صدري. تجمّدتُ. لم تكن مجرد لمسة… بل إحساسًا غريبًا، كأنها تبحث عن شيءٍ داخلي. "أين هو؟" قالتها وهي تضغط ببطء. "أين تركتني؟" بدأ الألم يتسلل… ليس ألمًا عاديًا، بل كأن شيئًا يُنتزع من أعماقي. "توقفي…" همستُ بصعوبة. لكنها لم تتوقف. اقتربت أكثر… حتى شعرتُ أنها تكاد تندمج بي. "أنت أخذته معك…" ازداد الضغط. أنفاسي تتلاشى… "وأنا… بقيت." صرختُ، ودفعتها بكل ما تبقى لدي من قوة— وفجأة… اختفت. كما لو أنها لم تكن هنا أصلًا. سقطتُ على الأرض، أتنفس بصعوبة. "ما الذي يحدث لي…؟" نظرتُ حولي. الممر عاد كما كان— صامت… فارغ… كأن شيئًا لم يحدث. لكن… لم يكن كل شيء طبيعيًا. وضعتُ يدي على صدري… وتوقفت. هناك… أثر. علامة داكنة، تشبه كفّ يدٍ مطبوعة على جلدي. ارتجفتُ. "هذا… ليس وهمًا…" بصعوبة، وقفتُ. بدأتُ أسير في الممر، أبحث عن أي مخرج… أي إنسان… أي شيءٍ طبيعي. لكن المستشفى… لم يكن طبيعيًا. الأبواب مغلقة. الغرف فارغة. والصمت… ثقيل بشكلٍ غير محتمل. وكأن المكان… هُجر منذ زمنٍ طويل. توقفتُ فجأة. باب. مختلف. موارب… قليلًا. اقتربتُ منه. قلبي ينبض بعنف، لكن شيئًا داخلي… كان يدفعني نحوه. مددتُ يدي… ودفعت الباب ببطء. صريرٌ طويل… مزّق الصمت. نظرتُ إلى الداخل— غرفة صغيرة. وفي وسطها… سرير. تقدّمت خطوة… ثم تجمّدت. هناك شخص… ممدّد… بلا حركة. اقتربتُ أكثر. كل خطوة… أثقل من التي قبلها. حتى وصلت. ونظرتُ إلى وجهه— وانهار كل شيء. كان… أنا. تراجعتُ، وشعرتُ بأن الأرض تميد بي. "لا… هذا غير ممكن…" لكن قبل أن أتحرك— سمعتُ الصوت… مرةً أخرى. خلفي. قريب… هادئ… "الآن فهمت…" استدرتُ ببطء. كانت هناك. تنظر إليّ… بنفس تلك النظرة. ثم ابتسمت. وقالت: "أنت لم تنجُ…" توقف قلبي. أو ربما… كان متوقفًا منذ زمن. تلاشى بصري، وكأن الضباب يزحف من داخلي. جسدي فقد توازنه، وخطواتي أصبحت ثقيلة… متكسّرة. حاولتُ الهرب. ركضتُ في الممر، أتعثر… أتصادم بالجدران… حتى وصلتُ إلى المخرج. مغلق. كالعادة. التفتُّ بجنون، أبحث عن أي منفذ— فلم أجد سوى الدرج. صعدتُ. طابقًا… ثم آخر… أبحث عن نافذة… عن أي فرصةٍ للنجاة. لكن كل الأبواب كانت مغلقة. وكل الطرق… تؤدي إلى العدم. حتى رأيتُها. لوحة… في نهاية الممر. "مخرج الطوارئ…" آخر أمل. تقدّمتُ نحوه، أجرّ جسدي المنهك. وعندما وصلت— كان الباب… مفتوحًا. ترددتُ. ثم دفعته ببطء… ودخلت. و… هناك— كانت الصدمة الحقيقية بانتظاري طوال الوقت....لم يكن صوته كما أعرفه.كان أعمق…أثقل…كأنه يأتي من مكانٍ بعيد… مدفونٍ تحت التراب:"كنتُ أعلم… أنك ستأتي."ارتجف جسدي…وحاولتُ التراجع…لكن قدمي…لم تتحرّك.ابتسم ببطء…ابتسامةً مشوّهة،لا تنتمي إلى إنسان.ثم أشار بيده نحو الأرض أمامه…وهنا—سمعتُ صوتًا."خدش… خدش… خدش…"كأن شيئًا يحفر…تحت قدمي مباشرة.اتّسعت عيناي…وانخفض نظري ببطء…التراب…كان يتحرّك.ينشقّ…ببطءٍ مرعب.ومن بينه—بدأت تظهر يد.يدٌ شاحبة…مغطّاة بالتراب…أصابعها ترتجف… وكأنها تحاول الخروج.تجمّدتُ تمامًا.ثم—خرجت اليد أكثر…تليها الأخرى…وجسدٌ…يُسحب من داخل القبر.كنت أرتجف…أنفاسي تتقطّع…حتى…رأيت الوجه.وجهي أنا.لكن—بعينين مفتوحتين على اتّساعهما…بلا رمش… بلا حياة…ينظر إليّ…ثم ابتسم.ومن خلفي—اقترب صوت الطفلة…همسًا… قريبًا من أذني:"الآن… لن تغادر أبدًا…"ارتجف جسدي أكثر…لكن هذه المرة—لم يكن الخوف وحده.كان هناك شعورٌ آخر…أعمق…أثقل…كأن شيئًا ما… يُسحب من داخلي.حاولتُ أن أصرخ—لكن صوتي… لم يخرج.الشخص… الذي يشبهني—مدّ يده نحوي ببطء.لم تكن حركة عشوائية…بل واثقة…كأنه يعرف تمامًا ما سيفعله.تراجعتُ
لم يكن الظلام وحده من استقبلني.كان هناك… شيءٌ آخر.هواءٌ بارد اندفع نحوي،باردٌ إلى حدٍّ مؤلم، كأنه يمرّ عبر عظامي لا بشرتي.توقفتُ عند العتبة…لم أدخل.شعرتُ… أن المنزل يتنفّس.نعم…يتنفّس ببطء… بثقل…وكأنني دخلتُ إلى صدر كائنٍ حي.خطوتُ خطوةً واحدة.صرير الأرضية تحت قدمي لم يكن عاديًا…كان أشبه بأنينٍ مكتوم.أغلقتُ الباب خلفي…"طَق."الصوت كان حادًا…أعلى مما ينبغي.وعندها—سمعته.همسة.قريبة…قريبة جدًا."عدتَ…"تجمّد الدم في عروقي.لم يكن الصوت غريبًا…بل كان مألوفًا… بشكلٍ مرعب.استدرتُ ببطء…لا شيء.الفراغ يحدّق بي…والظلام يزداد كثافة.تراجعتُ خطوة… ثم أخرى…لكن—قدمي اصطدمت بشيءٍ ما.نظرتُ للأسفل……آثار أقدام.آثار صغيرة…كأنها لطفلة.رطبة… داكنة…وتقود إلى داخل المنزل.رفعتُ رأسي ببطء…وتبعتُها بعيني…كانت تختفي في الممر.الممر الذي أعرفه جيدًا…لكنه الآن… بدا أطول مما ينبغي.أظلم.أعمق.وكأنه لا نهاية له.ابتلعتُ ريقي بصعوبة…ثم همستُ، بصوتٍ لم أعرفه:"من هناك…؟"صمت.ثوانٍ مرّت…أو ربما دقائق…ثم—ضحكة.خفيفة…طفولية…لكنها… لم تكن بريئة.جاءت من داخل الممر.من نفس الاتجاه
أنزلتُ نظري ببطء… ثم دخلت المنزل وأغلقت الباب كان الظلام يملأ أسفل الباب، كثيفًا… كأنه ليس مجرد ظل، بل شيءٌ حيّ يتنفس. تردّدتُ. صوتي اختفى… وقدماي تجمّدتا في مكاني. لكن الفضول… أو ربما الخوف نفسه… دفعني أن أنحني قليلًا. اقتربتُ.. أكثر… حتى كاد وجهي يلامس الأرض. "من… هناك؟" خرج صوتي متقطعًا، بالكاد يُسمع. لم يجب أحد. لكن… شيئًا ما تحرّك. رأيتُ أصابع صغيرة… شاحبة… تزحف ببطء من تحت الباب. تجمّد الدم في عروقي. أصابع طفل… لكنها كانت ملتوية بشكلٍ غير طبيعي… وكأن العظام بداخلها مكسورة… أو… لم تُخلق كما يجب. تراجعتُ بسرعة، وسقطتُ على ظهري. بدأتُ أزحف للخلف، وعيناي معلّقتان بالباب. ثم… بدأ الباب يهتز. ببطء… ثم بعنف. دق… دق… دق… ثم تحوّل الصوت إلى طرقٍ هستيري… كأن شيئًا في الخارج… يحاول الدخول بأي ثمن. "افتح…" الصوت هذه المرة أوضح… لكنه لم يكن صوت طفلة… بل صوتين… متداخلين. صوتها… وصوتٌ آخر أعمق… أجش… مكسور. "افتح… لقد اشتقنا إليك…" صرختُ بكل ما أملك من قوة: "ابتعدوا عني!!" لكن الطرق توقّف فجأة. سكون… مرعب. حتى أني س
وعندما فتحتُ الباب…تجمّدتُ في مكاني.لم يكن هناك أحد.نظرتُ يمينًا…ثم يسارًا…لا شيء.الهواء ساكن…والصمت أثقل من أن يُحتمل.كدتُ أُغلق الباب…لكن صوتًا خافتًا… انبعث من الأسفل."هل… نسيتني؟"تجمّد الدم في عروقي.أنزلتُ نظري ببطء…وكانت هناك.الطفلة.تقف ملتصقةً بعتبة الباب…ترفع رأسها نحوي ببطء،وعيناها… لم تكونا كما رأيتهما من قبل.لم تكونا حمراوين هذه المرة…بل فارغتين تمامًا.كأنهما… حفرتان لا نهاية لهما.تراجعتُ خطوة إلى الخلف،لكنها لم تتحرك.فقط… كانت تبتسم.ابتسامةً أوسع… وأبشع.ثم همست:"لقد عدنا."انطفأت ملامح وجهي."نحن؟"ما إن نطقتُ بها…حتى بدأ الهواء من حولي يبرد فجأة،وانبعثت رائحة ترابٍ رطب…تشبه تمامًا رائحة القبر.ببطء…ارتفعت يدٌ صغيرة من خلف كتف الطفلة…ثم أخرى…ثم…خرجت العجوز.لكنها لم تكن كما كانت.جسدها منحني أكثر،ورأسها يتدلّى بشكل غير طبيعي،وعيناها… مثبتتان عليّ دون أن ترمش.كانت تمسك بشيء في يدها.اقتربت خطوة…ثم رفعت يدها…كان القيثار.نفسه.نفس القيثار الذي وجدته بين الأشجار.لكن…كان مكسورًا.وملطخًا… بالدم.توقّف قلبي لوهلة.قالت بصوتٍ مبحوح، كأن الت
نظرت إليّ… وقالت: ما بك؟ لماذا أنت خائف؟ هل نسيت من أكون أنا… أو تلك الطفلة؟ نظرتُ إلى الباب… فإذا بتلك الطفلة تقف عنده، تعلو وجهها ابتسامة خفيفة، ونظرات حادّة تخترقني. تملّكني الخوف، وبدأت أصرخ بصوتٍ عالٍ… ولم تمضِ سوى لحظات حتى سُمِع طرقٌ عنيف على الباب. ثم جاء صوت من الخارج : "هل أنت بخير؟ افتح الباب… هيا!" تشتّتُ قليلًا، ثم التفتُّ إلى المكان الذي كانت تجلس فيه العجوز مع الطفلة… لكن المفاجأة… لقد اختفتا! عاد الطرق على الباب من جديد، وصوتٌ يلحّ من الخارج. قمتُ وفتحت الباب، فإذا بجاري يقف أمامي. قلت: مرحبًا… تفضل. قال بقلق: هل أنت بخير؟ أجبته: نعم… كان مجرد حلم سيئ، ربما بسبب الدواء. قال: هذا جيد، لقد أقلقتني عليك. ثم عاد إلى منزله، وأنا عدتُ إلى فراشي لأكمل نومي. كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. استلقيتُ وأنا ما زلت خائفًا… وسرعان ما غصتُ في النوم من جديد. فجأة… شعرتُ بأصبعٍ يضغط على كتفي، وصوتٍ يكرر اسمي. أفقتُ ببطء، مثقلًا بالتعب، وفتحتُ عينيّ… وليتني لم أفعل. كانت الطفلة هي من توقظني، وكان الصوت… صوت العجوز. لكن… هذا ليس منزلي. أنا في المقب
كانت العجوز والطفلة بانتظاري…وجاري ممدّدًا على سرير نقل الجثث.لم أصرخ…لم أتحرّك…كنتُ فقط واقفًا هناك،كأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة.كان المكان باردًا… أكثر مما ينبغي،والهواء ثقيلًا… خانقًا،كأنني لا أتنفّسه… بل يبتلعني.خطوتُ خطوةً إلى الداخل،ثم أخرى…وعيناي لا تفارقان ذلك المشهد.ارتجفت يداي.همستُ بصوتٍ مكسور:"هذا… ليس حقيقيًا…"لكنني… كنتُ أعلم.اقتربتُ ببطء،كأن كل خطوة تُنتزع مني انتزاعًا،حتى وقفتُ إلى جانبه.مددتُ يدي…بتردد… بخوف…ولمستُ وجهه.بارد.صلب.خالي من الحياة.سحبتُ يدي بسرعة،وكأنني لامستُ شيئًا لا ينبغي لمسه.وفي تلك اللحظة…سمعتُ صوتَ تنفّس.لكن…لم يكن مني.بل كانت هي…تقترب…كأنها ترغب في معانقتي،وسط تلك الأجواء التي لا تُحتمل.تراجعتُ خطوة… ثم أخرى،ثم استدرتُ فجأةً وركضتُ في الاتجاه الذي جئتُ منه.وعندما وصلتُ إلى الدرج،تعثّرتُ…فسقطتُ من الأعلى.كانت عيناي تُغلقان ببطءٍ شديد،وكنتُ أسمع تلك الأصوات… وهي تبتعد.حتى…غِبتُ عن الوعي.—استيقظتُ في الصباح،وأنا على سريري.وتبيّن أن رأسي قد ارتطم بالأرض حين سقطت…ففقدتُ الوعي.بينما كان الطبيب يقف بجانب






