ANMELDENوقفَت العجوز أمام السور،
تُحدّق في الداخل بصمتٍ غريب، وكأنها لا ترى قبورًا… بل ترى شيئًا آخر. تقدّمتُ خطوةً نحوها، وقلتُ بصوتٍ متردد: "هل تعرفين هذا المكان؟" لم تُجب. اكتفت بالإشارة إلى الداخل، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع: "البعض لا يُدفن هنا… بل يبقى." تجمّدتُ في مكاني. شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في جسدي، وكأن كلماتها لم تكن موجهة لي… بل لشيءٍ خلفي. نظرتُ نحو القبور، كانت مصطفّةً بهدوءٍ مُخيف، تحمل أسماءً انتهت قصصهم… أو هكذا يُفترض. لكن… لماذا أشعر أن هناك من يُراقبني؟ خطوتُ خطوةً أخرى نحو السور، وضعتُ يدي عليه، بارد… بشكلٍ غير طبيعي. همستُ دون وعي: "هل أنتِ هنا…؟" ساد الصمت. ثم… صوت. خفيف… قريب جدًا. "تأخرت…" تراجعتُ بسرعة، والتفتُّ حولي، لكن لم يكن هناك أحد. العجوز… اختفت. اختفت وكأنها لم تكن موجودة. "كيف…؟" نظرتُ إلى المكان الذي كانت تقف فيه، لا أثر… لا صوت… لا شيء. ازدادت دقات قلبي، وشعرتُ أن الهواء من حولي أصبح أثقل. عدتُ بنظري إلى القبور، وهنا .. توقفت. اسم. اسمٌ أعرفه جيدًا. تقدّمتُ ببطء، وقدماي بالكاد تحملانني، حتى وقفتُ أمام القبر. كان اسـمها… منقوشًا بوضوح. مرّرتُ يدي على الحروف المرتجفة، وقرأتُ تاريخ الوفاة… ثم أعدتُ القراءة مرةً أخرى. لا… هذا مستحيل. الأسم و التاريخ… لقد أختفى ، تراجعتُ خطوةً إلى الخلف، وعيناي لا تفارقان القبر. وفي تلك اللحظة… سمعتُ نفس الصوت، لكن هذه المرة… من خلفي: "ألم أقل لك… أنني أفتقدك؟ تجمّد الدم في عروقي. لم أستطع الالتفات… كان الخوف يضغط على صدري كقبضةٍ لا تُرى. لكن الصوت… كان واضحًا. قريبًا… أكثر مما ينبغي. أغمضتُ عينيّ للحظة، ثم استجمعتُ ما تبقى من شجاعتي، واستدرتُ ببطء. لا أحد. فقط القبور… وصمتٌ ثقيل يبتلع المكان. تنفّستُ باضطراب، وهمستُ لنفسي ، "هذا وهم… مجرد وهم." لكن… كيف يكون وهمًا وأنا سمعت صوتها؟ ذلك الصوت الذي أعرفه… أكثر من نفسي. خطوتُ خطوةً إلى الخلف، ثم أخرى… كنتُ أريد المغادرة، الهروب، الابتعاد عن هذا المكان بأي طريقة. لكن قدمي… لم تستجب. وكأن الأرض تمسّكت بي، أو كأن شيئًا ما… لا يريد لي الرحيل. عندها، شعرتُ ببرودةٍ مفاجئة تلامس يدي. نظرتُ ببطء… فرأيتُ أصابع… باهتة… نحيلة… تمسك بيدي. شهقتُ، وحاولتُ سحبها، لكن قبضتها كانت أقوى مما تبدو. رفعتُ بصري ببطء، وقلبي يكاد يتوقف… كانت هي. تقف أمامي. كما رأيتها في الحلم… نفس العيون… نفس الشحوب… ونفس النظرة التي تحمل ألف كلمةٍ صامتة. لكن هذه المرة… لم تكن حلمًا. قالت بصوتٍ خافت: "لماذا تأخرت؟" ارتجفت شفتاي، وحاولتُ أن أنطق، لكن الكلمات خانتني. كنتُ أريد أن أصرخ، أن أهرب، أن أستيقظ… لكنني بقيتُ هناك. مسمّرًا أمامها. مدّت يدها الأخرى نحو وجهي، وتوقفت قبل أن تلمسني، وكأنها تخشى أن أختفي. ثم همست: "كنتُ وحدي…" انكسرت نظراتها، ولأول مرة… رأيتُ الألم في عينيها. ذلك الألم… لم يكن خوفًا. بل اشتياقًا. شعرتُ بشيءٍ داخلي ينهار، وتقدّمتُ نحوها دون وعي، مددتُ يدي… أردتُ أن أُعانقها، أن أتأكد أنها حقيقية. لكن… ما إن لامستُها، حتى تلاشت. اختفت… كما لو أنها لم تكن هنا. تراجعتُ بسرعة، وأخذتُ أتنفس بصعوبة، وعيناي تبحثان عنها بجنون. "لا… لا… عودي!" لكن لا إجابة. فقط… ضحكة. خفيفة… بعيدة… تتلاشى بين القبور. وقفتُ في مكاني، مرتبكًا… مكسورًا… لا أعلم إن كنتُ أعيش… أم أحلم. ثم… وقعت عيناي على القبر مرةً أخرى. لكن هذه المرة… لم يكن الاسم وحده ما تغيّر. بل… كان القبر مفتوحًا. وآثار أقدامٍ تخرج منه… وتتجه نحوي.لم يكن صوته كما أعرفه.كان أعمق…أثقل…كأنه يأتي من مكانٍ بعيد… مدفونٍ تحت التراب:"كنتُ أعلم… أنك ستأتي."ارتجف جسدي…وحاولتُ التراجع…لكن قدمي…لم تتحرّك.ابتسم ببطء…ابتسامةً مشوّهة،لا تنتمي إلى إنسان.ثم أشار بيده نحو الأرض أمامه…وهنا—سمعتُ صوتًا."خدش… خدش… خدش…"كأن شيئًا يحفر…تحت قدمي مباشرة.اتّسعت عيناي…وانخفض نظري ببطء…التراب…كان يتحرّك.ينشقّ…ببطءٍ مرعب.ومن بينه—بدأت تظهر يد.يدٌ شاحبة…مغطّاة بالتراب…أصابعها ترتجف… وكأنها تحاول الخروج.تجمّدتُ تمامًا.ثم—خرجت اليد أكثر…تليها الأخرى…وجسدٌ…يُسحب من داخل القبر.كنت أرتجف…أنفاسي تتقطّع…حتى…رأيت الوجه.وجهي أنا.لكن—بعينين مفتوحتين على اتّساعهما…بلا رمش… بلا حياة…ينظر إليّ…ثم ابتسم.ومن خلفي—اقترب صوت الطفلة…همسًا… قريبًا من أذني:"الآن… لن تغادر أبدًا…"ارتجف جسدي أكثر…لكن هذه المرة—لم يكن الخوف وحده.كان هناك شعورٌ آخر…أعمق…أثقل…كأن شيئًا ما… يُسحب من داخلي.حاولتُ أن أصرخ—لكن صوتي… لم يخرج.الشخص… الذي يشبهني—مدّ يده نحوي ببطء.لم تكن حركة عشوائية…بل واثقة…كأنه يعرف تمامًا ما سيفعله.تراجعتُ
لم يكن الظلام وحده من استقبلني.كان هناك… شيءٌ آخر.هواءٌ بارد اندفع نحوي،باردٌ إلى حدٍّ مؤلم، كأنه يمرّ عبر عظامي لا بشرتي.توقفتُ عند العتبة…لم أدخل.شعرتُ… أن المنزل يتنفّس.نعم…يتنفّس ببطء… بثقل…وكأنني دخلتُ إلى صدر كائنٍ حي.خطوتُ خطوةً واحدة.صرير الأرضية تحت قدمي لم يكن عاديًا…كان أشبه بأنينٍ مكتوم.أغلقتُ الباب خلفي…"طَق."الصوت كان حادًا…أعلى مما ينبغي.وعندها—سمعته.همسة.قريبة…قريبة جدًا."عدتَ…"تجمّد الدم في عروقي.لم يكن الصوت غريبًا…بل كان مألوفًا… بشكلٍ مرعب.استدرتُ ببطء…لا شيء.الفراغ يحدّق بي…والظلام يزداد كثافة.تراجعتُ خطوة… ثم أخرى…لكن—قدمي اصطدمت بشيءٍ ما.نظرتُ للأسفل……آثار أقدام.آثار صغيرة…كأنها لطفلة.رطبة… داكنة…وتقود إلى داخل المنزل.رفعتُ رأسي ببطء…وتبعتُها بعيني…كانت تختفي في الممر.الممر الذي أعرفه جيدًا…لكنه الآن… بدا أطول مما ينبغي.أظلم.أعمق.وكأنه لا نهاية له.ابتلعتُ ريقي بصعوبة…ثم همستُ، بصوتٍ لم أعرفه:"من هناك…؟"صمت.ثوانٍ مرّت…أو ربما دقائق…ثم—ضحكة.خفيفة…طفولية…لكنها… لم تكن بريئة.جاءت من داخل الممر.من نفس الاتجاه
أنزلتُ نظري ببطء… ثم دخلت المنزل وأغلقت الباب كان الظلام يملأ أسفل الباب، كثيفًا… كأنه ليس مجرد ظل، بل شيءٌ حيّ يتنفس. تردّدتُ. صوتي اختفى… وقدماي تجمّدتا في مكاني. لكن الفضول… أو ربما الخوف نفسه… دفعني أن أنحني قليلًا. اقتربتُ.. أكثر… حتى كاد وجهي يلامس الأرض. "من… هناك؟" خرج صوتي متقطعًا، بالكاد يُسمع. لم يجب أحد. لكن… شيئًا ما تحرّك. رأيتُ أصابع صغيرة… شاحبة… تزحف ببطء من تحت الباب. تجمّد الدم في عروقي. أصابع طفل… لكنها كانت ملتوية بشكلٍ غير طبيعي… وكأن العظام بداخلها مكسورة… أو… لم تُخلق كما يجب. تراجعتُ بسرعة، وسقطتُ على ظهري. بدأتُ أزحف للخلف، وعيناي معلّقتان بالباب. ثم… بدأ الباب يهتز. ببطء… ثم بعنف. دق… دق… دق… ثم تحوّل الصوت إلى طرقٍ هستيري… كأن شيئًا في الخارج… يحاول الدخول بأي ثمن. "افتح…" الصوت هذه المرة أوضح… لكنه لم يكن صوت طفلة… بل صوتين… متداخلين. صوتها… وصوتٌ آخر أعمق… أجش… مكسور. "افتح… لقد اشتقنا إليك…" صرختُ بكل ما أملك من قوة: "ابتعدوا عني!!" لكن الطرق توقّف فجأة. سكون… مرعب. حتى أني س
وعندما فتحتُ الباب…تجمّدتُ في مكاني.لم يكن هناك أحد.نظرتُ يمينًا…ثم يسارًا…لا شيء.الهواء ساكن…والصمت أثقل من أن يُحتمل.كدتُ أُغلق الباب…لكن صوتًا خافتًا… انبعث من الأسفل."هل… نسيتني؟"تجمّد الدم في عروقي.أنزلتُ نظري ببطء…وكانت هناك.الطفلة.تقف ملتصقةً بعتبة الباب…ترفع رأسها نحوي ببطء،وعيناها… لم تكونا كما رأيتهما من قبل.لم تكونا حمراوين هذه المرة…بل فارغتين تمامًا.كأنهما… حفرتان لا نهاية لهما.تراجعتُ خطوة إلى الخلف،لكنها لم تتحرك.فقط… كانت تبتسم.ابتسامةً أوسع… وأبشع.ثم همست:"لقد عدنا."انطفأت ملامح وجهي."نحن؟"ما إن نطقتُ بها…حتى بدأ الهواء من حولي يبرد فجأة،وانبعثت رائحة ترابٍ رطب…تشبه تمامًا رائحة القبر.ببطء…ارتفعت يدٌ صغيرة من خلف كتف الطفلة…ثم أخرى…ثم…خرجت العجوز.لكنها لم تكن كما كانت.جسدها منحني أكثر،ورأسها يتدلّى بشكل غير طبيعي،وعيناها… مثبتتان عليّ دون أن ترمش.كانت تمسك بشيء في يدها.اقتربت خطوة…ثم رفعت يدها…كان القيثار.نفسه.نفس القيثار الذي وجدته بين الأشجار.لكن…كان مكسورًا.وملطخًا… بالدم.توقّف قلبي لوهلة.قالت بصوتٍ مبحوح، كأن الت
نظرت إليّ… وقالت: ما بك؟ لماذا أنت خائف؟ هل نسيت من أكون أنا… أو تلك الطفلة؟ نظرتُ إلى الباب… فإذا بتلك الطفلة تقف عنده، تعلو وجهها ابتسامة خفيفة، ونظرات حادّة تخترقني. تملّكني الخوف، وبدأت أصرخ بصوتٍ عالٍ… ولم تمضِ سوى لحظات حتى سُمِع طرقٌ عنيف على الباب. ثم جاء صوت من الخارج : "هل أنت بخير؟ افتح الباب… هيا!" تشتّتُ قليلًا، ثم التفتُّ إلى المكان الذي كانت تجلس فيه العجوز مع الطفلة… لكن المفاجأة… لقد اختفتا! عاد الطرق على الباب من جديد، وصوتٌ يلحّ من الخارج. قمتُ وفتحت الباب، فإذا بجاري يقف أمامي. قلت: مرحبًا… تفضل. قال بقلق: هل أنت بخير؟ أجبته: نعم… كان مجرد حلم سيئ، ربما بسبب الدواء. قال: هذا جيد، لقد أقلقتني عليك. ثم عاد إلى منزله، وأنا عدتُ إلى فراشي لأكمل نومي. كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. استلقيتُ وأنا ما زلت خائفًا… وسرعان ما غصتُ في النوم من جديد. فجأة… شعرتُ بأصبعٍ يضغط على كتفي، وصوتٍ يكرر اسمي. أفقتُ ببطء، مثقلًا بالتعب، وفتحتُ عينيّ… وليتني لم أفعل. كانت الطفلة هي من توقظني، وكان الصوت… صوت العجوز. لكن… هذا ليس منزلي. أنا في المقب
كانت العجوز والطفلة بانتظاري…وجاري ممدّدًا على سرير نقل الجثث.لم أصرخ…لم أتحرّك…كنتُ فقط واقفًا هناك،كأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة.كان المكان باردًا… أكثر مما ينبغي،والهواء ثقيلًا… خانقًا،كأنني لا أتنفّسه… بل يبتلعني.خطوتُ خطوةً إلى الداخل،ثم أخرى…وعيناي لا تفارقان ذلك المشهد.ارتجفت يداي.همستُ بصوتٍ مكسور:"هذا… ليس حقيقيًا…"لكنني… كنتُ أعلم.اقتربتُ ببطء،كأن كل خطوة تُنتزع مني انتزاعًا،حتى وقفتُ إلى جانبه.مددتُ يدي…بتردد… بخوف…ولمستُ وجهه.بارد.صلب.خالي من الحياة.سحبتُ يدي بسرعة،وكأنني لامستُ شيئًا لا ينبغي لمسه.وفي تلك اللحظة…سمعتُ صوتَ تنفّس.لكن…لم يكن مني.بل كانت هي…تقترب…كأنها ترغب في معانقتي،وسط تلك الأجواء التي لا تُحتمل.تراجعتُ خطوة… ثم أخرى،ثم استدرتُ فجأةً وركضتُ في الاتجاه الذي جئتُ منه.وعندما وصلتُ إلى الدرج،تعثّرتُ…فسقطتُ من الأعلى.كانت عيناي تُغلقان ببطءٍ شديد،وكنتُ أسمع تلك الأصوات… وهي تبتعد.حتى…غِبتُ عن الوعي.—استيقظتُ في الصباح،وأنا على سريري.وتبيّن أن رأسي قد ارتطم بالأرض حين سقطت…ففقدتُ الوعي.بينما كان الطبيب يقف بجانب
كانت تقف… في نهاية الممر.لم تعد مجرد همساتٍ بعيدة،بل أصبحت واضحة… قريبة…تدور حولي كأنها تحاصرني.حبستُ أنفاسي."من هناك…؟"خرج صوتي خافتًا، غريبًا…كأنه لا ينتمي إليّ.نظرتُ حولي.الممر طويل… شبه خالٍ…تغمره إضاءة صفراء باهتة،تجعل كل شيء يبدو مريضًا.خطوة…ثم أخرى…والصوت يقترب."لقد تأخرت…"تج
عندما أشارت باتجاه…توقّف الزمن.لم يكن اتجاهها عشوائيًا…كانت تشير إلى شيء أعرفه جيدًا.التفتُّ .. ببطء….قلبي بدأ ينبض بعنف،وكأنّه يعرف ما سأراه قبل أن تقع عيناي عليه.الطريق كان خاليًا…لكن في نهايته…كانت هناك المقبرة.نفسها.نفس السور…نفس الصمت الثقيل الذي يُخفي أكثر مما يُظهر.عدتُ بنظري إل
وآثارُ أقدامٍ تخرج منه…وتتجه نحوي…أصابتني حالةٌ من الجمود، وكأن العالم بأكمله ينظر إليّ.حاولتُ أن أبدو ثابتًا قدر المستطاع، حاولتُ جاهدًا أن أكون ذلك الشخص القوي الذي لا يخشى شيئًا، لكن سرعان ما تسارعت دقات قلبي، وخارت قواي، وبدوتُ كطفلٍ لم يُكمل العامين، يحاول جاهدًا أن يركض.أغمضتُ عينيّ وأخذ
في ذات مساء، كانت السماء صافيةً تملؤها النجوم، وبينما أنا غارقٌ في أفكاري، سمعتُ صوتًا بداخلي، كان يُخاطب شخصًا ما. حاولتُ مرارًا أن أعرف من يُخاطِب، حتى أدركتُ ذلك الشخص الماثل أمامه، حيث دار حديثٌ مُحمّلٌ بالعتاب، وكلماتٍ تحمل في طياتها قسوةً موجعة. كان عتابًا بين العقل والقلب،







