LOGINاتجمدت ليان داخل الخزانة.
يد آدم كانت تضغط على يدها بقوة، كأنه يحاول أن يمنعها من إصدار أي صوت حتى لو كان نفسًا واحدًا. أما الغريب داخل الغرفة... فكان يتحرك ببطء. صوت خطواته على الأرض الخشبية كان حادًا بشكل مزعج. توقف قرب الطاولة. ثم بدأ يفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر. كأنه يبحث عن شيء محدد. دفتر المذكرات. ابتلعت ليان ريقها بصعوبة. كانت تسمع كل شيء. حتى صوت تنفسه. فجأة... توقف الرجل. سكون كامل. ثم قال بصوت منخفض: - أعرف أنك هنا... تجمد الدم في عروقها. أكمل: - ليان... ارتجفت. كيف يعرف اسمها؟ شدّ آدم على يدها أكثر. لكن المفاجأة لم تكن هنا. الرجل أكمل بصوت هادئ: - ليس عليكِ الاختباء. صمت لحظة. ثم قال الجملة التي جعلت قلبها يسقط: - لأنكِ أنتِ من يجب أن تقرأي ما تركته نور. اتسعت عينا ليان. نور؟ الرجل يعرف المذكرات؟ تحرك آدم ببطء شديد. همس في أذنها: - لا تتحركي مهما حدث. لكن قبل أن يكمل... صدر صوت ارتطام قوي. الرجل أسقط شيئًا على الأرض عمدًا. ثم قال: - آدم... أعلم أنك هنا أيضًا. ارتجف آدم للمرة الأولى. ليان نظرت إليه. - تعرفه؟ لم يجب. لكن نظرة عينيه كانت كافية. هذا ليس غريبًا عاديًا. هذا شخص من الماضي. فجأة... اقترب الرجل من الخزانة. خطوة... خطوتين... ثلاثة... ووضع يده على الباب الخشبي مباشرة. ثم همس: - انتهى الاختباء. وفي لحظة واحدة... فتح الباب بعنف. لكن الخزانة كانت فارغة. لم يكن هناك أحد. لأن آدم كان قد سحب ليان من فتحة خلفية داخل الخزانة تقود إلى ممر سري. كانا يركضان داخل ممر ضيق ومظلم. وصوت الرجل خلفهما يزداد غضبًا. - لن تخرجا من القصر حيّين! ليان تتعثر. لكن آدم يمسك بها ويجبرها على الاستمرار. - من هذا؟! صرخت. - ليس الآن! أمامهما باب معدني قديم. دفعه آدم بكل قوته. فتح الباب وخرجا إلى غرفة أخرى. لكن عندما أدارا خلفهما... لم يكن هناك ممر. الممر اختفى. كأنه لم يكن موجودًا من الأساس. توقفت ليان تلهث. - ماذا يحدث هنا؟ هذا القصر ليس طبيعيًا! نظر آدم إليها لأول مرة بنظرة مختلفة. نظرة فيها شيء من الألم. - قلت لكِ من البداية... - هذا القصر مبني على كذبة. ثم اقترب منها خطوة. - وليست كذبة عادية. صمت. ثم قال الجملة التي قلبت الفصل كله: - بل على جريمة قتل واحدة... لكن ضحاياها أكثر من مجرد شخص. وفجأة... سمعا صوت صرخة في الطابق العلوي. صوت امرأة. لكن الأكثر رعبًا... أن الصوت كان يشبه صوت أم ليان تمامًا. تجمدت ليان في مكانها. صوت الصرخة لا يزال يتردد داخل أذنيها. “صوت أمي…” لكن هذا مستحيل. أمها كانت تقول دائمًا إن أختها ماتت منذ سنوات طويلة… ولا أحد بقي من تلك الليلة. التفتت إلى آدم بسرعة. - دي أمي… أنا متأكدة! لكن آدم لم يجب. كان ينظر للأعلى… وكأن عقله يحاول تحليل شيء أكبر من اللحظة نفسها. ثم قال بصوت منخفض: - لو ده صحيح… يبقى إحنا دخلنا في الجزء اللي كان لازم يفضل مدفون. قبل أن تسأله ليان ماذا يقصد… تكرر الصوت مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن صراخًا فقط. بل كلمات. - “ليان… ابعدي عن الغرفة 17…” شهقت بقوة. نفس الرسالة. نفس التحذير. نفس الصوت. خطت خطوة للأمام دون وعي. - أمي؟! أمسك آدم ذراعها بقوة. - لا! لكنها سحبته. - دي أمي بتناديني! وفي لحظة اندفعت خارج الغرفة. ركضت في الممر بسرعة جنونية. آدم خلفها يحاول اللحاق بها. لكن القصر كان يتغير. الممرات التي كانت أمامها منذ دقائق… اختفت. وأبواب جديدة ظهرت. وأضواء لم تكن موجودة. كأن القصر يعيد ترتيب نفسه. وقفت فجأة أمام سلم ضخم يقود للطابق العلوي. ومن هناك… صدر نفس الصوت مرة ثالثة. - “ليه رجعتي يا ليان…” ارتجفت بشدة. لكن هذه المرة لم يكن الصوت قادمًا من الخارج فقط. بل من داخل رأسها أيضًا. وضعت يدها على أذنها. - اسكتي! اسكتي! وصل آدم إليها أخيرًا. أمسكها من كتفيها. - ليان… مش ده صوت أمك. - إنت مش فاهم! - أنا فاهم أكتر مما تتخيلي. صمت لحظة. ثم قال: - الصوت ده متسجل… مش حي. تجمدت. - متسجل؟ أومأ برأسه. - القصر ده كله بيتكلم بصوت ناس ماتت. ثم أشار للأعلى. - واللي فوق دلوقتي… عايزك تروحي له. - مين؟ نظر لها نظرة قاتمة. - اللي قتل نور. وفي نفس اللحظة… انطفأت كل الأنوار. وغرق القصر في ظلام كامل. لكن وسط الظلام… بدأ صوت خطوات كثيرة. من كل اتجاه. ليست خطوة واحدة. بل عشرات. كأن القصر كله أصبح مليئًا بأشخاص غير مرئيين. همست ليان: - إحنا فين؟ جاءها صوت آدم قريب جدًا: - في المكان اللي بدأ فيه كل شيء. ثم فجأة… أُضيء ضوء أحمر خافت في نهاية السلم. وكُتب على الجدار بحبر قديم: "من يدخل هذا الطابق… لن يخرج كما كان." بدأت ليان تصعد السلم رغم خوفها. آدم خلفها مباشرة. لكن قبل أن تصل للدرجة الأخيرة… أمسكها من يدها بقوة. - آخر فرصة. - على إيه؟ نظر لها بعمق. - لو شفتي الحقيقة هناك… مش هتقدري تثقي في أي حد بعد كده. حتى أنا. ثم ترك يدها. وصعدت. وفتحت الباب. لتجد غرفة ضخمة… وفي منتصفها سرير قديم عليه صورة لها وهي طفلة. لكن ليس هذا ما صدمها. بل المرأة الجالسة بجانبه. التي رفعت رأسها ببطء… وقالت بابتسامة هادئة: - أخيرًا رجعتي… يا بنتي.ساد صمت مرعب داخل الغرفة. لم تتحرك ليان. حتى أنفاسها بدت وكأنها توقفت. كانت الجملة ما تزال تتردد في رأسها: "ليان لازم تعرف إنها مش بنتي." نظرت إلى سارة. ثم إلى آدم. ثم إلى المكان الذي اختفى فيه يوسف. همست: ـ يعني إيه... مش بنته؟ لم يجب أحد. اقتربت من جهاز التسجيل المعلق في السقف، وكأنها تريد التأكد أن ما سمعته لم يكن وهمًا. قالت بصوت مرتجف: ـ شغلوا التسجيل تاني. نظر حسام إلى أحد رجاله. أعاد المقطع. وجاء صوت يوسف من جديد: ـ لو حصل لي حاجة... ليان لازم تعرف إنها مش بنتي. ثم توقف التسجيل. صرخت ليان: ـ كفاية! ضربت بيدها على الطاولة. ـ أنا عايزة الحقيقة! اقترب آدم منها. ـ ليان... ابتعدت عنه. ـ إنت كنت عارف؟ تجمد. ـ عارف إيه؟ ـ إن بابا مش أبويا؟ لم يجب فورًا. وكان صمته كافيًا ليزيد شكها. قالت: ـ آدم! تنهد. ـ كنت شاكك. ـ لكن ما كانش عندي دليل. نظرت إليه بألم. ـ وليه ما قلتليش؟ ـ لأن أبوكي كان بيحاول يحميكي. ـ وكل مرة كنت بتسألي عن الحقيقة، كان بيحصل شيء يخلينا نرجع خطوة. ضحكت ليان بسخرية وسط دموعها. ـ تحمون
— الصندوق الأخيرلم يتحرك أحد.ظلت كلمات ليان معلقة في الهواء:"مفيش أسرار تاني."لكن الصمت الذي أعقبها كان كافيًا ليؤكد أن الجميع ما زال يخفي شيئًا.رفعت ليان المفتاح أمام أعينهم.ـ أنا مش هفتح أي حاجة قبل ما أفهم.نظرت إلى يوسف.ـ إنت قلت إن المفتاح ده بيفتح صندوق عينات الدم.ـ فين الصندوق؟تردد يوسف.ـ تحت القصر.قالت:ـ وريني الطريق.تدخل حسام:ـ هنروح كلنا.لكن سارة هزت رأسها.ـ لأ.نظر إليها.ـ ليه؟قالت:ـ لأن المكان اللي تحت القصر مش مجرد مخزن.ـ نادية كانت بتسميه "الغرفة الأخيرة".شعرت ليان بقشعريرة.ـ غرفة أخيرة؟أومأت سارة.ـ لأنها كانت آخر مكان وصلت له قبل موتها.تجمد يوسف.ـ سارة...قالت:ـ كفاية يا يوسف.ـ ليان لازم تعرف.ثم التفتت إلى ليان.ـ أمك ما كانتش بتحقق في جرائم سليم بس.ـ كانت بتحقق في حاجة أخطر.سألت ليان:ـ إيه؟أجابت:ـ أصل العيلة.لم تفهم ليان.ـ يعني إيه؟قال مالك:ـ نادية اكتشفت إن فيه شخص من العيلة...ـ كان بيزور أنساب وأوراق ملكية وأسماء.ـ وكان بيغير هويات أشخاص بالكامل.قالت ليان:ـ وليه؟صمت.ثم قال:ـ علشان يخفي وراثة معينة.تدخل حسام:ـ وراثة إيه؟
ظل الهاتف في يد ليان بعد انقطاع المكالمة.لم تستطع أن تتحرك.كانت آخر كلمات آدم تدور في رأسها بلا توقف:"الخائن مش موجود في القصر... هو أقرب شخص ليكي."رفعت عينيها ببطء.وقعت نظرتها على يوسف.ثم على سارة.ثم على مالك.وأخيرًا على حسام.أربعة أشخاص...وأحدهم قد يكون أقرب شخص إليها.قال حسام بهدوء:ـ ما نستنتجش حاجة من كلام آدم دلوقتي.ردت ليان:ـ هو كان بيحاول يحذرني.قال يوسف:ـ ويمكن كانوا بيجبروا عليه يقول الكلام ده.التفتت إليه بسرعة.ـ وإنت ليه أول واحد بتدافع عن نفسك؟تجمد يوسف.ـ أنا ما دافعتش عن نفسي.ـ بس خفت من الكلام.اقتربت منه.ـ بابا...ـ هل فيه حاجة آدم عرفها عنك وأنا ما أعرفهاش؟لم يجب.ساد الصمت.قالت ليان:ـ رد عليا.أخفض يوسف عينيه.ـ فيه حاجات...ـ بس مش زي ما إنتِ فاكرة.صرخت:ـ أمال إيه؟!تدخلت سارة:ـ يوسف، كفاية أسرار.رفع رأسه إليها.ـ إنتِ ملكيش حق تتكلمي عن الأسرار.ـ نادية ماتت وهي فاكرة إنك هترجعي لها.تغير وجه سارة.ـ وأنا رجعت.ـ بس بعد فوات الأوان.قال يوسف:ـ رجعتي بعد عشرين سنة.ردت:ـ لأنك أنت اللي خليتني أعتقد إن ليان ماتت.تجمدت ليان.ـ إيه؟نظرت إل
......أخت ناديةلم تتحرك ليان.كانت تنظر إلى المرأة الواقفة بجوار مالك، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.ملامحها...عيناها...حتى الطريقة التي كانت تنظر بها إليها...كل شيء كان يحمل شيئًا من نادية.لكنها لم تكن نادية.قالت ليان بصوت مرتجف:ـ أخت ماما؟أومأت المرأة ببطء.ـ اسمي سارة.تقدمت خطوة.ـ وأنا أخت نادية التوأم.شهقت ليان.ـ توأم؟نظر يوسف إلى سارة وكأنه يرى شبحًا.قال:ـ إنتِ...توقفت سارة أمامه.ـ اتفاجئت؟ـ كنت فاكر إنك ماتّي؟لم تجبه.بل قالت:ـ زي ما خلتوا الكل يفتكر إن مالك مات.اشتد وجه يوسف.ـ إنتِ كنتي عارفة إنه عايش؟قالت:ـ عرفت من زمان.ـ لكني ما كنتش أعرف إنه هيرجع.تدخلت ليان:ـ أنا مش فاهمة حاجة.التفتت إليها سارة.ـ عارفة.ـ وعشان كده أنا هنا.قالت ليان:ـ ماما كانت عندها أخت توأم؟ـ أيوه.ـ ليه محدش قالي؟نظرت سارة إلى يوسف.ـ لأنه كان لازم السر يفضل مدفون.صرخت ليان:ـ كل أسراركم بتتدفن وأنا اللي بدفع تمنها!تقدم مالك.ـ ليان...رفعت يدها.ـ متقربش.توقف.ـ أنا مش عارفة أصدق مين.قال مالك:ـ من حقك.ـ لكن لو عايزة تعرفي الحقيقة، لازم تسمعيني.قالت:ـ الحقيقة الل
ظلت ليان تحدق في الرسالة."ما تثقيش في يوسف."كانت الكلمات قليلة...لكنها كانت كافية لتقلب كل شيء داخلها.رفعت عينيها ببطء.كان يوسف واقفًا أمامها، يراقبها بقلق.قال:ـ فيه إيه؟لم تجبه.أعاد السؤال:ـ ليان... مين بعت الرسالة؟أغلقت الهاتف في يدها.ـ محدش.اقترب منها.ـ متأكدة؟هزت رأسها.ـ أيوه.لكن يوسف عرف من نظرتها أنها تكذب.اقترب حسام منهما.ـ لازم نخرج من هنا فورًا.قال يوسف:ـ وآدم؟ـ هنرجعه.صرخت ليان:ـ إزاي؟!ـ إحنا حتى مش عارفين خدوه فين!أجاب حسام بثبات:ـ الرسالة معناها إنهم عايزين المفتاح.ـ يبقى أكيد هيظهروا تاني.نظرت ليان إلى المفتاح.ثم أغلقت يدها عليه.ـ مش هديهم المفتاح.قال يوسف:ـ وده الصح.رفعت عينيها إليه.للحظة...شعرت بشيء غريب.لم تكن تعرف لماذا بدأت تشك فيه.لكن الرسالة زرعت داخلها سؤالًا لم تستطع التخلص منه.هل كان يوسف فعلًا يخفي عنها شيئًا؟---خرجوا من الغرفة بحذر.كان النفق هادئًا بشكل مخيف.لا صوت.لا حركة.ولا أثر لسليم.قال حسام:ـ لازم نرجع القصر.رد يوسف:ـ القصر مش آمن.ـ سليم عرف مكاننا هنا.قالت ليان:ـ يبقى نروح فين؟صمت يوسف.ثم قال:ـ مكان
— المرأة خلف البابتجمدت ليان أمام الباب.لم تعد تسمع صوت آدم...ولا حسام...ولا حتى أنفاس يوسف المتقطعة.كل ما كان يملأ أذنيها هو ذلك الصوت.الصوت الذي حفظته من تسجيلات قديمة.الصوت الذي لم تسمعه يومًا وهي طفلة، لكنها شعرت طوال حياتها أنها تعرفه.صوت نادية.همست ليان:ـ ماما...؟جاء الرد من خلف الباب:ـ أيوه يا ليان.ارتجفت يدها فوق المفتاح.أما يوسف فاندفع نحوها وأمسك بمعصمها.ـ استني.نظرت إليه.ـ إنت سمعت؟ـ سمعت.ـ ده صوتها.خفض يوسف عينيه.ـ عارف.قال آدم بحذر:ـ وده بالضبط اللي يخوف.التفتت ليان إليه.ـ ليه؟ـ لأن نادية ماتت من عشرين سنة.ساد الصمت.قال حازم:ـ ممكن يكون تسجيل.هز آدم رأسه.ـ لأ.ـ الصوت بيرد علينا.اقترب حسام من الباب، ووضع أذنه عليه.وبعد ثوانٍ ابتعد.ـ في حد فعلًا ورا الباب.شهقت ليان.ـ افتح.قال يوسف بسرعة:ـ لأ.ـ بابا...ـ قلت لأ.ـ لو دي أمي؟نظر إليها بعينين ممتلئتين بالألم.ـ ولو مش هي؟اقتربت منه.ـ طول عمري بتقولي إنك بتحميني.ـ المرة دي سيبني أواجه الحقيقة.صمت يوسف.ثم ترك يدها ببطء.أخذت ليان نفسًا عميقًا.وأدارت المفتاح.صدر صوت معدني عميق.ثم ت







