LOGINتجمدت ليان في مكانها.
المرأة الجالسة أمامها كانت هادئة بشكل مرعب. ابتسامتها ثابتة. وعيناها… نفس عيون ليان تمامًا. لكن هناك شيء خاطئ. شيء لا يمكن تفسيره. ليان همست بصوت مرتجف: - مين إنتِ؟ لم تتحرك المرأة من مكانها. بل أشارت إلى السرير خلف ليان. - بصّي كويس. التفتت ليان ببطء. على السرير… كانت هناك صورة كبيرة لها وهي طفلة. لكن الصورة لم تكن طبيعية. فيها ليان… نائمة. لكن بجانبها ظل لشخص واقف. ظل ليس له ملامح. كأنه موجود… لكنه غير موجود. رجعت ليان خطوة للخلف. - ده… ده إيه المكان ده؟ سمعت صوت الباب يُغلق خلفها فجأة. التفتت بسرعة. آدم كان واقف عند الباب. لكن وجهه كان مختلفًا. هادئ أكثر من اللازم. كأن شيئًا انكسر داخله. - آدم… قولّي هي مين! لم يرد. نظر إلى المرأة. ثم قال بهدوء: - المفروض إنها ماتت. اتسعت عينا ليان. - إيه؟! ابتسمت المرأة أخيرًا. لكن هذه المرة كانت ابتسامة حزينة. - أنا ما متش يا آدم. وقفت ببطء. - أنا اتدفنت وأنا عايشة. تجمدت ليان. - اتدفنتي؟! اقتربت المرأة خطوة. - في الليلة اللي حصل فيها الحريق… سليم السيوفي قرر يمسح كل الأدلة. ثم نظرت إلى ليان مباشرة. - بما فيهم أنا. ارتجفت ليان. - إنتي مين بقى؟! صمت ثقيل. ثم قالت الجملة التي كسرت كل شيء: - أنا نور السيوفي. سقط الصمت على الغرفة. كأن الهواء اختفى. ليان تراجعت للخلف. - نور… أخت أمي؟! أومأت المرأة. - اللي المفروض ماتت… لكن الحقيقة إني كنت محبوسة هنا. أشارت إلى الجدران. - جوه القصر ده. التفتت ليان إلى آدم بسرعة. - إنت عارف الكلام ده؟! أغمض آدم عينيه لحظة. ثم قال: - أنا سايبها عايشة… عشان أعرف الحقيقة. صوت صدمة ليان كان مكتومًا. - يعني إيه سايبها؟ اقترب آدم خطوة. - القصر ده مش مجرد مكان… ده سجن. نظر إلى نور. - وإنتي كنتي أول تجربة. نور ابتسمت بسخرية. - تجربة فشلت تخلص مني. ثم التفتت إلى ليان. - وإنتي… النسخة اللي كملوا بيها المشروع. تجمدت ليان. - مشروع إيه؟! اقتربت نور أكثر. ثم همست: - مشروع “إحياء الذكريات الميتة”. سكتت لحظة. ثم قالت: - واللي بدأوه معايا… بيكملوه معاكِ دلوقتي. فجأة… انطفأت الأنوار مرة أخرى. لكن هذه المرة… لم يعد الظلام طبيعيًا. بل ظهر على الجدران صور تتحرك. أصوات أطفال. صراخ. حريق مشتعل. ليان صرخت: - إيه ده؟! آدم أمسك يدها بقوة: - ما تبصّيش! لكنها كانت قد رأت. رأت مشهد الحريق. ورأت نفسها وهي طفلة. تقف وسط النار. لكن الأغرب… أن هناك شخصًا آخر كان يسحبها للخارج. شخص يشبه آدم تمامًا. وفي نفس اللحظة… سمعوا صوت باب يُفتح من بعيد. وصوت رجل يقول: - أخيرًا… المشروع اكتمل. ليان همست: - مين ده؟ نور ردت بهدوء مرعب: - ده اللي كان بيدّعي إنه مات… سليم السيوفي. تجمدت ليان في مكانها بعد آخر كلمة قالتها نور. “سليم السيوفي…” الاسم لم يكن مجرد اسم. كان كأنه مفتاح فتح باب داخل عقلها كانت مغلقة منذ سنوات. خطت خطوة للخلف. - إنتِ بتقولي إنه عايش؟ ابتسم صوت خلفهم. لكن هذه المرة… لم يكن صوت نور. كان صوت رجل عجوز هادئ بشكل مخيف. - أنا عمري ما متّ يا ليان. تجمدت الغرفة كلها. التفتت ليان ببطء. عند باب الغرفة… كان يقف رجل في السبعينات. بدلة سوداء أنيقة. عصا خشبية. ونظرة حادة كأنها ترى ما بداخل الإنسان قبل أن يتكلم. سليم السيوفي. الجد الذي مات. أو الذي قيل إنه مات. ليان همست بصوت مكسور: - إنت… إنت المفروض ميت. اقترب خطوة داخل الغرفة. - الموت أداة… مش حقيقة. نظر إلى نور ثم إلى آدم. - واللي فاكر إنه فاهم اللعبة… لسه في أولها. آدم شدّ قبضته. - إنت السبب في كل ده. ضحك سليم بهدوء. - بل أنا اللي أنقذتكم من الحقيقة. نور صرخت فجأة: - أنقذتنا؟! إنت حبستني سنين! رفع سليم يده بهدوء. - علشان كنتِ هتفسدي كل شيء. ثم نظر إلى ليان. - وإنتي يا ليان… أكبر خطأ حصل. ارتجفت. - أنا؟! اقترب منها أكثر. - إنتِ مش حفيدتي بس. صمت. ثم قال الجملة التي جعلت قلبها يتوقف: - إنتِ “النسخة الثانية” من نور. سقوط صمت ثقيل. ليان تراجعت للخلف. - يعني إيه نسخة؟ تقدم آدم خطوة فجأة. - كفاية! لكن سليم رفع عصاه ببطء. وفجأة… أغلقت الأبواب الحديدية للغرفة بقوة. صوت صدمة جعل الجدران تهتز. ليان صرخت: - إيه اللي بيحصل؟! نور نظرت للجدران بصدمة: - هو بدأ… سليم قال بهدوء: - لا… أنا خلصت. ثم أشار إلى الأرض. بدأت الأرضية نفسها تضيء بخطوط حمراء. كأنها خرائط. كأن القصر كله أصبح دائرة واحدة. سليم تكلم بصوت منخفض: - الليلة دي… هتبدأ إعادة تشغيل الذكريات. آدم بصوت غاضب: - إنت مجنون! ابتسم سليم: - لا… أنا الوحيد اللي فاهم. ثم نظر إلى ليان مباشرة: - لما النار حصلت… مش كل حاجة اتحرقت. صمت. ثم أضاف: - بعض الذكريات… اتزرعت جواكي. تجمدت ليان. - زرعتوا إيه جوايا؟! نور صرخت فجأة: - الحقيقة! وفي اللحظة نفسها… انفجرت الإضاءة داخل الغرفة. لكن بدل الضوء… ظهرت مشاهد كاملة كأنها فيلم. ليان ترى نفسها طفلة. ترى سليم. ترى نور وهي تصرخ. وترى آدم… لكن هذه المرة… آدم كان واقفًا مع سليم. ليس ضده. ليان شهقت: - لأ… آدم صرخ: - دي مش الحقيقة! لكن المشاهد استمرت. سليم قال بصوت هادئ: - كل واحد فيكم شايف جزء… وأنا شايف الصورة كاملة. ثم اقترب خطوة أخيرة من ليان. - وإنتي يا ليان… رفع يده نحو وجهها. - دلوقتي هتفتكري كل حاجة. وفي اللحظة التي لمست فيها يده جبينها… انطفأ كل شيء. وسقطت ليان في الظلام. لكن قبل أن تفقد وعيها… سمعت صوت سليم يقول: - مرحبًا بيكي في أول ذكرى… يوم الحريق.ساد صمت مرعب داخل الغرفة. لم تتحرك ليان. حتى أنفاسها بدت وكأنها توقفت. كانت الجملة ما تزال تتردد في رأسها: "ليان لازم تعرف إنها مش بنتي." نظرت إلى سارة. ثم إلى آدم. ثم إلى المكان الذي اختفى فيه يوسف. همست: ـ يعني إيه... مش بنته؟ لم يجب أحد. اقتربت من جهاز التسجيل المعلق في السقف، وكأنها تريد التأكد أن ما سمعته لم يكن وهمًا. قالت بصوت مرتجف: ـ شغلوا التسجيل تاني. نظر حسام إلى أحد رجاله. أعاد المقطع. وجاء صوت يوسف من جديد: ـ لو حصل لي حاجة... ليان لازم تعرف إنها مش بنتي. ثم توقف التسجيل. صرخت ليان: ـ كفاية! ضربت بيدها على الطاولة. ـ أنا عايزة الحقيقة! اقترب آدم منها. ـ ليان... ابتعدت عنه. ـ إنت كنت عارف؟ تجمد. ـ عارف إيه؟ ـ إن بابا مش أبويا؟ لم يجب فورًا. وكان صمته كافيًا ليزيد شكها. قالت: ـ آدم! تنهد. ـ كنت شاكك. ـ لكن ما كانش عندي دليل. نظرت إليه بألم. ـ وليه ما قلتليش؟ ـ لأن أبوكي كان بيحاول يحميكي. ـ وكل مرة كنت بتسألي عن الحقيقة، كان بيحصل شيء يخلينا نرجع خطوة. ضحكت ليان بسخرية وسط دموعها. ـ تحمون
— الصندوق الأخيرلم يتحرك أحد.ظلت كلمات ليان معلقة في الهواء:"مفيش أسرار تاني."لكن الصمت الذي أعقبها كان كافيًا ليؤكد أن الجميع ما زال يخفي شيئًا.رفعت ليان المفتاح أمام أعينهم.ـ أنا مش هفتح أي حاجة قبل ما أفهم.نظرت إلى يوسف.ـ إنت قلت إن المفتاح ده بيفتح صندوق عينات الدم.ـ فين الصندوق؟تردد يوسف.ـ تحت القصر.قالت:ـ وريني الطريق.تدخل حسام:ـ هنروح كلنا.لكن سارة هزت رأسها.ـ لأ.نظر إليها.ـ ليه؟قالت:ـ لأن المكان اللي تحت القصر مش مجرد مخزن.ـ نادية كانت بتسميه "الغرفة الأخيرة".شعرت ليان بقشعريرة.ـ غرفة أخيرة؟أومأت سارة.ـ لأنها كانت آخر مكان وصلت له قبل موتها.تجمد يوسف.ـ سارة...قالت:ـ كفاية يا يوسف.ـ ليان لازم تعرف.ثم التفتت إلى ليان.ـ أمك ما كانتش بتحقق في جرائم سليم بس.ـ كانت بتحقق في حاجة أخطر.سألت ليان:ـ إيه؟أجابت:ـ أصل العيلة.لم تفهم ليان.ـ يعني إيه؟قال مالك:ـ نادية اكتشفت إن فيه شخص من العيلة...ـ كان بيزور أنساب وأوراق ملكية وأسماء.ـ وكان بيغير هويات أشخاص بالكامل.قالت ليان:ـ وليه؟صمت.ثم قال:ـ علشان يخفي وراثة معينة.تدخل حسام:ـ وراثة إيه؟
ظل الهاتف في يد ليان بعد انقطاع المكالمة.لم تستطع أن تتحرك.كانت آخر كلمات آدم تدور في رأسها بلا توقف:"الخائن مش موجود في القصر... هو أقرب شخص ليكي."رفعت عينيها ببطء.وقعت نظرتها على يوسف.ثم على سارة.ثم على مالك.وأخيرًا على حسام.أربعة أشخاص...وأحدهم قد يكون أقرب شخص إليها.قال حسام بهدوء:ـ ما نستنتجش حاجة من كلام آدم دلوقتي.ردت ليان:ـ هو كان بيحاول يحذرني.قال يوسف:ـ ويمكن كانوا بيجبروا عليه يقول الكلام ده.التفتت إليه بسرعة.ـ وإنت ليه أول واحد بتدافع عن نفسك؟تجمد يوسف.ـ أنا ما دافعتش عن نفسي.ـ بس خفت من الكلام.اقتربت منه.ـ بابا...ـ هل فيه حاجة آدم عرفها عنك وأنا ما أعرفهاش؟لم يجب.ساد الصمت.قالت ليان:ـ رد عليا.أخفض يوسف عينيه.ـ فيه حاجات...ـ بس مش زي ما إنتِ فاكرة.صرخت:ـ أمال إيه؟!تدخلت سارة:ـ يوسف، كفاية أسرار.رفع رأسه إليها.ـ إنتِ ملكيش حق تتكلمي عن الأسرار.ـ نادية ماتت وهي فاكرة إنك هترجعي لها.تغير وجه سارة.ـ وأنا رجعت.ـ بس بعد فوات الأوان.قال يوسف:ـ رجعتي بعد عشرين سنة.ردت:ـ لأنك أنت اللي خليتني أعتقد إن ليان ماتت.تجمدت ليان.ـ إيه؟نظرت إل
......أخت ناديةلم تتحرك ليان.كانت تنظر إلى المرأة الواقفة بجوار مالك، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.ملامحها...عيناها...حتى الطريقة التي كانت تنظر بها إليها...كل شيء كان يحمل شيئًا من نادية.لكنها لم تكن نادية.قالت ليان بصوت مرتجف:ـ أخت ماما؟أومأت المرأة ببطء.ـ اسمي سارة.تقدمت خطوة.ـ وأنا أخت نادية التوأم.شهقت ليان.ـ توأم؟نظر يوسف إلى سارة وكأنه يرى شبحًا.قال:ـ إنتِ...توقفت سارة أمامه.ـ اتفاجئت؟ـ كنت فاكر إنك ماتّي؟لم تجبه.بل قالت:ـ زي ما خلتوا الكل يفتكر إن مالك مات.اشتد وجه يوسف.ـ إنتِ كنتي عارفة إنه عايش؟قالت:ـ عرفت من زمان.ـ لكني ما كنتش أعرف إنه هيرجع.تدخلت ليان:ـ أنا مش فاهمة حاجة.التفتت إليها سارة.ـ عارفة.ـ وعشان كده أنا هنا.قالت ليان:ـ ماما كانت عندها أخت توأم؟ـ أيوه.ـ ليه محدش قالي؟نظرت سارة إلى يوسف.ـ لأنه كان لازم السر يفضل مدفون.صرخت ليان:ـ كل أسراركم بتتدفن وأنا اللي بدفع تمنها!تقدم مالك.ـ ليان...رفعت يدها.ـ متقربش.توقف.ـ أنا مش عارفة أصدق مين.قال مالك:ـ من حقك.ـ لكن لو عايزة تعرفي الحقيقة، لازم تسمعيني.قالت:ـ الحقيقة الل
ظلت ليان تحدق في الرسالة."ما تثقيش في يوسف."كانت الكلمات قليلة...لكنها كانت كافية لتقلب كل شيء داخلها.رفعت عينيها ببطء.كان يوسف واقفًا أمامها، يراقبها بقلق.قال:ـ فيه إيه؟لم تجبه.أعاد السؤال:ـ ليان... مين بعت الرسالة؟أغلقت الهاتف في يدها.ـ محدش.اقترب منها.ـ متأكدة؟هزت رأسها.ـ أيوه.لكن يوسف عرف من نظرتها أنها تكذب.اقترب حسام منهما.ـ لازم نخرج من هنا فورًا.قال يوسف:ـ وآدم؟ـ هنرجعه.صرخت ليان:ـ إزاي؟!ـ إحنا حتى مش عارفين خدوه فين!أجاب حسام بثبات:ـ الرسالة معناها إنهم عايزين المفتاح.ـ يبقى أكيد هيظهروا تاني.نظرت ليان إلى المفتاح.ثم أغلقت يدها عليه.ـ مش هديهم المفتاح.قال يوسف:ـ وده الصح.رفعت عينيها إليه.للحظة...شعرت بشيء غريب.لم تكن تعرف لماذا بدأت تشك فيه.لكن الرسالة زرعت داخلها سؤالًا لم تستطع التخلص منه.هل كان يوسف فعلًا يخفي عنها شيئًا؟---خرجوا من الغرفة بحذر.كان النفق هادئًا بشكل مخيف.لا صوت.لا حركة.ولا أثر لسليم.قال حسام:ـ لازم نرجع القصر.رد يوسف:ـ القصر مش آمن.ـ سليم عرف مكاننا هنا.قالت ليان:ـ يبقى نروح فين؟صمت يوسف.ثم قال:ـ مكان
— المرأة خلف البابتجمدت ليان أمام الباب.لم تعد تسمع صوت آدم...ولا حسام...ولا حتى أنفاس يوسف المتقطعة.كل ما كان يملأ أذنيها هو ذلك الصوت.الصوت الذي حفظته من تسجيلات قديمة.الصوت الذي لم تسمعه يومًا وهي طفلة، لكنها شعرت طوال حياتها أنها تعرفه.صوت نادية.همست ليان:ـ ماما...؟جاء الرد من خلف الباب:ـ أيوه يا ليان.ارتجفت يدها فوق المفتاح.أما يوسف فاندفع نحوها وأمسك بمعصمها.ـ استني.نظرت إليه.ـ إنت سمعت؟ـ سمعت.ـ ده صوتها.خفض يوسف عينيه.ـ عارف.قال آدم بحذر:ـ وده بالضبط اللي يخوف.التفتت ليان إليه.ـ ليه؟ـ لأن نادية ماتت من عشرين سنة.ساد الصمت.قال حازم:ـ ممكن يكون تسجيل.هز آدم رأسه.ـ لأ.ـ الصوت بيرد علينا.اقترب حسام من الباب، ووضع أذنه عليه.وبعد ثوانٍ ابتعد.ـ في حد فعلًا ورا الباب.شهقت ليان.ـ افتح.قال يوسف بسرعة:ـ لأ.ـ بابا...ـ قلت لأ.ـ لو دي أمي؟نظر إليها بعينين ممتلئتين بالألم.ـ ولو مش هي؟اقتربت منه.ـ طول عمري بتقولي إنك بتحميني.ـ المرة دي سيبني أواجه الحقيقة.صمت يوسف.ثم ترك يدها ببطء.أخذت ليان نفسًا عميقًا.وأدارت المفتاح.صدر صوت معدني عميق.ثم ت