Masukساد صمتٌ ثقيل أرجاء غرفة الطعام الفسيحة، صمتٌ لم يقطعه سوى الرنين الخافت للملاعق الفضية وهي تصطدم بالأطباق الخزفية. كان الجميع يجلسون حول المائدة الطويلة التي بدت في تلك اللحظة وكأنها ساحة حرب باردة.
توسط الجد أكرم رأس المائدة بهيبته المعتادة، بينما جلس سفيان بمواجهته، يراقب الوجوه من حوله ببرود يشبه هدوء ما قبل العاصفة. لم يلمس طعامه بعد، بل كان يشعر بزهوٍ غريب وهو يرى نظرات التمرد المكتوم في عيون بنات عمه؛ لم يكن زهوه حباً في السلطة لذاتها، بل رغبةً جامحة في إعادة ترويض هذا الشتات الذي رآه منذ لحظة وصوله. وضع الجد منديله الورقي ببطء، ثم تنحنح بصوتٍ جهوري جعلت الجميع يتوقفون عن تقطيع قطعة اللحم أمامهم ،وقال: "اسمعوا جيداً.. من اليوم، سفيان هو المسؤول الأول والأخير عن مجموعة شركات الجبيلي، له الحق في التعيين، والإقالة، وإعادة الهيكلة....والجميع سيكون عليه تنفيذ أوامر سفيان " ثم وجّه نظره نحو نحو ليلى قائلاً بنبرة حادة لا تقبل النقاش : " ليلى كل صفقات الشركة سواء صفقات مالية أو تجارية سلّميها لسفيان " لم يكتفِ الجد بذلك، بل أضاف بنبرة صارمة لا تقبل الجدل: "وليس الشركات فقط، بل هنا أيضاً في القصر.. أي خطوة خارج عتبة هذا البيت، أو أي أمر يخصكن، لا يتم إلا بإذنه فقط .....سفيان هو كبير هذه العائلة في حضوري وفي غيابي ! " وقع الكلمات كان كالصاعقة التي شقت صفوف الحاضرين. ، ليلى كانت تنظر لجدها بعدم تصديق؛ وتفكر كيف يُسلّم تعب سنوات لهذا "العائد من الغربة"؟ شعرت بإهانة كبرى لكرامتها وطموحها الذي بنته في الشركة، كانت أنفاسها تتسارع وعيناها تلمعان بتحدٍ مكتوم وشعرت بدمائها تغلي، لم تعد تحتمل هذا القيد الذي يُلف حول عنقها. وعيناها تشتعلان غضباً، وقالت بصوتٍ اهتز له القصر: " أهذا هو قرارك النهائي يا جدي؟ أن تضع رقابنا تحت سيف رجل غريب لا نعرف عنه شيئاً سوى أنه يحمل اسمنا؟ " ثم أكملت بحقد وغضب : " ثم أنا التي أفنيت عمري في الشركة، أُصبح الآن مجرد تابعة تأخذ الإذن منه لتتنفس؟ لا يا جدّي لن أسلّم له الصفقات التي تعبت من أجلها للحصول عليها .... أنا أكثر شخص اهتمّ بالشركة وحاولت بجد من أجلها والآن تريد مني تسليم كل هذا لسفيان !؟ " " أيّ منطق هذا ؟ لن أقبل بهذا أبداً يا جدّي " رد الجد بحدة وهو يطرق بعصاه الأرض: "اصمتي يا ليلى! سفيان ليس غريباً، هو الوريث الشرعي، وما أقوله سيف يُنفذ على الرقاب! ....ثم تقولين تعبتِ من أجلها ؟ أنتِ لم تتولي أمور الشركة ...لقد أشرفتِ عليها فقط أنا من كنت أقوم بالصفقات وأجعلكِ تشرفين عليها لا أكثر " شعرت بألم يعصر قلبها كادت دموعها تهبط ولكنها كتمتها بقوة ....لن تُهين كرامتها أبداً أمامه ! ولم تتراجع ليلى، بل وجهت حديثها لسفيان الذي كان يتناول طعامه بهدوء شديد ووجه جامد دون أن ينطق بكلمة : " أخبره يا سفيان.. أخبره أنك لا تملك الحق في سلبنا حريتنا. هل تظن أنك بسطوتك هذه ستكسرنا؟ نحن بنات الجبيلي، ولسنا جواري في مملكتك الخاصة! ولا تظن أنّك تستطيع السيطره علينا....نحن لن نقبل بهذا أبداً " اندفعت حور مساندة لأختها بصرخة احتجاج: " نعم يا جدي ليلى على حق ، نحن لسنا قاصرات! كيف نأخذ إذنه في كل صغيرة وكبيرة؟ هل سأقف أمام مكتبه كالتلميذة لأستأذن في الخروج؟ هذا ذل لا نقبله! " أما حياة فقالت برجاء وبصوتٍ يائس ، تحاول استعطافه : " جدي، أرجوك أنا لدي دراستي وحياتي، هل سيتحكم هذا الرجل حتى في مواعيد محاضراتي؟ " ثم هتفت جميلة بغضب ونبرة حادة : " هذا ليس عدلاً يا جدي.. سفيان أخينا نعم، لكنه الآن يتصرف كسجّان لنا، وليس كفرد من العائلة! " سفيان، الذي ظل صامداً كالتمثال طوال موجة الغضب هذه، توقف عن تناول الطعام ووضع ملعقته جانبًا ثم أخد المنديل من على الطاوله ومسح بها فمه برقيّ ثم ابتسم ابتسامة جانبيه هادئة ثم تحدّث بنبرة جامدة وبرود مستفز : " التمرد لا يليق بكن يا بنات عمي.. ومن اليوم، القواعد تغيرت. من أرادت الخروج فلتأتِ إليّ، ومن أرادت العمل فلتثبت جدارتها تحت إمرتي." " ويا ليلى ليس هناك شركة واحدة بل العديد من الشركات ...الشركة التي بذلتِ مجهودًا فيها لن آخذها منك وستستمرين في إداراتها " " الاختلاف فقط أنكِ لن توافقي على أي صفقة دون الرجوع إليّ أولاً " ثم وجّه نظره نحو حور وحياة مبتسمًا لهم بلطف قائلاً : " حياة وحور لن أمنعكن من الذهاب لإي مكان ولن أفرض سيطرتي عليكي لأنني أعتبركن كأخوتي كل ما عليكن فعله هو أن تخبرونني عندما تذهبون لمكان ما ....يكفي فقط أن تخبروني " " وأيضا جميلة ...." انفزعت بخوف بعد أن وجّه أنظاره لها ثم قالت بتلعثم : " ن..نعم " ضحك بخفه قائلاً بابتسامة ونبرة مرحه : " إن كنتي تريدنني أن أسجنكِ أو أن أتصرّف كسجّان فليس لدي مشكله هذا سهل بالنسبة لي " ابتسمت جميلة بتوتر ثم قالت بنبرة استسلام مرحة : " لا لا لا تزعج نفسك بهذا يا أخي ...أنت جيد هكذا " نظرت الفتيات لها بانزعاج يتوعدون لها بالويل بينما ضحك سفيان والجد عليها بخفه حمحم الجد قائلاً بنبرة جادة موجّهاً حديثه لإحفاده : " هاا ما رأيكن الآن ....أعتقد أنّ هذا لم يعد غير عادل كما تقولون " عقدت الفتيات ساعديها ونظرن لبعضهن البعض ثم نظرت ليلي لسفيان بتحدي ثم هتفت ليلى بقوة مصطنعه : " حسناً إذا كان هكذا فليس لدينا مشكلة " نظر الجد وسفيان لبعضهم البعض ثم ابتسما ووسط هذا الضجيج، كانت عينا سفيان تزيغان رغماً عنه نحو تلك الزاوية الهادئة حيث تجلس كوثر كانت وكأنها في عالمٍ آخر، لم تنطق بكلمة، ولم تهتز لصرخات البنات. تأمل سفيان ملامحها الشاحبة التي يزينها حزنٌ غامض، وتساءل في نفسه: "كيف لهذه الرقة أن تحمل كل هذا الجمود؟ وكيف لعينين لا تريان أن تخترقا حصوني وتجعلني أشعر بهذا الشكل ؟! " كان يراقب حركة يديها وهي تتحسس حواف مقعدها بضياع، وشعر بوخزة في قلبه لأول مرة؛ إعجاب بقوتها الصامتة بدأ يتسلل لأسوار قلبه الحصينة. شعر برغبة عارمة في حمايتها، وفي نفس الوقت في كسر ذلك الصمت الذي يغلفها. أمّا نارين كانت تراقب المشهد بابتسامة نصر وفخر ولكن ما إن لاحظت نظرات سفيان لتلك الفتاة العمياء جعلتها تدخل في دوامة من القلق؛ ماذا لو تخلى عنها سفيان ؟؟ في هذا المكان ماذا لو ضاع منها كل شئ فعلته حتى الآن ؟ لقد مرّت بالكثير حتى تتزوج من سفيان بالتأكيد لن تتخلى عنه بهذه السهولة أبداُ وبالاخص لفتاة لا تستطيع حتى الرؤية ! . حمحمت كوثر وهي تنهض من مقعدها لتجذب انتباه الجميع لها : " جدّي سأخرج للجلوس في الحديقة قليلاً " ثواني وانفجرت الفتيات ضحكاً غصباً عنهم بعد كل هذا الكلام والجو المشحون بالتوتر وأوامر سفيان لقد ضربت بكل هذا عرض الحائط توقفن عن الضحك بعد أن ناظرهن بنظرة حادة غاضبه ثم وجّه نظره لكوثر قائلاً بجدية: " ألاَ يجب أن تُخبرينني بهذا بدلاً من جدّي ؟ " التفت كوثر نحو الصوت قائلة ببرود وجمود : " ولِما عليّ أن أُخبرك بهذا بدلاً من جدّي ؟؟ " " ماذا تعنين بهذا ؟ " هتف بغضب ونبرة حادة وقبل أن تُجيب أجابه الجد أكرم بجدية : " سفيان ستأخذ كوثر الإذن مني أنا ...لا تحتاج لأن تُخبرك بكل شئ" اعترض سفيان حديثه قائلا بنبرة حادة قليلاً يغلفها الجدية: " ولكن جدّي أنا قُلت هذا الكلام للجميع لِما يجب عليها أن تُخالف أوامري وأن تأخذ الإذن منك ؟ مثلها مثل الفتيات إنها ليست مختلفه عنهن " تنهد أكرم بتعب قائلاً : " سفيا...." قاطع حديثه كوثر التي تحدثت بنبرة حادة باردة : " هذا الكلام ينطبق عليهن لا عليّ سفيان " في تلك اللحظة، تجمد الزمان والمكان بالنسبة لسفيان. خفق قلبه بعنف، دقة واحدة قوية هزت قفصه الصدري وكأنها طبول حرب تعلن استسلام حصونه. سكنت حركته تماماً، وتسمرت عيناه على الفراغ الذي خلفته وراءها. شعورٌ غريب، مرعب وممتع في آنٍ واحد، اجتاحه كالشلال؛ شعر بزلزال يضرب ثباته؛ لم تكن مجرد كلمة، بل كانت نبرة صوتها وهي تنطق اسمه "سفيان" لأول مرة.. يالله! كانت نغمة سكنت أعماقه فوراً، جعلته يشعر برغبة مجنونة وغير مفهومة في أن يركض خلفها، أن يحيط وجهها الشاحب بيديه ويقبل جبينها وشفتيها أو يضمها إليه ليمتص ذلك الحزن والجمود الذي يغلفها. استفاق سفيان من دوامة أفكاره وهو يشعر بحرارة تجتاح جسده " تقبيلها الآن؟! " صرخ عقله بذهول. " هل جُننت يا سفيان ؟!! ، كيف لفتاة لم يراها إلا منذ ساعات، فتاة لا تراه أصلاً، أن تقتحم حصونه بهذه البساطة؟ "هتف الطبيب بسرعة وخوف بعد أن رأى غضبهن: ـ "إنه فقط.. مرض السكري!" رددت جميلة الكلمة بتعجب واستغراب: ـ "مرض السكري؟!.. ولكن جدي ليس مريضاً بالسكر في الأساس! " حمحم الطبيب بتوتر قبل أن يجيب بجدية: ـ "حسناً.. مرض السكري شائع جداً ويصيب معظم كبار السن في هذا العمر، لذا هو أمر عادي ولا داعي للقلق." صرخت به حياة بغضب وحدة : ـ "لا داعي للقلق؟! إذا كنت لا تريدنا أن نقلق، فلماذا ظللت صامتاً ومتردداً هكذا في البداية لتثير رعبنا؟" أجاب الطبيب بإحراج وتوتر واضح: ـ "أنا أعتذر عن هذا.. ولكن في الحقيقة، السيد أكرم هو من طلب مني ألا أخبركم بأي شيء لأنه لم يكن يريد إزعاجكم أو إقلاقكم، ولهذا السبب كنت متردداً في الكلام." هتفت ليلى بانزعاج وضيق من تصرف جدها: ـ "هذا العجوز.. لن يفلت مني عندما أراه فـ..." قاطعتها كوثر قائلة بقلق ما زال يسيطر عليها: ـ "انتظري يا ليلى.. إذن أيها الطبيب، هل نستطيع الدخول ورؤيته الآن؟" أجابها الطبيب بلطف: ـ "بالطبع يمكنكم رؤيته، ولكن غداً.. اليوم يحتاج إلى الراحة التامة، لذا دعوه ينام قليلاً." أومأ الجميع برؤوسهم وأطلقوا تنهيدة طويلة ملي
هرول سفيان في طرقات المستشفى الطويلة بقلبٍ يخفق رعباً، حتى وصل إلى أمام غرفة الطوارئ التي يرقد بها جده. وعندما وصل، وجد الفتيات يتجمعن أمام الغرفة؛ ملامح القلق والخوف كانت ترتسم على وجوههن جميعاً، ومنهن من كانت تسير ذهاباً وإياباً بخطواتٍ متوترة وترقبٍ قاتل ينهش أعصابهن. اتجه سفيان نحوهن بخطواتٍ متسارعة، وهتف بنبرةٍ قلقة وهو يوجه حديثه نحو ليلى قائلاً: ـ "ليلى، ما الذي حصل؟ كيف وصل الحال بجدي إلى المستشفى؟ لقد كان بخير في الصباح!" نظرت له ليلى بأعينٍ يملأها القلق، ثم هزت رأسها بنفيٍ عاجز وقالت بنبرةٍ خائفة: ـ "لا أعرف يا سفيان.. لقد كنتُ مع كوثر في الغرفة عندما سمعتُ سُعاد تصرخ فجأة وتطلب منا أن نتصل بالإسعاف." ثم أكملت بنبرةٍ مرتجفة وهي تتذكر المشهد القاسي الذي رأته عيناها: ـ "وعندما وصلتُ إلى الغرفة كان..." صمتت قليلاً لتلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم أكملت بمرارة: ـ "كان جدي ملقى على الأرض.. فاقداً للوعي، لا يتنفس و..." توقفت عن الكلام تماماً، وعجزت عن نطق المزيد وهي تبتلع تلك الغصة التي وقفت في حلقها كالشوك عندما تذكرت جسد جدها المستسلم أرضاً دون حراك؛ ثم رفعت يديها لت
أجابه سليمان ببرودٍ وسخرية، وعيناه تحملان تحدياً صريحاً:ـ "كيف أجرؤ!!؟ سيد أدهم هل تعتقد أنني سائقك الخاص لأتحدث معك باحترام؟"ثم أكمل بجمودٍ قاطع:ـ "وأنا لم أقل شيئاً خاطئاً.... الآنسة حور تبدو متعبة بالفعل... لذا إذا لم تعجبك طريقة حديثي معك... فلتضرب رأسك في الحائط لأنني لا أهتم."نظرت له حور بصدمةٍ وذهول من طريقة حديثه الباردة والحادة، وهي التي لم تره يوماً يتحدث بهذا الأسلوب الصارم.وبالتأكيد انتبهت فوراً إلى ردة فعل أدهم المنزعجة والغاضبة التي ظهرت جلية على تقاطيع وجهه إثر كلمات سليمان، الفكرة التي جعلت الأجواء تشتعل توتراً، فهتفت بإحراجٍ وبنبرةٍ أصابها القلق:ـ "سيد أدهم.. أنا أعتذر لـ..."لم تستطع حتى أن تُنهي اعتذارها؛ إذ امتدت يد سليمان ليمسكها من كفها ويسحبها خلفه بخطواتٍ حاسمة قطعت أي مجال للنقاش.فتح باب السيارة الخلفي لها لتركب، وقبل أن تخطو إلى الداخل، التفتت ونظرت إليه قليلاً بصمتٍ تائه، ثم ركبت بهدوء.أغلق سليمان الباب بقوة، ثم توجه بخطواتٍ سريعة ليجلس خلف مقعد السائق، وأدار المحرك لينطلق بالسيارة مخلّفاً أدهم وراءه.ساد صمتٌ خانق وثقيل داخل السيارة، صمتٌ لم يق
في الوقت نفسه...داخل قصر الجبيلي، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورةٍ غير معتادة.جلس الجد أكرم داخل مكتبه الواسع، وأمامه ألبومٌ قديم للصور.مرّر أصابعه المرتجفة فوق إحدى الصور ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ حزينة.صورةٌ لابنه الأكبر...ثم أخرى لابنته...ثم صورة تجمع العائلة كلها قبل سنواتٍ طويلة، قبل أن يسرق ذلك الحادث كل شيء.تنهد بعمق، وشعر بوخزةٍ مؤلمة داخل صدره.ثم همس بصوتٍ مبحوح:ـ "مرت سنوات طويلة... وما زلت أشتاق إليكم وكأن الأمر حدث بالأمس."توقفت أنامله فوق صورةٍ أخرى، وسرعان ما امتلأت عيناه بالدموع قائلاً: ـ "لقد كبر الأحفاد... وأصبح لكلٍ منهم عالمه الخاص."ثم أكمل وهو يبتسم بحزن ومازال يحدق في الصور : ـ "لكنني تعبت... تعبت كثيرًا."وفجأة...أخذ يسعل بقوة وشعر بصعوبة في التنفس فجأة : ـ "كح... كح... كح..."وضع يده فوق صدره محاولًا التقاط أنفاسه، لكن السعال ازداد حدة.تغير لون وجهه تدريجيًا، وشعر بأن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيه كما يجب.حاول النهوض من مقعده بصعوبة وهو يتمسك بحافة المكتب ثم تمتم بصوت متقطّع لاهث : ـ "ما....ماء..."حاول مد يده نحو كوب الماء الموضوع ع
أومأت حور برأسها بخفة، ثم فتحت باب السيارة تستعد للنزول، لكن صوت سليمان أوقفها قبل أن تخطو بعيدًا.ـ "حور."التفتت إليه مجددًا، لتجده ينظر إليها هذه المرة مباشرة، لا عبر المرآة كما اعتاد.شعرت بتوترٍ خفيف يتسلل إلى قلبها دون سببٍ واضح، بينما قال هو بنبرة هادئة حاول أن يجعلها عادية:ـ "سأبقى هنا… انتظركِ حتى تنتهي."اتسعت عيناها قليلًا بدهشة، ثم قالت بسرعة:ـ "لا داعي لذلك، ربما سأتأخر."ابتسم سليمان ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تحمل دائمًا شيئًا من الاستسلام المؤلم، ثم قال بهدوء:ـ "لا بأس… سأنتظر."توقفت لثوانٍ تنظر إليه بصمت، لا تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بذلك الدفء الغريب داخل صدرها.أخفضت نظرها سريعًا وهي تتمتم بخفوت:ـ "حسنًا… شكرًا."ثم أغلقت الباب واتجهت نحو المقهى بخطواتٍ متسارعة، بينما بقي سليمان يتابعها بعينيه حتى اختفت بالداخل.تنهد ببطء، وأسند رأسه إلى المقعد خلفه هامسًا لنفسه بمرارة:ـ "وكأنني أستطيع المغادرة أصلًا…'" دلفت حور إلى المقهى بهدوء، وما إن وقعت عيناها على أدهم حتى لمحته يجلس قرب النافذة بملابسه الرسمية الأنيقة، وأمامه كوب قهوة فارغ يبدو أنه تناوله بين
مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة… أسبوعٌ لم يحدث فيه شيء واضح، لكنّه كان كافيًا ليزيد ارتباك حور أكثر وأكثر. كانت ما تزال تتجنب النظر طويلًا إلى سليمان، وتتحدث معه بحذرٍ غريب لا يشبهها، بينما هو يراقب هذا التغيّر بصمتٍ مؤلم، عاجزًا عن فهم سببه الحقيقي. وفي يوم العطلة… كانت حور كعادتها تجلس داخل غرفتها الواسعة أمام مكتبها، وقد انشغلت بالكامل في تعديل أحد التصاميم على حاسوبها المحمول. انعكس ضوء الشاشة فوق ملامحها المركزة، بينما كانت تعضّ طرف القلم بين حينٍ وآخر وهي تراجع التفاصيل بعناية. تنهدت بإرهاق وهي ترفع يديها تمطّ عضلات رقبتها المتشنجة، ثم همست بتذمر: ـ "أقسم أنني سأفقد بصري بسبب هذه التصاميم يومًا ما." وفي تلك اللحظة، أضاء هاتفها الموضوع بجانبها معلنًا وصول رسالة جديدة. مدّت يدها تلتقطه بكسل، لكن ما إن وقع بصرها على اسم المرسل حتى اتسعت ابتسامتها تلقائيًا. "أدهم." شعرت بدقات قلبها تتسارع قليلًا دون إرادة، ثم فتحت الرسالة بسرعة. ـ "أريد التحدث معكِ على انفراد… أنا بانتظاركِ في المقهى القريب من القصر." توقفت عيناها فوق الكلمات لثوانٍ طويلة، بينما بدأت أفكارها تتسابق داخل
"يا إلهي.. ما هذا؟ هل هي عمياءُ أم ماذا؟" سقطت الكلمة كالقنبلة في وسط الصالون. تجمدت يد سفيان في الهواء، وتحولت نظرة الإعجاب في عينيه إلى نيرانٍ مستعرة وهو يلتفت نحو نارين؛ لم يصدق أن زوجته تملك هذا القدر من الوقاحة لتجرح فتاةً في عقر دارها وأمام جدها. أما أكرم، فقد برزت عروق جبينه وضرب بعصاه
مرت سنتان، وكان جسد كوثر في عالمٍ وروحها في عالمٍ آخر؛ عامٌ كامل قضته في ظلمات الغيبوبة، وعامٌ تلاه غارقة في صمت الاكتئاب الموحش. لم تعد تتحدث، لم تعد تبتسم، فقط تنتظر يوم الجمعة لتهيم في الحديقة، تغمض عينيها لتستحضر أصوات ضحكات الأطفال، وكأنها تبحث بين نبراتهم عن صدى صوت "أيوب" المفقود، وتناجي طيفه
كانت تقف أمامه بملامح مجهدة، تحمل بين يديها طفلاً صغيراً يصرخ بوهن، وقالت بنبرة متحدية: ـ "هذا هو ابنك يا سفيان.. الطفل الذي أنكرته قبل أن يولد!" الدموع كانت تنهمر كالسيل على وجنتيها، تصرخ بصوتٍ متهدج اخترق سكون الرواق: ـ " هل ستُنكر وتقول إنه ليس طفلك ؟ " " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟" تجمدت
" لماذا تتصرف وكأنك تعرفني؟ توقف عن هذه الحركات الصبيانية فوراً.. لقد انفصلنا منذ سنتين، والماضي قد دُفن وانتهى. العلاقة بيننا الآن ليست أكثر من علاقة مهنية بحتة، فإياك أن تخلط الأوراق مجدداً."ظل نوح جالساً في مكانه، يراقب ثورتها ببرودٍ استفزازي، وقد ارتسمت على وجهه ملامح غامضة. أسند ظهره إلى الك