تسجيل الدخول"يا إلهي.. ما هذا؟ هل هي عمياءُ أم ماذا؟"
سقطت الكلمة كالقنبلة في وسط الصالون. تجمدت يد سفيان في الهواء، وتحولت نظرة الإعجاب في عينيه إلى نيرانٍ مستعرة وهو يلتفت نحو نارين؛ لم يصدق أن زوجته تملك هذا القدر من الوقاحة لتجرح فتاةً في عقر دارها وأمام جدها. أما أكرم، فقد برزت عروق جبينه وضرب بعصاه الأرض بقوةٍ زلزلت المكان، وهتف بصوتٍ رعدي: ـ "الزمي حدودكِ يا امرأة! أنتِ في بيت أكرم الجبيلي، وكوثر هي سيدة هذا القصر، ونور عيني الذي أبصرُ به!" شحب وجه نارين قليلاً من غضبه ، لكنها لم تتراجع، بل نظرت لـ سفيان وكأنها تتحداه أن يدافع عن "العمياء". أما كوثر.. فلم تبكِ، ولم تصرخ. سحبت يدها ببطء شديد، ورسمت على وجهها هدوءاً غريباً، وكأنها اعتادت على طعنات البشر. أطرقت برأسها قليلاً، ثم قالت بصوتٍ واثقٍ ومنخفض: ـ "لا بأس يا جدي.. الظلامُ الذي في عينيَّ، أهونُ بكثير من الظلام الذي يسكنُ بعض القلوب." لم يسمح سفيان لتلك اللحظة المحرجة أن تطول، وبحركةٍ مباغتة مفعمة بالرقة، مدّ يده ليلتقط يد كوثر التي تتشبث بعصا السير ، محيطاً كفها الصغير بدفء كفيه القويتين. في تلك اللحظة، وكأن الزمن قد توقف عن الدوران؛ سرت قشعريرةٌ غريبة في جسد كوثر، زلزلت كيانها الهادئ واخترقت حصون صمتها. لم يكن مجرد سلام عابر، بل شعرت بشيءٍ مألوف في نبضات هذا الرجل، وكأن روحها قد عرفته في حياةٍ أخرى. أما سفيان، فقد تجمد مكانه وهو يشعر بذات القشعريرة تسري في عروقه؛ لم تكن تلك مجرد يد ابنة عمه، بل كانت لمسةً أيقظت في قلبه شعوراً بالمسؤولية واللهفة لم يختبره من قبل خرج من صمته قائلا بندم : " أنا أعتذر عن وقاحة زوجتي اعذريها إنها تتحدث دائماً دون تفكير ": انتفضت كوثر فجأة، وسحبت يدها من بين كفيه بسرعةٍ وكأنها لمست جمراً، وهي تحاول استعادة أنفاسها المضطربة. ولكن، وقبل أن تنطق بكلمة، شق سكون الصالون صوتٌ هزّ أركان قلبها.. كان صوتاً ضعيفاً، يتحدث بخفوت ناطقاَ بتلك الكلمة التي جعلت قلب كوثر يقع أرضاً : " ماما...ماما....من هؤلاء؟ " تسمّرت كوثر في مكانها، وشحب وجهها لدرجةٍ مخيفة. لم تتعرف على الصوت، فهي لم تسمع صوت ابنها "أيوب" إلا لثوانٍ معدودة قبل أن يُسرق منها، لِذا صوت اي أصبح بالنسبة لها بمثابة خنجرٍ يغرس في جرحها المفتوح . مالت برأسها قليلاً بآليةٍ حزينة، وكأنها تبحث عن مصدر الصوت في عتمتها، وهتفت بصوتٍ مخنوقٍ يملؤه الحنين والوجع: ـ "طفل.. هناك طفلٌ هنا؟" أجابتها نارين ببرودٍ وهي تضع إصبعها على فمها أمام الطفل بمعنى " اصمت" ثم قالت : ـ "نعم.. إنه ابني زين كان يسأل من أنتم لأنها أول مرة يراكم بها" نظر سفيان نحو ابنه الواقف بجانب نارين متشبث في فستانها ، ثم قال بصوتٍ رخاميٍّ بارد، استغربه الجد أكرم كثيراً، وكأن سفيان يتحدث عن غريبٍ لا عن قطعةٍ من روحه: ـ " لقد نسيت أن أعرفكم هذا ابني زين .....وهذه زوجتي نارين " بمجرد نطق تلك الكلمات، التفتت عيناهُ تلقائياً نحو كوثر.. ليصعقه ما رأى رغم محاولاتها المستميتة للثبات، لمحت عيناه "دمعةً متمردة" فرت من عينيها الخضراوين اللتين تشبهان غاباتٍ غارقة في الضباب. كانت تلك الدمعة كالجمرة التي سقطت فوق قلب سفيان؛ شعر بوخزةٍ مفاجئة، وألمٍ حادٍ يمزق صدره، وكأن دموعها هي التي تحرّك دماءه. لم يفهم سفيان سر هذا الشعور الذي راوده؛ فكيف لفتاةٍ رآها للتو أن تزلزل حصونه بدمعة واحدة؟ نظر إليها الجد أكرم بشفقةٍ وحزنٍ يمزقان قلبه؛ فاسم ابن حفيدته المفقود "أيوب" لا يزال جرحاً نازفاً، وسماع بكاء الصغير "زين" كان كافياً ليعيد لـ كوثر ذكريات تلك الليلة المشؤومة التي سُرق فيها طفلها ! . أما كوثر، فقد شعرت بأن الأرض تضيقُ بها وقبل أن تركض لغرفتها قالت وهي تتراجع نحو الخلف بخطواتٍ مهتزة، تحاول الهروب من صوت البكاء الذي يذكرها بكل ما فقدته: ـ " أعتذر....جدي.... انا متعبه قليلا لذا اعذرني سأصعد لغرفتي الآن." أجابها أكرم بحزن قائلا بنبرة حنونه : " حسنا اذهبي لترتاحي قليلا عزيزتي " انسحبت من أمامهم بسرعةٍ شديدة، هرعت نحو الدرج تتحسس طريقها بضياع، تفرّ من صوت البكاء الذي يمزق أحشاءها،كأنها تهرب من صوتِ قدرٍ لا تطيقه. تعثرت خطواتها وكادت أن تسقط أرضاً، لكنها تمالكت نفسها في اللحظة الأخيرة، وهرعت نحو الدرج تتحسس طريقها بضياع، والشهقاتُ تخنقها. دخلت غرفتها وأوصدت الباب خلفها، وارتمت فوق فراشها البارد، لتنفجر في نوبة بكاءٍ مريرة.. لم تكن تبكي على "زين" ابن سفيان، بل كانت تبكي على "أيوبها" الغائب، وعلى يدٍ غريبةٍ لمست يدها فأحيت فيها رماد الحنين الذي ظنت أنه انطفأ للأبد. في الأسفل، ظلَّ سفيان واقفاً يراقبُ أثرها بذهول، غارقاً في صمتٍ مريب، بينما كانت نظرات الجد أكرم تراقب حفيده باهتمام، مدركاً أن عودة سفيان لهذا القصر، ستكون بدايةً لعاصفةٍ لن تبقي ولن تذر كان الصمتُ الذي خلّفته كوثر وراءها يثقلُ الأنفاس، لكن الجد أكرم حاول كسر الجمود بجذلٍ مصطنع. اقترب من نارين ومدّ ذراعيه ليتلقف الصغير "زين" من بين يديها. ضمه إلى صدره بقوة، وطبع قبلةً حانية على جبينه الصغير، وعيناه تلمعان ببريقٍ لم يره أحدٌ منذ زمن. هتف الجد بسعادةٍ بالغة غلبت تعب السنين: ـ "يا أهلاً بـ زين.... أنت أول طفلٍ من أحفادي أحمله بين ذراعيّ يا بني." كانت الكلمة تخرج من قلبه الصادق، بينما كان سفيان يراقبه بملامح جامدة، ونظراتٍ لا تخلو من حيرةٍ تجاه هذا الرضيع الذي أصبح فجأة "حفيداً" يحمل اسم العائلة. أعاد الجد الطفل إلى نارين التي كانت ترقب الموقف بابتسامةٍ ظافرة، ثم استعاد أكرم صرامته المعهودة والتفت نحو حفيده: " سفيان... تعالَ معي." تحرك الجد بوقاره المعهود نحو المكتب، وتبعه سفيان بخطواتٍ رزينة. في الخارج، ظلت نارين جالسةً على الأريكة الوثيرة في الصالون، تهزّ طفلها ببرود، وعيناها معلقتان بباب المكتب المغلق، تنتظر خروج زوجها لتصعد لغرفتهم وتبدأ في بسط نفوذها على هذا القصر. داخل المكتب، كان الصمتُ سيد الموقف. وقف الجد خلف مكتبه العتيق، بينما وقف سفيان أمامه باحترامٍ ينتظر الكلمات التي يعرفُ أنها ستغير الكثير. التفت أكرم إليه، وكان الحزم يغلف ملامحه الجادة، وقال بصوتٍ رخاميٍّ قوي: ـ "شعيب.. يا بني، أنا لم أطلب حضورك هنا فقط من أجل الفتيات.. أنا أحتاجك لأمرٍ يخص مستقبل هذه العائلة. لقد كبرتُ في السن، ومجموعة شركات (الجبيلي) تحتاجُ ليدٍ قوية تحميها وتدير شؤونها." صمتَ قليلاً وهو يتفرس في وجه حفيده الصارم، ثم أردف بجديةٍ قاطعة: ـ "أريدك أن تتسلم إدارة كافة الشركات من الغد. أريدك أن تكون الظل الذي يحمي هذا البيت، والرجل الذي يهابه الجميع في السوق كما يهابونه هنا في القصر. هل أنت مستعد لهذه المسؤولية يا سفيان؟" تسمّر سفيان في مكانه، وشعر بأن ثقل الإمبراطورية قد وُضع فوق كتفيه، لكنه أومأ برأسه ببرودٍ واثق، مدركاً أن رحلته في هذا القصر قد بدأت نظر سفيان في عيني جده بثباتٍ وثقة جعلت الأخير يبتسم بداخله فخراً، ثم أجاب بصوتٍ هادئ، حادٍّ كالسكين: ـ "لا تقلق يا جدي.. شركات الجبيلي لن تكون مجرد أرقام في حساباتي، بل ستكون قلعةً لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب من أسوارها. من الغد، سيعرف السوق بأكمله أن صقراً جديداً قد بسط جناحيه، وأن القواعد القديمة قد انتهت." صمتَ قليلاً، ثم أردف ببرودٍ واثق: ـ "أنا لستُ مستعداً لهذه المسؤولية فحسب، بل أنا ولدتُ من أجلها. اترك لي أمر الشركات، واترك لي أمر بنات أعمامي.... سأعيدُ ترتيب هذا البيت حجراً بحجر، ومن يظن أنه أكبر من اسم العائلة، سيعرفُ حجمه الحقيقي تحت ظلي." هتف الطبيب بسرعة وخوف بعد أن رأى غضبهن: ـ "إنه فقط.. مرض السكري!" رددت جميلة الكلمة بتعجب واستغراب: ـ "مرض السكري؟!.. ولكن جدي ليس مريضاً بالسكر في الأساس! " حمحم الطبيب بتوتر قبل أن يجيب بجدية: ـ "حسناً.. مرض السكري شائع جداً ويصيب معظم كبار السن في هذا العمر، لذا هو أمر عادي ولا داعي للقلق." صرخت به حياة بغضب وحدة : ـ "لا داعي للقلق؟! إذا كنت لا تريدنا أن نقلق، فلماذا ظللت صامتاً ومتردداً هكذا في البداية لتثير رعبنا؟" أجاب الطبيب بإحراج وتوتر واضح: ـ "أنا أعتذر عن هذا.. ولكن في الحقيقة، السيد أكرم هو من طلب مني ألا أخبركم بأي شيء لأنه لم يكن يريد إزعاجكم أو إقلاقكم، ولهذا السبب كنت متردداً في الكلام." هتفت ليلى بانزعاج وضيق من تصرف جدها: ـ "هذا العجوز.. لن يفلت مني عندما أراه فـ..." قاطعتها كوثر قائلة بقلق ما زال يسيطر عليها: ـ "انتظري يا ليلى.. إذن أيها الطبيب، هل نستطيع الدخول ورؤيته الآن؟" أجابها الطبيب بلطف: ـ "بالطبع يمكنكم رؤيته، ولكن غداً.. اليوم يحتاج إلى الراحة التامة، لذا دعوه ينام قليلاً." أومأ الجميع برؤوسهم وأطلقوا تنهيدة طويلة ملي
هرول سفيان في طرقات المستشفى الطويلة بقلبٍ يخفق رعباً، حتى وصل إلى أمام غرفة الطوارئ التي يرقد بها جده. وعندما وصل، وجد الفتيات يتجمعن أمام الغرفة؛ ملامح القلق والخوف كانت ترتسم على وجوههن جميعاً، ومنهن من كانت تسير ذهاباً وإياباً بخطواتٍ متوترة وترقبٍ قاتل ينهش أعصابهن. اتجه سفيان نحوهن بخطواتٍ متسارعة، وهتف بنبرةٍ قلقة وهو يوجه حديثه نحو ليلى قائلاً: ـ "ليلى، ما الذي حصل؟ كيف وصل الحال بجدي إلى المستشفى؟ لقد كان بخير في الصباح!" نظرت له ليلى بأعينٍ يملأها القلق، ثم هزت رأسها بنفيٍ عاجز وقالت بنبرةٍ خائفة: ـ "لا أعرف يا سفيان.. لقد كنتُ مع كوثر في الغرفة عندما سمعتُ سُعاد تصرخ فجأة وتطلب منا أن نتصل بالإسعاف." ثم أكملت بنبرةٍ مرتجفة وهي تتذكر المشهد القاسي الذي رأته عيناها: ـ "وعندما وصلتُ إلى الغرفة كان..." صمتت قليلاً لتلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم أكملت بمرارة: ـ "كان جدي ملقى على الأرض.. فاقداً للوعي، لا يتنفس و..." توقفت عن الكلام تماماً، وعجزت عن نطق المزيد وهي تبتلع تلك الغصة التي وقفت في حلقها كالشوك عندما تذكرت جسد جدها المستسلم أرضاً دون حراك؛ ثم رفعت يديها لت
أجابه سليمان ببرودٍ وسخرية، وعيناه تحملان تحدياً صريحاً:ـ "كيف أجرؤ!!؟ سيد أدهم هل تعتقد أنني سائقك الخاص لأتحدث معك باحترام؟"ثم أكمل بجمودٍ قاطع:ـ "وأنا لم أقل شيئاً خاطئاً.... الآنسة حور تبدو متعبة بالفعل... لذا إذا لم تعجبك طريقة حديثي معك... فلتضرب رأسك في الحائط لأنني لا أهتم."نظرت له حور بصدمةٍ وذهول من طريقة حديثه الباردة والحادة، وهي التي لم تره يوماً يتحدث بهذا الأسلوب الصارم.وبالتأكيد انتبهت فوراً إلى ردة فعل أدهم المنزعجة والغاضبة التي ظهرت جلية على تقاطيع وجهه إثر كلمات سليمان، الفكرة التي جعلت الأجواء تشتعل توتراً، فهتفت بإحراجٍ وبنبرةٍ أصابها القلق:ـ "سيد أدهم.. أنا أعتذر لـ..."لم تستطع حتى أن تُنهي اعتذارها؛ إذ امتدت يد سليمان ليمسكها من كفها ويسحبها خلفه بخطواتٍ حاسمة قطعت أي مجال للنقاش.فتح باب السيارة الخلفي لها لتركب، وقبل أن تخطو إلى الداخل، التفتت ونظرت إليه قليلاً بصمتٍ تائه، ثم ركبت بهدوء.أغلق سليمان الباب بقوة، ثم توجه بخطواتٍ سريعة ليجلس خلف مقعد السائق، وأدار المحرك لينطلق بالسيارة مخلّفاً أدهم وراءه.ساد صمتٌ خانق وثقيل داخل السيارة، صمتٌ لم يق
في الوقت نفسه...داخل قصر الجبيلي، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورةٍ غير معتادة.جلس الجد أكرم داخل مكتبه الواسع، وأمامه ألبومٌ قديم للصور.مرّر أصابعه المرتجفة فوق إحدى الصور ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ حزينة.صورةٌ لابنه الأكبر...ثم أخرى لابنته...ثم صورة تجمع العائلة كلها قبل سنواتٍ طويلة، قبل أن يسرق ذلك الحادث كل شيء.تنهد بعمق، وشعر بوخزةٍ مؤلمة داخل صدره.ثم همس بصوتٍ مبحوح:ـ "مرت سنوات طويلة... وما زلت أشتاق إليكم وكأن الأمر حدث بالأمس."توقفت أنامله فوق صورةٍ أخرى، وسرعان ما امتلأت عيناه بالدموع قائلاً: ـ "لقد كبر الأحفاد... وأصبح لكلٍ منهم عالمه الخاص."ثم أكمل وهو يبتسم بحزن ومازال يحدق في الصور : ـ "لكنني تعبت... تعبت كثيرًا."وفجأة...أخذ يسعل بقوة وشعر بصعوبة في التنفس فجأة : ـ "كح... كح... كح..."وضع يده فوق صدره محاولًا التقاط أنفاسه، لكن السعال ازداد حدة.تغير لون وجهه تدريجيًا، وشعر بأن الهواء لم يعد يصل إلى رئتيه كما يجب.حاول النهوض من مقعده بصعوبة وهو يتمسك بحافة المكتب ثم تمتم بصوت متقطّع لاهث : ـ "ما....ماء..."حاول مد يده نحو كوب الماء الموضوع ع
أومأت حور برأسها بخفة، ثم فتحت باب السيارة تستعد للنزول، لكن صوت سليمان أوقفها قبل أن تخطو بعيدًا.ـ "حور."التفتت إليه مجددًا، لتجده ينظر إليها هذه المرة مباشرة، لا عبر المرآة كما اعتاد.شعرت بتوترٍ خفيف يتسلل إلى قلبها دون سببٍ واضح، بينما قال هو بنبرة هادئة حاول أن يجعلها عادية:ـ "سأبقى هنا… انتظركِ حتى تنتهي."اتسعت عيناها قليلًا بدهشة، ثم قالت بسرعة:ـ "لا داعي لذلك، ربما سأتأخر."ابتسم سليمان ابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي تحمل دائمًا شيئًا من الاستسلام المؤلم، ثم قال بهدوء:ـ "لا بأس… سأنتظر."توقفت لثوانٍ تنظر إليه بصمت، لا تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بذلك الدفء الغريب داخل صدرها.أخفضت نظرها سريعًا وهي تتمتم بخفوت:ـ "حسنًا… شكرًا."ثم أغلقت الباب واتجهت نحو المقهى بخطواتٍ متسارعة، بينما بقي سليمان يتابعها بعينيه حتى اختفت بالداخل.تنهد ببطء، وأسند رأسه إلى المقعد خلفه هامسًا لنفسه بمرارة:ـ "وكأنني أستطيع المغادرة أصلًا…'" دلفت حور إلى المقهى بهدوء، وما إن وقعت عيناها على أدهم حتى لمحته يجلس قرب النافذة بملابسه الرسمية الأنيقة، وأمامه كوب قهوة فارغ يبدو أنه تناوله بين
مرّ أسبوعٌ كامل منذ تلك الليلة… أسبوعٌ لم يحدث فيه شيء واضح، لكنّه كان كافيًا ليزيد ارتباك حور أكثر وأكثر. كانت ما تزال تتجنب النظر طويلًا إلى سليمان، وتتحدث معه بحذرٍ غريب لا يشبهها، بينما هو يراقب هذا التغيّر بصمتٍ مؤلم، عاجزًا عن فهم سببه الحقيقي. وفي يوم العطلة… كانت حور كعادتها تجلس داخل غرفتها الواسعة أمام مكتبها، وقد انشغلت بالكامل في تعديل أحد التصاميم على حاسوبها المحمول. انعكس ضوء الشاشة فوق ملامحها المركزة، بينما كانت تعضّ طرف القلم بين حينٍ وآخر وهي تراجع التفاصيل بعناية. تنهدت بإرهاق وهي ترفع يديها تمطّ عضلات رقبتها المتشنجة، ثم همست بتذمر: ـ "أقسم أنني سأفقد بصري بسبب هذه التصاميم يومًا ما." وفي تلك اللحظة، أضاء هاتفها الموضوع بجانبها معلنًا وصول رسالة جديدة. مدّت يدها تلتقطه بكسل، لكن ما إن وقع بصرها على اسم المرسل حتى اتسعت ابتسامتها تلقائيًا. "أدهم." شعرت بدقات قلبها تتسارع قليلًا دون إرادة، ثم فتحت الرسالة بسرعة. ـ "أريد التحدث معكِ على انفراد… أنا بانتظاركِ في المقهى القريب من القصر." توقفت عيناها فوق الكلمات لثوانٍ طويلة، بينما بدأت أفكارها تتسابق داخل
" لماذا تتصرف وكأنك تعرفني؟ توقف عن هذه الحركات الصبيانية فوراً.. لقد انفصلنا منذ سنتين، والماضي قد دُفن وانتهى. العلاقة بيننا الآن ليست أكثر من علاقة مهنية بحتة، فإياك أن تخلط الأوراق مجدداً."ظل نوح جالساً في مكانه، يراقب ثورتها ببرودٍ استفزازي، وقد ارتسمت على وجهه ملامح غامضة. أسند ظهره إلى الك
ساد صمتٌ ثقيل أرجاء غرفة الطعام الفسيحة، صمتٌ لم يقطعه سوى الرنين الخافت للملاعق الفضية وهي تصطدم بالأطباق الخزفية. كان الجميع يجلسون حول المائدة الطويلة التي بدت في تلك اللحظة وكأنها ساحة حرب باردة. توسط الجد أكرم رأس المائدة بهيبته المعتادة، بينما جلس سفيان بمواجهته، يراقب الوجوه من حوله ببرود
مرت سنتان، وكان جسد كوثر في عالمٍ وروحها في عالمٍ آخر؛ عامٌ كامل قضته في ظلمات الغيبوبة، وعامٌ تلاه غارقة في صمت الاكتئاب الموحش. لم تعد تتحدث، لم تعد تبتسم، فقط تنتظر يوم الجمعة لتهيم في الحديقة، تغمض عينيها لتستحضر أصوات ضحكات الأطفال، وكأنها تبحث بين نبراتهم عن صدى صوت "أيوب" المفقود، وتناجي طيفه
كانت تقف أمامه بملامح مجهدة، تحمل بين يديها طفلاً صغيراً يصرخ بوهن، وقالت بنبرة متحدية: ـ "هذا هو ابنك يا سفيان.. الطفل الذي أنكرته قبل أن يولد!" الدموع كانت تنهمر كالسيل على وجنتيها، تصرخ بصوتٍ متهدج اخترق سكون الرواق: ـ " هل ستُنكر وتقول إنه ليس طفلك ؟ " " هل ستتخلى عني وعن ابنك؟" تجمدت