تسجيل الدخولظل الرجل المسن ينظر إليّ بصمتٍ لعدة ثوانٍ، وكأنه يزن شيئاً لا أستطيع رؤيته.
أما أنا، فلم أكن أعلم إن كنت ما زلت أحلم أم أنني فقدت عقلي بالفعل. كان البكاء الخافت يتردد بين الأشجار، لكن الرجل لم يبدُ وكأنه يسمعه. رفع عصاه ببطء، وغرس طرفها في الأرض. وفي اللحظة التي لامست فيها العصا التراب، خفتت الأصوات كلها. اختفى البكاء. اختفى الهمس. واختفى ذلك الشعور الثقيل الذي كان يطبق على صدري. نظر إليّ بعينين غائرتين وقال بصوتٍ أجش: "كنت أظن أنهم أخطؤوا هذه المرة." لم أفهم ما يقصده. تراجعت خطوة إلى الخلف وقلت: "من أنت؟ وأين أنا؟" ابتسم ابتسامة قصيرة لم تحمل أي طمأنينة. ثم قال: "السؤال الصحيح ليس أين أنت... بل لماذا جئت إلى هنا." شعرت بانقباضٍ في معدتي. "أنا لم آتِ إلى أي مكان... كنت في محطة وقود." هز رأسه ببطء. "كلهم يقولون ذلك." ساد الصمت من جديد. ثم أضاف: "أخبرني... ماذا فعلت في الطريق الجبلي؟" تذكرت القط الأسود. الظل في المرآة. وصوت البكاء. لكن شيئاً آخر ظهر في ذهني فجأة. شيء لم أتذكره من قبل. قبل أن أصدم ذلك القط بلحظات... كنت قد رأيت شخصاً يقف في منتصف الطريق. شخصاً لم أتوقف لأتأكد من وجوده. اتسعت عيناي. الرجل المسن لاحظ ذلك فوراً. وتغيرت ملامحه. "إذن... لقد رأيته." اشتدت الرياح فجأة. واهتزت أغصان الشجرة فوقنا بعنف. ثم جاء صوتٌ عميق من بين الظلام. صوت لم يكن بشرياً. "لقد وجدناه..." تجمد الدم في عروقي. أما الرجل المسن فقبض على عصاه بقوة ونهض واقفاً. وهو يحدق في الظلام قال : لقد قتلته عمداً، أليس كذلك؟ ما إن انتهى من الجملة حتى بدأ الصراخ يأتي من كل مكان، لكن فجأة، دون إرادتي، ظهر مني صوت: لم أره، لم أكن أقصد ذلك. التفت إليّ وقال: هل أنت متأكد من قولك، أم أنك تكذب؟ أجبت بصوت متقطع: أنا أقول الحقيقة. أدار ظهره وغادر، ثم ظهر شخصان بملامح غريبة، لا تشبه البشر في أي شيء. أمسكا بكلتا يديّ، لكنهما كانا قويين بشكل لا يُصدق، حتى إنني كنت أعجز عن الحركة البسيطة. اتجها نحو الظلام، أو هذا ما كنت أراه أنا. لم أتوقف عن الصراخ: اتركوني، إلى أين ستأخذونني؟ لكنهم لم يجيبوا أبداً، ولم يصدر منهم حتى صوت. لا أعرف كم من الوقت مشينا، أو بأي اتجاه. وصلنا إلى غرفة صغيرة، ألقوا بي في الداخل ثم أغلقوا الباب. لم أستطع الوقوف، فجسدي لم يعد يستجيب لي. نظرت إلى الجدران، كانت تبدو غريبة، كما أنها مُغلقة بالكامل، لا يوجد فيها سوى فتحة صغيرة لأجل الهواء. لا أعرف كم مضى من الوقت، فجأة، صوت أقدام كان يأتي من الخارج. صوت خافت، بل كاد يمكنني سماعه. صرخت: من هناك؟ لم يجب عليّ أحد. عاودت الصراخ مراتٍ عدة، لكنه لم يجب. لكن الصوت اختفى، وعاد اليأس من جديد. حاولت كسر الباب، لكنه كان قوياً بشكل غريب، كما أنه لا يصدر صوتاً عندما كنت أضربه. بعد مرور بعض الوقت، ظهر الصوت من جديد. أصوات الأقدام نفسها. فكرت: هل هذا الشخص هو الحارس؟ صرخت بصوت أخير: أحتاج إلى الماء... لم يجب، لكن صوت الأقدام اقترب أكثر. وقفت أمام الباب منتظراً أن يفتح لي. اقترب الصوت من الباب أكثر فأكثر، حتى وصل أمام الباب ثم توقف. مرت دقائق، لكن الصمت مستمر، وكأن قدميه التصقتا بالأرض. رأيت ضوءاً خافتاً من تحت الباب. جلست وخفضت رأسي ببطء، حتى لامس الأرض. نظرت من الشق الخفي. ما هذا؟ أقدام صغيرة، واقفة أمام الباب. صرخت بصوت يختنق: من هناك؟ وأخيراً نطق. تكلم. ظهر صوته. قال..."لم يكن هناك زمن.أو ربما كان هناك، لكنني لم أعد أستطيع الشعور به.وقفت في الظلام أراقب الطريق الجبلي الممتد أمامي.الطريق نفسه.الصخور نفسها.وأعمدة الإنارة الباهتة نفسها.لكن شيئاً مختلفاً كان يسكن المكان الآن.كنت أراه.أشعر به.وأفهمه.لأول مرة منذ بداية كل شيء، لم أكن خائفاً.راقبت سيارة تتحرك ببطء في البعيد.أضواؤها تشق الظلام مثل سكين حادة.عرفت فوراً أنها البداية.بداية جديدة.شخص جديد.مدان جديد.اقتربت السيارة أكثر.ورأيت السائق.شاب في أواخر العشرينات.كان يمسك المقود بيد واحدة بينما يحدق في هاتفه بين الحين والآخر.لم يكن يراني.لم يكن أحد يستطيع رؤيتي.كنت مجرد ظل بين ظلال كثيرة.تذكرت كلمات الفتاة."هكذا تستمر الدائرة."عندما مرت السيارة من خلالي شعرت بشيء غريب.لم يكن ألماً.ولا خوفاً.بل ذكريات.ذكريات ليست لي.رأيت مشاهد سريعة.مستشفى.امرأة تبكي.رجل عجوز يجلس وحيداً.باب يُغلق في وجه شخص يطلب المساعدة.ثم اختفت الصور فجأة.ترنحت إلى الخلف.وأدركت أنني أرى ما كانوا يرونه.كل شخص يصل إلى هذا الطريق يحمل شيئاً خلفه.شيئاً يهرب منه.شيئاً يرفض الاعتراف به.واصل الشاب القي
الكتابةوقفتُ عند تلك الرسالة طويلاً.الهواء كان ساكناً بشكل غير طبيعي.حتى الطريق الجبلي الذي كنت أعرفه لم يعد كما هو.لم يكن هناك صوت.ولا حركة.ولا حتى إحساس بأن العالم مستمر من حولي.كل شيء بدا وكأنه ينتظرني أنا فقط.أعدت قراءة الجملة:"أنت لم تخرج من المحاكمة... أنت أصبحت جزءاً منها."شعرت بشيء ثقيل يسقط داخل صدري.ثم رفعت رأسي ببطء.فانقسمت السماء.لكن ليس كما في السابق.لم يكن انشقاقاً.بل كان إعادة تشكيل.السماء بدأت تتكون من طبقات.كل طبقة تحمل مشهداً مختلفاً.بعضها من حياتي.بعضها لا أعرفه.وبعضها… لم يحدث بعد.ارتجفت يداي."هذا لا يمكن أن يكون حقيقياً..."لكن الصوت جاء من خلفي.صوت هادئ.مألوف."الحقيقة ليست ما يحدث… بل ما يُسمح لك أن تراه."التفت بسرعة.كان الرجل المسن.لكن هذه المرة لم يكن يحمل عصاه.بل كان واقفاً دونها.بملامح أكثر هدوءاً.كأنه لم يعد حارساً أو شاهداً… بل جزءاً من شيء أعمق.قلت بصوت مرتجف:"انتهى كل شيء… أليس كذلك؟"هز رأسه ببطء."لا.""بدأ الآن فقط."ثم أشار إلى السماء.فبدأت الصور تتغير.رأيت نفسي من جديد.لكن ليس كشخص واحد.بل كنسخ متعددة.كل نسخة في
سقطت داخل الباب الأسود.لكن السقوط لم يكن كما توقعت.لم يكن سقوطاً نحو الأسفل، بل نحو الداخل.نحو أعماق شيء لا نهاية له.الظلام كان حياً.يتحرك حولي كأنني غريب اقتحم جسده.لم أعد أسمع شيئاً من الخارج.لا صوت الرجل المسن.لا بكاء الطفل.ولا حتى صدى صوتي.فقط ذلك الصمت الثقيل الذي يضغط على العقل نفسه.ثم بدأت الأشكال تظهر.ليست واضحة.بل كأنها تُبنى من أفكاري أنا.كل خوف خطر ببالي كان يتجسد أمامي.كل لحظة ندم كانت تتحول إلى ظل يقف ويحدق بي.حاولت الصراخ:"أين أنا؟!"لكن الصوت لم يخرج.بل ارتد إلى داخلي، كأنه رفض مغادرة صدري.فجأة، انشق الظلام أمامي.وظهرت قاعة ضخمة.لا جدران واضحة لها.ولا سقف يمكن رؤيته.فقط منصة في المنتصف.وفوقها كرسي عظيم مصنوع من مادة تشبه الحجر والضوء في نفس الوقت.وعلى ذلك الكرسي...كان يجلس شيء لا يمكن وصفه بسهولة.ليس إنساناً.وليس وحشاً.بل كيان يجمع بين الصمت والوجود نفسه.عيناه لم تكونا مثل العينين، بل كأنهما فراغان ينظران إلى كل شيء دفعة واحدة.قال بصوت لم يكن صوتاً، بل إحساساً داخل العقل:"المدان وصل."ارتجفت.ثم ظهرت حولي دوائر من الضوء الأسود.وفي كل دائ
لم أعد أميز أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الكابوس.الطريق الجبلي أمامي كان ثابتاً، لكن الهواء حولي كان يتحرك كأنه حيّ.الرجل المسن وقف بجانبي بصمت، وعيناه لا تفارقان المشهد الذي يعرض أمامنا في السماء السوداء.الطفل خلفي داخل السيارة كان ما زال يبتسم، لكن ابتسامته بدأت تتغير ببطء، كأن شيئاً داخله بدأ يتذكر أيضاً.قلت بصوت مرتجف:"أريد الحقيقة كاملة... لا أريد المزيد من الألغاز."لم يرد أحد فوراً.ثم قال الرجل المسن:"الحقيقة ليست شيئاً يُقال... بل شيء يُستخرج منك."ارتجفت يداي."ماذا يعني ذلك؟"قبل أن يجيب، انقسمت السماء مرة أخرى.لكن هذه المرة لم تكن مجرد صور.بل بدأت الأرض نفسها تُظهر مشاهد تحت أقدامنا.رأيت الطريق الجبلي من زوايا متعددة.رأيت السيارة.رأيت الطفل.ورأيت نفسي.لكن أيضاً...رأيت سيارة أخرى.سيارة سوداء كانت تتبعني من مسافة بعيدة.شعرت بأن قلبي يتوقف."من هذا؟"قال الرجل المسن بصوت منخفض:"هذا ما كنت تحاول نسيانه."بدأ المشهد يتغير بسرعة.رأيتني أخرج من المدينة في تلك الليلة.لكن لم أكن وحدي.كان هناك شخص في المقعد الخلفي.ظل مظلم.لا ملامح له.كان يراقبني بصمت.كلما التفت
تراجعتُ خطوة إلى الخلف.لكن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدمي.كانت السيّارة تهتز كأنها تتنفس.والطفل في المقعد الخلفي ظلّ يحدّق بي دون أن يرمش."لماذا تركتني أموت؟"ترددت كلماته داخل رأسي كأنها تُعاد بلا توقف.صرخت:"أنا لم أقتلك!"لكن صوتي بدا ضعيفاً، وكأنه لا يصل حتى إلى نفسي.الرجل الذي كان يقف بجانبي اقترب ببطء.وقال بهدوء:"المحاكمة لا تعتمد على نواياك."التفت إليه بغضب:"إذاً على ماذا تعتمد؟"لم يجب مباشرة.بل أشار إلى السماء.رفعت رأسي.فانشقّت السماء الحمراء من جديد.لكن هذه المرة لم يظهر ضوء فقط...بل شاشة ضخمة من الظلام.كأن السماء نفسها أصبحت مرآة.وفجأة بدأ المشهد.رأيت الطريق الجبلي من جديد.لكن هذه المرة من زاوية مختلفة.رأيت سيارتي.رأيت نفسي أقود.ورأيت ذلك الطفل.كان واقفاً وسط الطريق.لكن شيئاً غريباً كان يحدث.لم يكن وحده.كانت هناك ظلال خلفه.تمسكه.تدفعه.تجبره على الوقوف في المنتصف.اتسعت عيناي."لا... هذا ليس حقيقياً..."لكن المشهد لم يتوقف.رأيت لحظة الاصطدام.السيارة تنحرف.والطفل يسقط.لكن قبل أن يُدهس بالكامل...اختفى جسده فجأة.وكأن شيئاً سحبه من الواقع.شهقت ب
أو هكذا ظننت.لكنني لم أشعر بالهواء يصفع وجهي، ولم أشعر بجسدي يندفع نحو الأسفل.كان الأمر أشبه بالغرق داخل ظلام لا نهاية له.حاولت الصراخ.لكن صوتي لم يخرج.حاولت الحركة.لكن جسدي لم يستجب.ثم فجأة...اصطدمت قدماي بالأرض.ترنحت وسقطت على ركبتي.رفعت رأسي ببطء.فتجمدت في مكاني.لم أعد في الغابة.كنت أقف داخل ساحة هائلة لا أستطيع رؤية نهايتها.الأرض سوداء بالكامل.والسماء فوقها حمراء قاتمة.أما الشيء الأكثر غرابة...فكان آلاف الأشخاص الواقفين حول الساحة.رجال.نساء.أطفال.عجائز.جميعهم يرتدون ملابس مختلفة.وكأنهم جاؤوا من عصور متباعدة.لكن شيئاً واحداً جمع بينهم جميعاً.كانت أعينهم مثبتة عليّ.شعرت بأنفاسي تتسارع.وتراجعت خطوة إلى الخلف.ثم سمعت صوتاً خلفي.صوتاً أعرفه."لقد وصل."التفت بسرعة.كان الرجل المسن.يقف خلفي ممسكاً بعصاه.لكن ملامحه بدت أكثر هيبة من السابق.وكأنني لم أره على حقيقته إلا الآن.صرخت:"أخبرني ما الذي يحدث؟"نظر إليّ للحظات.ثم قال:"محاكمتك."شعرت بالغضب."أي محاكمة؟! أنا لم أقتل أحداً."ساد الصمت.ثم بدأت الضحكات تتردد بين الحشود.لم تكن ضحكات سخرية.بل ضحكات أ







