登入مرت السنوات سريعة كلمح البصر، تتبادل فيها الفصول خُطى الازدهار والسكينة فوق أراضي الشمال والأقاليم السبعة لم تعد الأكاديمية الملكية مجرد صرح تعليمي عند أطراف القلعة السوداء، بل تحولت إلى قلبٍ حقيقي يمد الأمة بأسرها بالدماء الفتية والأفكار النيرة كان الأطفال الذين ركضوا بالأمس في ساحاتها الترابية قد غدوا اليوم شباباً وفرساناً وحكماء، يحملون في أرواحهم عقيدة التعايش الشريف، ويقفون سداً منيعاً بوجه أي أفكار قديمة تحاول المساس بنسيج هذا السلام الأسطوري.بلغ أريان عامه السابع، وغدا فتىً يفيض بالهيبة والذكاء الفطري كان ينبض ببنية جسدية قوية ورثها عن والده الألفا داريان، وعينين ذهبيتين تشعان بحكمة عميقة وشفافية ورثها عن أمه البشرية هيلين كانت قدراته السحرية قد استقرت ونمت لتشكل مزيجاً نادراً؛ سحر الشفاء والترميم الممتزج بطاقة الذئاب الكاسحة، مما جعله محط إجلال ومحبة لدى قطاعات الشعب كافّة.في صباح ربيعي دافئ، تفتقت فيه أزهار الياسمين البري والورود النادرة في حدائق القلعة، كان أريان يتدرب في الساحة الشرقية تحت إشراف القائد إريك ووالده داريان. كانت حركاته خفيفة وسريعة كالنمر، يحمل سيفاً خشبي
استقر الهدوء العميق في أرجاء الجناح الملكي، واستحالت ألسنة اللهب في الموقد العظيم إلى جمرات متوهجة تنبعث منها حرارة خافتة تُلطّف برودة الليل الشمالي كان الصمت الذي يلف القلعة السوداء صمتاً مقدساً، لا يمت بصلة إلى ذلك الخوف الذي كان يخنق أنفاس ممراتها الحجرية في الماضي وضعنا "أريان" في مهده الصغير، واستسلمت أجسادنا وأرواحنا للراحة بعد يومٍ طويل خاضت فيه القلعة والقطيع مخاضاً جديداً للسلام.استيقظتُ مع إشراقة الصباح الأولى، قبل أن تتسلل أشعة الشمس الذهبية عبر النافذة القوسية الكبيرة كان داريان يغط في نومٍ عميق بجانبي، وملامحه الشرسة التي طالما أرعبت الشمال باتت وادعة وهادئة تحت الضوء الخافت مددتُ كفي برفق، ولمستُ حافة الندبة القديمة على وجهه؛ تلك الندبة التي كانت رمزاً لمعارك لا تنتهي، وأصبحت اليوم وساماً يشهد على تحول الذئب القاسي إلى حامٍ وراعي لأمة كاملة.فتح داريان عينيه الذهبايتين ببطء، وفي أقل من جزء من الثانية انجلت عنهما غشاوة النوم ليحل محلها ذلك البريق الحاد والمصاحب لحواسه الفائقة ابتسم حين رآني وقربني إلى صدره الشديد الحرارة، واضعاً قبس قبلة دافئة على جبهتي:– صباح الخير
أشرقت شمس النهار الجديد لتغمر الساحة الكبرى للقلعة السوداء بدفءٍ ساطع يُذيب بقايا الصقيع المترسب على حواف الصخور العتيقة امتدت ظلال النخيل والأشجار النادرة التي غرسناها في الفناء الداخلي لتضفي على المكان بهجة لم تعهدها هذه الجدران الصلبة طوال عقودٍ من الخوف والحروب المظلمة.وقف داريان بجانبي عند الشرفة الملكية المطلة على الساحة السفلى، حاملاً طفلنا "أريان" بين يديه الضخمتين برفقٍ حذر، بينما يتطلع الشعب المحتشد في الأسفل بنظرات يملؤها الفخر والامتنان كان أريان يمد يديه الصغيرتين نحو السحر الشمسي المنسكب من السماء، فتنعكس قطرات الضوء على عينيه الذهبايتين لتطلق ومضاتٍ شفافة أثارت حماسة الجموع، فتعالت الصيحات والابتهاجات التي هزت الجبال المحيطة.– انظري إليهم يا هيلين...همس داريان في أذني بصوت خفيض يفيض بالحب والوقار، وهو يلتفت إليّ بعينين تتألقان بنورٍ ذهبي ساحر:– أولئك الذين كانوا يرفعون السلاح بوجه بعضهم البعض، يقفون اليوم جنباً إلى جنب ليحتفلوا بقدوم سليل العهد الجديد لقد أدرك الشمال أن القوة الحقيقية ليست في الدماء والسياط، بل في هذا السلام الذي شيدتِه بصبركِ وشجاعتكِ.أمسكتُ بي
تجلت العتمة الدافئة فوق أرجاء الجناح الملكي لتغطي كل ركنٍ فيه بوشاح من السكينة التامة، وتسللت أنوار المشاعل الذهبية المتراقصة على الجدران الصخرية لتلتقي مع الضوء الفضي المنسكب من القمر الكامل كانت القلعة السوداء تصغي إلى صمتها الجديد بكبرياء؛ صمتٍ خلوٍ من صرير السلاسل ووهج الخوف القديم، يتردد في جنباته هسيس النيران المشتعلة في الموقد العظيم، وأنفاس الانتصار الهادئ الذي أرسى دعائم عهدٍ لن يتزعزع.وقفتُ عند طرف السرير الملكي، أرقب المهد الخشبي المحفور بنقوش النيازك الفضية والزهور النادرة كان أريان يغط في نومٍ عميق، وقد ارتمت خصلة من شعره الأسود الفاحم على جبهته الصافية، بينما تنبعث من جسده الصغير بين الحين والآخر ومضات ذهبية خافوتة؛ طاقة فتية تنبض بالحياة والسحر القديم، وكأن عروقه تختزن تاريخ الشمال بأكمله وتربطه برحمة البشر ونقائهم.انحنيتُ وأزحتُ الخصلة الشاردة عن وجهه، فتبسم في نومه ابتسامة ملائكية أزالت كل أثرٍ للمشقة والجهد اللذين بذلتهما طوال اليوم في إدارة شؤون القلعة والاهتمام بالوفود القادمة من الأقاليم المجاورة وضع كفه الصغير الملتف حول أبهامي برفق، فشعرت بدفءٍ ينساب في عروق
انتابنا الحنين والرهبة ونحن ننظر نحو الجموع المحتشدة، لكن شمس الظهيرة كانت تلوح في أفق الشمال لتعلن بدء حقبة جديدة لا مكان فيها للتردد انقضت المراسم الأولى في الساحة، وانتقلت الاحتفالات إلى القاعات الداخلية والساحات المفتوحة، حيث خيمت أجواء الفرح والدفء الإنساني الذي افتقدته القلعة لسنوات طوال.تراجعتُ برفقة داريان وأريان نحو الجناح الملكي لفترة وجيزة ليرتاح الصغير من صخب الجماهير أودعنا أريان في مهده المحاط بالحراس، ورغم أنه كان يبدو مجهداً، إلا أن طاقته الذهبية كانت تضيء الغرفة بشكل خفيف، متناغمة مع همسات الريح الشتوية التي تتراقص خلف النوافذ الزجاجية السميكة.التفت داريان إليّ وهو يتخفف من عباءته الثقيلة، وقال بنبرة تحمل هيبة الألفا وعطف الزوج:– هيلين، المأدبة الكبرى ستجمع رؤساء الأقاليم السبعة بعد غروب الشمس إنهم لم يأتوا فقط للابتهاج، بل ليسمعوا منا الرؤية التي ستضمن ألا تعود الحرب أبداً نريد أن نثبت لهم أن هذا السلام ليس مجرد هدنة مؤقتة صاغتها المشاعر، بل بنيان صلب تحميه القوة والحكمة معا.اقتربتُ منه ووضعتُ كفي على سواعده الصلبة وقُلت:– الرؤية حاضرة يا داريان. لقد أثبتنا ف
في تلك اللحظة الاستثنائية من السكينة، التي التفت فيها ذراعا داريان حول جسدي في قلب الجناح الملكي، بدت العاصفة القديمة وكأنها مجرد أسطورة بعيدة تروى للأطفال لتخويفهم قبل النوم كانت دقات قلبه المتزنة ضد صدري إيقاعاً أثبتّ به لنفسي، في كل ثانية، أن ما نعيشه ليس حلمًا عابرًا أو هدنة هشّة لكن الهدوء في الأقاليم الشمالية، مهما بلغ عمقه، يظل دوماً هدوءاً يحمل في طياته هيبة الجبال وعظمة القدر.ابتدأت الساعات التالية تتسلل بخفة، وصوت الريح الخارجية تحول من زمهرير غاضب إلى ما يشبه الهمس الأليف حول الأبراج العالية للقلعة السوداء استأذنتُ داريان برفق، وابتعدتُ بضع خطوات لألقي نظرة أخيرة على أريان كان الصغير قد غرق في نومٍ أعمق، واستقرت الشعلة السحرية الذهبية الصغيرة التي تنبعث منه، لتنسج هالة ضوئية خافته حول مهده، كأنها درعٌ طبيعي صاغته دماؤه المهجنة بين السحر البشري القديم وقوة الألفا المطلقة.اقترب داريان مني مجدداً، لكن ملامحه الحنونة امتزجت هذه المرة بجدية الألفا الذي لا يغفل لحظة واحدة عن حماية مكتسبات شعبه جلب عباءته الثقيلة ووضعها على كتفيّ، ثم أشار بيده نحو الممر الموصل إلى الغرفة الملح