Home / الرومانسية / نقطة الصفر / الفصل الرابع (سقوط الصنم)

Share

الفصل الرابع (سقوط الصنم)

last update publish date: 2026-04-10 03:49:21

ثلاث سنوات في القاهرة كانت كافية لتبديل ملامح روحي بالكامل. لم يعد "نوح" هو ذلك الفتى الذي يطارد الكرة في أزقة الإسكندرية، بل أصبح "صنماً" من ذهب، تعبده الجماهير في المدرجات، وتنهشه الذئاب في السهرات.

في البداية، كان "الكأس" مجرد وسيلة للنوم، لتهدئة ضجيج الهتافات في أذني. لكنه سرعان ما صار طقساً يومياً. كنتُ أشرب لأنسى ندى، ولأهزم طارق بداخل عقلي، ولأتحمل ثقل البدلة الإيطالية التي أرتديها. ثم دخل "الدخان" حياتي؛ ذلك السديم الذي يجعل العالم يبدو أقل قسوة، ويحول خيباتي إلى سحبٍ عابرة تتلاشى مع أول ضوء للفجر.

تعددت العلاقات، وصارت صوري مع "جميلات المجتمع" مادة دسمة لصحافة الفضائح. كنتُ أنتقل من امرأة إلى أخرى بحثاً عن وجه ندى، وعن رائحة المرسم، لكنني لم أكن أجد سوى عطوراً فرنسية باردة وأرواحاً خاوية تشبه أرواح من يرافقونها. كنتُ "نوح العبيدي" الهداف الوسيم، لكنني في الحقيقة كنتُ "حثالة" تلمع تحت الأضواء.

ليلة التتويج.. وبداية النهاية:

في تلك الليلة، كانت القاهرة تهتف باسمي. انتهت المباراة النهائية، وتوجنا بالدوري، وكنتُ أنا "الملك" المتوج بهداف البطولة للعام الثالث على التوالي. الدرع كان بين يدي، والميدالية الذهبية تلمع على صدري، لكنني كنتُ أشعر بخواءٍ مرعب.

"إلى سهرة العمر يا كابتن!" صرخ "منير" وكيل أعمالي وهو يفتح باب السيارة.

كانت "ليلى" بجانبي، إحدى تلك الرفيقات اللواتي يظهرن في لحظات النصر ويختفين عند أول عثرة. كانت تضحك بصوتٍ عالٍ وهي تصب لي الكأس الأول في السيارة. شربتُ وشربتُ، حتى غامت الرؤية وصار ضجيج القاهرة كأنه آتٍ من بئرٍ سحيق.

انتهت السهرة في أحد الفنادق الكبرى، ولم أكن أطيق البقاء. شعرتُ باختناق، برغبة في الهرب من كل هذا الزيف.

"نوح، إنت مش قادر تمشي.. خلي السواق يوصلنا" قالت ليلى وهي تتمايل.

"أنا نوح العبيدي .. أنا زى الفل و أسوق الدنيا باللى فيها !" صرختُ فيها بهستيريا، ودفعتها جانباً، واستقللتُ سيارتي الرياضية.

الحادث.. اللحظة التي توقف فيها الزمن:

قدتُ السيارة بسرعة جنونية في شوارع القاهرة شبه الخالية مع اقتراب الفجر. كانت الأضواء تتداخل أمامي كخطوط زيتية في لوحة فاشلة. المطر بدأ يهطل، يذكرني بآخر ليلة في الإسكندرية، وبكلمة الدكتور عمار: "الرسم لغة للي مش عارف يتكلم".

فجأة، وبلا مقدمات، رأيتُ شبحاً يعبر الطريق. لم تكن فراملي تسعفني، ولم يكن عقلي الغارق في الكحول والحشيش مدركاً لزوايا الملعب هذه المرة. انحرفتُ بالسيارة بعنف، فاصطدمت بحاجز خرساني، ثم انقلبت السيارة مرتين.. ثلاث.. أربع.

كان الصوت مروعاً؛ تحطم الزجاج الذي كنتُ أخشاه دائماً صار حقيقة، لكنه لم يكن زجاج سيارة نقل أثاث، كان زجاج حياتي كلها.

في تلك اللحظات التي تسبق الغيبوبة، لم أرَ أهدافي، ولم أرَ درع الدوري. رأيتُ ندى وهي تمسك الفرشاة، ورأيتُ كريم وهو يضع يده على كتفي ويقول: "الزجاج اللي انكسر اتصلح خلاص". أحسستُ ببرودة المطر تختلط بحرارة دمي، وبألمٍ يمزق قدمي اليسرى.. قدمي التي صنعت مجدي، أحسستُ بها تنكسر كغصن يابس، مرة.. ومرتين.

الغيبوبة والسواد:

انطفأ العالم. لم يعد هناك هتاف، ولا أضواء، ولا كؤوس. دخلتُ في نفقٍ طويل ومظلم. يقول الأطباء لاحقاً إنني كنتُ بين الموت والحياة لمدة عشرة أيام. في تلك الغيبوبة، كنتُ أحلم بأنني أحاول رسم لوحة، لكن كلما وضعتُ الفرشاة على الورق، كانت الورقة تنزف دماً.

أفقتُ لأجد نفسي في غرفة بيضاء، رائحتها مطهرة تقتل كل ذكريات "التنّر" والزيت. كانت قدمي معلقة في الهواء، مثقلة بالجبس والأسياخ المعدنية. وبجانبي، لم تكن هناك ليلى، ولا منير، ولا الصحفيون.

كان هناك "كريم".. وجهه يملؤه الشيب والحزن، يمسك بسبحته ويصلي. وحين رآني أفتح عيني، بكى برهبة وهو يهمس:

"حمدالله على السلامة يا بطل .. حمدالله على السلامة يا حبيبي ربنا أستجاب لي .. اللهم لك الحمد و الشكر حمداً كثيراً "

سألتُ بصوتٍ مبحوح، صوت رجل فقد كل شيء في ليلة واحدة:

"رجلي يا كريم؟"

أطرق كريم رأسه وقال بمرارة:

"الدكاترة بيقولوا كسرين مضاعفين في رجلك "

كنت أعلم أن كريم يحاول تبسيط الأمور لكي لا أفزع ،أبتسمت بسخرية و قلت له:

"كسرين بس يا كريم"

صمت قليلا ثم تمالك أعصابه

"أنا طول عمري و انا صريح معاك يا نوح .. و أنت طبعا مؤمن بالله و بقضاء ربنا .. الكورة بقت ماضي خلاص . دلوقتي إحنا بنحاول نخليك تمشي بس."

نظرتُ للسقف، وشعرتُ للمرة الأولى منذ سنوات بدموع حقيقية تغسل وجهي. ثم دخلت في غيبوبة مرة أخرى .

لقد سقط الصنم، وتحطم "الرسام"، ولم يبقَ سوى حطام إنسان كان يظن أنه ملك العالم، بينما كان يسكن في "لوحة مزورة" من صنعه هو.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نقطة الصفر   الفصل الحادي عشر (أيامنا الحلوة)

    صباح مختلف الإسكندرية – كفر عبده – ربيع 2031 لم يعد القصر يستيقظ على الصمت. كان هذا أول ما يمكن لأي زائر أن يلاحظه لو مر من أمام البوابة الحديدية العتيقة في السابعة صباحًا. قبل عام واحد فقط، كانت هذه الجدران الضخمة تقف كأثرٍ باهت من زمن انتهى، أما الآن فقد أصبحت كائناً حياً؛ يتنفس، ويضحك، ويغضب، ويصنع الفوضى الجميلة التي لا تصنعها إلا البيوت المليئة بأصحابها. في الحديقة الخلفية، كانت أشجار الليمون تتمايل تحت نسيم البحر الخفيف، بينما انبعثت رائحة القهوة الطازجة من النوافذ المفتوحة. وفي الداخل... كانت الحرب قد بدأت بالفعل. "يا نهار أبيض!" دوّى صوت أم نوح في أرجاء القصر: "الساعة داخلة على تمانية ولسه محدش نزل يفطر، أما خواجات صحيح!" ثم تبع ذلك صوت ارتطام غطاء حلة بالمطبخ: "أنا لو كنت عايشة لوحدي كان زماني خلصت الفطار والغدا والعشا كمان!" في الطابق العلوي... فتح نوح إحدى عينيه ببطء، ثم أغلقها مرة أخرى، ثم فتحها من جديد وهو يتأمل سقف الغرفة. لحظة هدوء قصيرة، ثم جاء صوت أمه مجددًا: "نووووووح!" تنهد، وقال بصوت ناعس: "بدأنا..." وبجانبه مباشرة كانت ليلى مستيقظة منذ دقائق، تراقبه ب

  • نقطة الصفر   الفصل العاشر (الرقصة الأخيرة)

    الأسكندرية : كفر عبده (صيف 2030) لم يكن صباح الإسكندرية اليوم يشبه أي صباح آخر ، حيث كان البحر في الأفق ساكناً على نحو غير طبيعي، كصفحة زرقاء ممتدة بلا موجة واحدة تجرؤ على الارتفاع، كأنه شاهد عيان قرر الصمت تأدباً أمام حدث لا يملك حق التدخل فيه. وفي كفر عبده، لم يعد ذلك القصر القديم رمزاً للعزلة والوحشة أو جدراناً تختزن الذكريات الباردة؛ لقد تبدل جِلده تماماً هذا الصباح، وشُرعت أبوابه الحديدية الضخمة على اتساعها لترحب بالضوء، بينما تحولت الحديقة التي عانت الإهمال طويلاً إلى مسرح من اللونين الأبيض والوردي، حيث تمازجت حركة العمال السريعة مع نغمات موسيقى هادئة تنبعث من مكبرات صوت مخفية بعناية بين أغصان الأشجار العتيقة، ورغم كل هذا الجمال البصري المفاجئ، كان هناك شعور خفي يتسلل بين الحضور بأن القصر لا يحتفل فحسب، بل يحبس أنفاسه ترقباً، كمن يخاف أن يستيقظ من حلم جميل على صفعة من الواقع. وفي الطابق العلوي، وراء زجاج نافذة واسعة، كان نوح واقفاً بزيه الكامل أمام مرآة كلاسيكية طويلة، يرتدي بدلة سوداء ذات قصة عصرية حادة يكسر حدتها قميص أبيض ناصع، بينما كانت رابطة عنقه لا تزال مسترخية حول عن

  • نقطة الصفر   الفصل التاسع (بداية و نهاية)

    زلزال الحقيقة (شتاء 2029).[المشهد الأول: إسكندرية - مرسم جليم - بناء الروح]كان شتاء الإسكندرية في ذلك اليوم يطرق النوافذ العالية للمرسم بقوة، لكن في الداخل كان هناك دفء من نوع خاص. رائحة خشب الصنوبر الممزوجة بالتربنتين وألوان الزيت كانت تعبق في الأرجاء. الضوء الشتوي الشاحب ينسل من الفتحات السماوية للمرسم، ليرسم مسارات من الغبار الذهبي تتراقص فوق الأرضية الخشبية العتيقة التي شهدت انكسار نوح.. وشهدت الآن قيامه.ليلى كانت تجلس على طاولة المكتب الخشبية الصغيرة في الركن، غارقة وسط أكوام من الأوراق والملفات القانونية. لم تعد تلك الفتاة التي ترتب الفرشاة فقط، بل أصبحت المحرك الصامت لإمبراطورية "نوح العبيدي". كانت ترتدي سترة صوفية "هاي كول" باللون البيج، تزيد من وقار ملامحها، ونظارتها الطبية كانت تلمع تحت ضوء "الأباجورة" المكتبية وهي تراجع بنهم بنود "أكاديمية نوح الدولية للفنون".على الجانب الآخر، وقف نوح أمام لوحة ضخمة. كان يرتدي قميصاً أسوداً ملطخاً ببعض الألوان عند الأكمام. وضع فرشاته ببطء على مسندها، ومسح يده في قطعة قماش متهالكة وهو يراقبها. كانت ليلى تضع خصلة شعرها خلف أذنها بتركيز

  • نقطة الصفر   الفصل الثامن (الخيط المقطوع)

    (بعد 3 سنوات - شتاء 2029)المكان: مرسم نوح - جليم، الإسكندريةداخل المرسم، لم يكن الصمت هو السائد، بل صوت إشعارات الرسائل ومنبهات التصوير. ليلى (المساعدة) كانت ماسكة تليفونها "iPhone" وبتابع "Story" نزلتها صفحة فنية كبيرة على Instagram وTikTok.ليلى (بحماس وهي بتوري نوح الشاشة):"يا فنان.. الفيديو 'Reel' اللي صورناه وإنت بترسم لوحة 'الغراب' جاب 2 مليون مشاهدة في 6 ساعات! التعليقات كلها بتسأل عن ميعاد معرض القاهرة، وفيه 'Influencers' كتير باعتين عايزين تغطية حصرية."نوح كان واقف قدام لوحته، لابس سماعاته "AirPods" وبيسمع مزيكا هادية بتفصله عن الدوشة دي. قلع السماعة وبص للتليفون بابتسامة خفيفة ووقورة. نوح في 2029 بقى شخصية "Mysterious" (غامضة) جداً على السوشيال ميديا، وده اللي خلى الناس تتجنن عليه؛ رسام وسيم، رياضي سابق، مبيطلعش يتكلم كتير، ولوحاته فيها وجع حقيقي.نوح (بصوت هادي ورزين):"مش عايز تغطية 'بلوجرز' يا ليلى. المعرض ده فني مش 'افتتاح مطعم'. الـ WhatsApp بتاع كريم مبيبطرش رن من الصبح، خليه يفلتر الدعوات.. أنا عايز اللي يجي يكون جاي يشوف 'فن' مش يتصور 'Mirror Selfie'."كريم دخل ا

  • نقطة الصفر   الفصل السابع (صبر أيوب)

    صمتُ ما قبل العاصفة .مرت عشرة أيام على استفاقة نوح، لكنها كانت تمر كالسنين. الغرفة لا تزال غارقة في رائحة المطهرات، وصوت الأجهزة الرتيب ينهش في رأسه الذي لا يزال يشعر بدوار "الارتجاج". يده اليمنى كانت مكبلة بالجبس، وساقه المعلقة كانت تذكره في كل نبضة أن "نوح" الذي كان يركض، قد توفى في تلك الحادثة.كان نوح يحاول استعادة توازنه النفسي، حين طُرق الباب بهدوء. لم ينتظر الطارق الإذن، دخل رجل ببدلة رسمية رمادية، ملامحه عملية وجافة، يحمل في يده حقيبة جلدية فاخرة .إنهُ "محامي النادي".المحامي (بنبرة خالية من المشاعر): "كابتن نوح.. حمد لله على سلامتك. أنا مش هطول عليك، عارف إن حالتك لسه مستقرتش."نوح لم يحرك رأسه، اكتفى بنظرة جانبية باردة من عينه المتعبة.المحامي (وهو يخرج أوراقاً من حقيبته): "دي تسوية نهائية.. الإدارة قررت تتحمل تكاليف المستشفى بالكامل لحد يوم خروجك، بالإضافة لمبلغ ترضية 'استثنائي' مقابل فسخ العقد بالتراضي.. النادي بيقدر ظروفك، بس أنت عارف إن الفريق محتاج مكان في القائمة لتدعيمات يناير، والإصابة.. تقرير المستشفي بيقول أنك خلاص يا رسام.. مش هتقدر تلعب تاني "وضع المحامي الأور

  • نقطة الصفر   الفصل السادس (سيجارة حشيش)

    فتحت ندى الباب،كانت الرائحة خانقة، مزيج من المطهرات والوجع.كانت مجهزة جمل اعتذار، ودموعاً كفيلة بغسل سنين الغياب. ارتمت على طرف السرير، مسكت إيده اللي كانت باردة زي التلج."نوح.. أنا هنا، مش هسيبك تاني، طارق ميهمنيش، الدنيا كلها متهمنيش.."نوح مكنش باصص لها أصلاً. كان باصص للسقف، لفتحة التكييف، لأي حاجة تانية. مكنش فيه غضب في عينه، كان فيه "فراغ". سحب إيده منها ببطء شديد، مش بعنف، كأنه بيبعد إيده عن حاجة "ملوثة" أو "ملهاش لازمة".بص لها أخيراً، وسألها سؤال واحد خلى دمها يتجمد:"إنتي مين؟"ندى اتصدمت، افتكرت إنه لسه تحت تأثير البنج أو الحادثة: "أنا ندى يا نوح.. ندى حبيبتك.."ابتسم نوح ابتسامة صفراء، مخيفة:"آه.. ندى. تصدقي ملامحك اتغيرت خالص عن البنت اللي كنت برسمها. الفلوس وعيشة القصور بتنفخ الوش فعلاً."سكت لحظة وهو بيحاول يعدل نفسه بألم، ورفض مساعدتها لما مدت إيدها:"بصي يا ندى.. أنا مش زعلان منك، ولا حتى بكرهك. أنا بس 'قرفت'. الحادثة دي نظفت دماغي من حاجات كتير كانت عاملة زي الصدأ. اكتشفت إنك كنتِ 'عرض جانبي' في حياتي، زي سيجارة حشيش سطلتني شوية وفقت منها بخبطة على دماغي "ندى بدأ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status