Home / الرومانسية / نقطة الصفر / الفصل الخامس (فات المعاد)

Share

الفصل الخامس (فات المعاد)

last update publish date: 2026-04-10 03:49:56

في بيت طارق الفاخر بالقاهرة، البيت الذي يسكنه الصمت وتغلفه البرودة رغم فخامة أثاثه، كانت ندى تعيش في سجنٍ غير مرئي. لم يعد المرسم هو ذلك المكان الذي تفوح منه رائحة الأحلام، بل صار ركناً صغيراً تحاول فيه الهروب من واقعها.

طارق لم يتغير؛ ظل يرى ندى كـ "قطعة ديكور" غالية الثمن، تكتمل بها وجاهته الاجتماعية. كان يفتخر بها في الحفلات كابنة الدكتور عمار والرسامة الموهوبة، لكنه في المنزل كان يطفئ شموع روحها ببروده واهتمامه المحموم بالصفقات والأرقام. كانت تشاهد "نوح" في التلفاز، تتابع أهدافه وتسمع هتافات الجماهير له، وفي كل مرة كانت تغمض عينيها وتتخيل أن تلك الصرخات هي رسائل مشفرة مرسلة إليها هي وحدها.

لحظة الخبر:

كانت ليلة شاتية، تشبه ليالي الإسكندرية التي يحبانها. ندى جالسة أمام شاشة التلفاز بلا هدف، تقلب القنوات بملل، بينما طارق في مكتبه ينهي مكالماته الصاخبة. فجأة، توقف الشريط الإخباري في أسفل الشاشة، وصوت المذيع صار حاداً ومرتبكاً:

"خبر عاجل: إصابة مروعة لنجم نادي الزمالك والمنتخب الوطني نوح العبيدي في حادث سيارة أليم.. وأنباء عن تدهور حالته الصحية."

سقط قدح الشاي من يد ندى، تهشم على الرخام تماماً كما تهشم قلبها. لم تصرخ، بل شعرت بأن الهواء انسحب من الغرفة. تجمدت أمام صور السيارة المحطمة، تلك الكتلة الحديدية التي كانت منذ قليل تحمل "روحها" الضائعة.

خرج طارق من مكتبه على صوت تحطم القدح، نظر إلى الشاشة ثم إليها ببرودٍ أثار اشمئزازها:

"شوفتي؟ أهو ده آخرة السهر والمنظرة.. أنا قولت لك زمان إن اللي بيجري ورا كورة بيبقى عقله خفيف. اديكي شايفة، ضيع نفسه وضيع مستقبله في لحظة طيش."

نظرت إليه ندى، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، لم ترَ فيه الرجل الذي اختاره والدها "ستراً"، بل رأت "قاتلاً" للمشاعر. قالت بصوتٍ منخفض يرتجف بالغل:

"ضيع نفسه؟ نوح كان بيحاول يهرب من الوجع اللي انا سببتهوله. إنت فرحان؟"

"كلمة كمان و هتشوفي وش مش حلو" رد طارق وهو يعود لمكتبه غير مبالٍ، "وعموماً، الحادثة دي هتريحنا من وجع الدماغ وسيرته اللي بتلاحقنا في كل حتة."

في غرفتها.. المواجهة مع الذات:

دخلت ندى غرفتها وأغلقت الباب. أخرجت من تحت وسادتها "اسكتش" قديماً لنوح، كانت قد رسمته خلسة وهو يضحك في الملعب. لم تستطع البكاء في البداية؛ كان الألم أكبر من الدموع.

تذكرت مكالماتها معه في السنة الأولى من غربته، كيف كانت تخفي عنه ضغوط والدها وديون المكتب التي تراكمت فجأة، وكيف أقنعها الدكتور عمار أن طارق هو "المنقذ" الوحيد من فضيحة مالية تلوح في الأفق. كانت تظن أنها تضحي بنفسها لأجل والدها، ولم تكن تعرف أنها تذبح نوح معها.

كانت تتابع انحداره في السهر والنساء من خلال المجلات، وكانت تعرف يقيناً أنه يفعل ذلك ليخرس صوت حبه لها.

مع بزوغ الفجر، وبعد ليلة لم تذق فيها طعم النوم وهي تتابع الأخبار المتلاحقة عن "الغيبوبة" و"الكسور"، وقفت ندى أمام مرآتها. مسحت وجهها الشاحب، وارتدت ملابسها.

دخل عليها طارق وهو يستعد للخروج:

"على فين على الصبح كدا؟"

"رايحة المستشفى يا طارق."

"مستشفى إيه؟ إنتي اتجننتي؟ عايزة تروحي لواحد سكران عمل حادثة مع رفيقته؟ عايزة تفرجي علينا الناس والصحافة؟"

أمسكت ندى بحقيبتها، ونظرت إليه بنظرة لم يسبق له أن رآها، نظرة امرأة لم يعد لديها ما تخسره:

"الناس شافت كتير يا طارق و لسه هتشوف ، انا ميهمنيش كلام الناس ، أنا يهمني نوح ، و هنزل دلوقتى حالاً أروحله المستشفي ، و أفضل جنبه لحد ما أطمن عليه ، ولو عايز تطلقني، طلقني"

خرجت ندى من البيت، تسبقها دقات قلبها نحو المستشفى، نحو الحطام الذي صنعته يدها، وصنعه القدر، وصنعه "طارق".

**********

في طريقها إلى المستشفى، كانت ندى شاردة، تنظر من نافذة السيارة إلى شوارع القاهرة الممطرة، لكنها لم تكن ترى الزحام؛ كانت ترى شريط حياتها الملتصق بحياة نوح منذ أن كانت في السابعة من عمرها.

البداية: العيون الزرقاء والكرة الطائشة

تذكرت ذلك اليوم جيداً، يوم انتقلوا إلى الإسكندرية. كانت تجلس في المقعد الخلفي للسيارة، تراقب الشارع الغريب عنها بخوف. فجأة، دوى صوت تحطم الزجاج بجانب أذنيها. صرخت من الرعب، لكن حين نزل والدها غاضباً، لم تنظر هي للزجاج، بل نظرت إلى "الولد" الذي كان يقف بذهول.

لم تره "دبشاً" كما وصفه والدها، بل رأت فيه "بطلاً" صغيراً بقميصٍ ملطخ بالتراب وعينين تشعان بالحياة. تذكرت كيف كانت تراقبه من الشرفة وهو يقف لساعات يرقب خروجها، وكيف كانت تتظاهر بأنها لا تراه بينما كانت تحفظ تفاصيل وجهه ونبرة صوته وهو ينادي على أصحابه.

المرسم: الحب الذي نبت بين الألوان

تذكرت ندى كيف كانت تراقبه وهو يحاول إمساك الفرشاة لأول مرة. كان يمسكها كأنه يمسك "سيفاً"، يخشى أن تكسره رقته. كانت تضحك في سرها على محاولاته المستميتة ليكون "فناناً" فقط ليبقى بجوارها.

قالت لنفسها وهي تمسح دمعة سقطت على ثوبها الأسود: "إنت متعلّمتش الرسم يا نوح عشان تبقى فنان.. إنت علّمتني أنا إزاي أشوف الدنيا بعيونك."

تذكرت ليلتهما على سور الكورنيش، ملمس شعره تحت يدها، ووعودهما التي ظنت أنها أقوى من الزمن. كان نوح بالنسبة لها هو "النور" الذي يكسر حدة والدها الدكتور عمار وسخفه الدائم.

السقوط في الفخ: لماذا طارق؟

عادت بذاكرتها إلى تلك الشهور السوداء التي تلت سفر نوح للقاهرة. والدها، الدكتور عمار، لم يكن ذلك الرجل المثالي الذي يراه الناس؛ كان غارقاً في خسائر مادية فادحة نتيجة مغامرات غير محسوبة، وكان مكتبه الهندسي على وشك الإفلاس والفضائح القانونية.

ظهر "طارق" كطوق نجاة. لم يكن والده شريكاً فحسب، بل كان "الدائن". طارق عرض "الصفقة" بذكاء: الزواج من ندى مقابل تسوية كل ديون الدكتور عمار وإنقاذ سمعته.

تذكرت ندى وقوفها أمام والدها وهو يبكي، يترجاها أن تنقذه من السجن. تذكرت كيف كانت تتصل بنوح وتسمع صوته المليء بالأحلام، فتعجز عن إخباره بأنها "تُباع" لإنقاذ ما تبقى من كبرياء والدها. وافقت لكي لا يرى نوح محبوبته وهي "مشردة" أو والدها وهو خلف القضبان، فارتدت الفستان الأبيض وهي تشعر أنه "كفن" لروحها.

ثلاث سنوات من الجحيم البارد

عاشت ندى مع طارق كآلة. كانت ترى نجاحات نوح في التلفزيون بقلبٍ ممزق. تتابع أهدافه وتحزن لكل "رفيقة" تظهر معه في الصور، لأنها كانت تدرك أن كل امرأة في حياة نوح هي محاولة منه للانتقام منها، أو للهرب من ذكراها.

اللحظة الصفر: الخبر

وفجأة، تحطم كل شيء. ذلك الخبر العاجل في التلفزيون كان الركلة الأخيرة التي حطمت زجاج حياتها المستقرة زيفاً.

"إصابة مروعة لنجم الزمالك نوح العبيدي.. كسر مضاعف في القدم.. غيبوبة."

حين قال لها طارق ببرود: "أهو ضيع نفسه"، شعرت ندى بأن صمام الأمان في قلبها قد انفجر. لم يعد يهمها والدها، ولا ديون المكتب، ولا "المقام" الاجتماعي. كل ما كانت تراه هو ذلك الطفل الذي كسر الزجاج يوماً، وهو الآن يرققد محطماً، وحيداً، بين يدي الموت.

وصلت السيارة إلى باب المستشفى. ترجلت ندى بخطوات لم تعد تعرف التردد. الزحام كان شديداً، كاميرات الصحافة والمشجعين في كل مكان. لكنها شقت طريقها كإعصار. لم تكن ترى أحداً.

عند باب العناية المركزة، وجدت "كريم". كان وجهه نسخة من الحزن القديم. حين رآها، لم يغضب، لم يعاتبها على سنوات الغياب. فتح لها ذراعيه كأنه يفتح لها باب "البيت القديم" في الإسكندرية.

ارتمت في حضنه وانفجرت بالبكاء لأول مرة منذ ثلاث سنوات:

"كريم.. نوح هيمشي تاني؟ قولي إنه هيقوم تاني يا كريم.. أنا السبب يا كريم .. أنا السبب."

أمسك كريم بكتفيها وقال بصوتٍ هز كيانها:

"نوح بين إيدين ربنا يا ندى،أدعيله"

في تلك اللحظة، فتحت الممرضة الباب وقالت بلهجة مرتبكة:

"المريض بدأ يسترد وعيه.. وبيردد اسم 'ندى'."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نقطة الصفر   الفصل التاسع (بداية و نهاية)

    زلزال الحقيقة (شتاء 2029).[المشهد الأول: إسكندرية - مرسم جليم - بناء الروح]كان شتاء الإسكندرية في ذلك اليوم يطرق النوافذ العالية للمرسم بقوة، لكن في الداخل كان هناك دفء من نوع خاص. رائحة خشب الصنوبر الممزوجة بالتربنتين وألوان الزيت كانت تعبق في الأرجاء. الضوء الشتوي الشاحب ينسل من الفتحات السماوية للمرسم، ليرسم مسارات من الغبار الذهبي تتراقص فوق الأرضية الخشبية العتيقة التي شهدت انكسار نوح.. وشهدت الآن قيامه.ليلى كانت تجلس على طاولة المكتب الخشبية الصغيرة في الركن، غارقة وسط أكوام من الأوراق والملفات القانونية. لم تعد تلك الفتاة التي ترتب الفرشاة فقط، بل أصبحت المحرك الصامت لإمبراطورية "نوح العبيدي". كانت ترتدي سترة صوفية "هاي كول" باللون البيج، تزيد من وقار ملامحها، ونظارتها الطبية كانت تلمع تحت ضوء "الأباجورة" المكتبية وهي تراجع بنهم بنود "أكاديمية نوح الدولية للفنون".على الجانب الآخر، وقف نوح أمام لوحة ضخمة. كان يرتدي قميصاً أسوداً ملطخاً ببعض الألوان عند الأكمام. وضع فرشاته ببطء على مسندها، ومسح يده في قطعة قماش متهالكة وهو يراقبها. كانت ليلى تضع خصلة شعرها خلف أذنها بتركيز

  • نقطة الصفر   الفصل الثامن (الخيط المقطوع)

    (بعد 3 سنوات - شتاء 2029)المكان: مرسم نوح - جليم، الإسكندريةداخل المرسم، لم يكن الصمت هو السائد، بل صوت إشعارات الرسائل ومنبهات التصوير. ليلى (المساعدة) كانت ماسكة تليفونها "iPhone" وبتابع "Story" نزلتها صفحة فنية كبيرة على Instagram وTikTok.ليلى (بحماس وهي بتوري نوح الشاشة):"يا فنان.. الفيديو 'Reel' اللي صورناه وإنت بترسم لوحة 'الغراب' جاب 2 مليون مشاهدة في 6 ساعات! التعليقات كلها بتسأل عن ميعاد معرض القاهرة، وفيه 'Influencers' كتير باعتين عايزين تغطية حصرية."نوح كان واقف قدام لوحته، لابس سماعاته "AirPods" وبيسمع مزيكا هادية بتفصله عن الدوشة دي. قلع السماعة وبص للتليفون بابتسامة خفيفة ووقورة. نوح في 2029 بقى شخصية "Mysterious" (غامضة) جداً على السوشيال ميديا، وده اللي خلى الناس تتجنن عليه؛ رسام وسيم، رياضي سابق، مبيطلعش يتكلم كتير، ولوحاته فيها وجع حقيقي.نوح (بصوت هادي ورزين):"مش عايز تغطية 'بلوجرز' يا ليلى. المعرض ده فني مش 'افتتاح مطعم'. الـ WhatsApp بتاع كريم مبيبطرش رن من الصبح، خليه يفلتر الدعوات.. أنا عايز اللي يجي يكون جاي يشوف 'فن' مش يتصور 'Mirror Selfie'."كريم دخل ا

  • نقطة الصفر   الفصل السابع (صبر أيوب)

    صمتُ ما قبل العاصفة .مرت عشرة أيام على استفاقة نوح، لكنها كانت تمر كالسنين. الغرفة لا تزال غارقة في رائحة المطهرات، وصوت الأجهزة الرتيب ينهش في رأسه الذي لا يزال يشعر بدوار "الارتجاج". يده اليمنى كانت مكبلة بالجبس، وساقه المعلقة كانت تذكره في كل نبضة أن "نوح" الذي كان يركض، قد توفى في تلك الحادثة.كان نوح يحاول استعادة توازنه النفسي، حين طُرق الباب بهدوء. لم ينتظر الطارق الإذن، دخل رجل ببدلة رسمية رمادية، ملامحه عملية وجافة، يحمل في يده حقيبة جلدية فاخرة .إنهُ "محامي النادي".المحامي (بنبرة خالية من المشاعر): "كابتن نوح.. حمد لله على سلامتك. أنا مش هطول عليك، عارف إن حالتك لسه مستقرتش."نوح لم يحرك رأسه، اكتفى بنظرة جانبية باردة من عينه المتعبة.المحامي (وهو يخرج أوراقاً من حقيبته): "دي تسوية نهائية.. الإدارة قررت تتحمل تكاليف المستشفى بالكامل لحد يوم خروجك، بالإضافة لمبلغ ترضية 'استثنائي' مقابل فسخ العقد بالتراضي.. النادي بيقدر ظروفك، بس أنت عارف إن الفريق محتاج مكان في القائمة لتدعيمات يناير، والإصابة.. تقرير المستشفي بيقول أنك خلاص يا رسام.. مش هتقدر تلعب تاني "وضع المحامي الأور

  • نقطة الصفر   الفصل السادس (سيجارة حشيش)

    فتحت ندى الباب،كانت الرائحة خانقة، مزيج من المطهرات والوجع.كانت مجهزة جمل اعتذار، ودموعاً كفيلة بغسل سنين الغياب. ارتمت على طرف السرير، مسكت إيده اللي كانت باردة زي التلج."نوح.. أنا هنا، مش هسيبك تاني، طارق ميهمنيش، الدنيا كلها متهمنيش.."نوح مكنش باصص لها أصلاً. كان باصص للسقف، لفتحة التكييف، لأي حاجة تانية. مكنش فيه غضب في عينه، كان فيه "فراغ". سحب إيده منها ببطء شديد، مش بعنف، كأنه بيبعد إيده عن حاجة "ملوثة" أو "ملهاش لازمة".بص لها أخيراً، وسألها سؤال واحد خلى دمها يتجمد:"إنتي مين؟"ندى اتصدمت، افتكرت إنه لسه تحت تأثير البنج أو الحادثة: "أنا ندى يا نوح.. ندى حبيبتك.."ابتسم نوح ابتسامة صفراء، مخيفة:"آه.. ندى. تصدقي ملامحك اتغيرت خالص عن البنت اللي كنت برسمها. الفلوس وعيشة القصور بتنفخ الوش فعلاً."سكت لحظة وهو بيحاول يعدل نفسه بألم، ورفض مساعدتها لما مدت إيدها:"بصي يا ندى.. أنا مش زعلان منك، ولا حتى بكرهك. أنا بس 'قرفت'. الحادثة دي نظفت دماغي من حاجات كتير كانت عاملة زي الصدأ. اكتشفت إنك كنتِ 'عرض جانبي' في حياتي، زي سيجارة حشيش سطلتني شوية وفقت منها بخبطة على دماغي "ندى بدأ

  • نقطة الصفر   الفصل الخامس (فات المعاد)

    في بيت طارق الفاخر بالقاهرة، البيت الذي يسكنه الصمت وتغلفه البرودة رغم فخامة أثاثه، كانت ندى تعيش في سجنٍ غير مرئي. لم يعد المرسم هو ذلك المكان الذي تفوح منه رائحة الأحلام، بل صار ركناً صغيراً تحاول فيه الهروب من واقعها.طارق لم يتغير؛ ظل يرى ندى كـ "قطعة ديكور" غالية الثمن، تكتمل بها وجاهته الاجتماعية. كان يفتخر بها في الحفلات كابنة الدكتور عمار والرسامة الموهوبة، لكنه في المنزل كان يطفئ شموع روحها ببروده واهتمامه المحموم بالصفقات والأرقام. كانت تشاهد "نوح" في التلفاز، تتابع أهدافه وتسمع هتافات الجماهير له، وفي كل مرة كانت تغمض عينيها وتتخيل أن تلك الصرخات هي رسائل مشفرة مرسلة إليها هي وحدها.لحظة الخبر:كانت ليلة شاتية، تشبه ليالي الإسكندرية التي يحبانها. ندى جالسة أمام شاشة التلفاز بلا هدف، تقلب القنوات بملل، بينما طارق في مكتبه ينهي مكالماته الصاخبة. فجأة، توقف الشريط الإخباري في أسفل الشاشة، وصوت المذيع صار حاداً ومرتبكاً:"خبر عاجل: إصابة مروعة لنجم نادي الزمالك والمنتخب الوطني نوح العبيدي في حادث سيارة أليم.. وأنباء عن تدهور حالته الصحية."سقط قدح الشاي من يد ندى، تهشم على الرخ

  • نقطة الصفر   الفصل الرابع (سقوط الصنم)

    ثلاث سنوات في القاهرة كانت كافية لتبديل ملامح روحي بالكامل. لم يعد "نوح" هو ذلك الفتى الذي يطارد الكرة في أزقة الإسكندرية، بل أصبح "صنماً" من ذهب، تعبده الجماهير في المدرجات، وتنهشه الذئاب في السهرات.في البداية، كان "الكأس" مجرد وسيلة للنوم، لتهدئة ضجيج الهتافات في أذني. لكنه سرعان ما صار طقساً يومياً. كنتُ أشرب لأنسى ندى، ولأهزم طارق بداخل عقلي، ولأتحمل ثقل البدلة الإيطالية التي أرتديها. ثم دخل "الدخان" حياتي؛ ذلك السديم الذي يجعل العالم يبدو أقل قسوة، ويحول خيباتي إلى سحبٍ عابرة تتلاشى مع أول ضوء للفجر.تعددت العلاقات، وصارت صوري مع "جميلات المجتمع" مادة دسمة لصحافة الفضائح. كنتُ أنتقل من امرأة إلى أخرى بحثاً عن وجه ندى، وعن رائحة المرسم، لكنني لم أكن أجد سوى عطوراً فرنسية باردة وأرواحاً خاوية تشبه أرواح من يرافقونها. كنتُ "نوح العبيدي" الهداف الوسيم، لكنني في الحقيقة كنتُ "حثالة" تلمع تحت الأضواء.ليلة التتويج.. وبداية النهاية:في تلك الليلة، كانت القاهرة تهتف باسمي. انتهت المباراة النهائية، وتوجنا بالدوري، وكنتُ أنا "الملك" المتوج بهداف البطولة للعام الثالث على التوالي. الدرع كان

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status