LOGIN"ركلة طائشة.. كانت كافية لتبدأ حكاية لم يكتبها أحد." بين ضجيج ملاعب الكرة وهدوء مرسم الألوان، نمت قصة "نوح" و"ندى". وعودٌ طفولية بريئة، وأحلامٌ كبرت معهما في أزقة الإسكندرية وتحت مطرها الشتوي. هو يرى العالم من خلال ريشتها، وهي ترى الحياة في إصرار عينيه. لكن، ماذا يحدث حين تضعنا الأيام أمام اختيارات لم نكن مستعدين لها؟ وهل يكفي الحب وحده لنصمد حين تقرر الدنيا أن تعيدنا جميعاً إلى.. "نقطة الصفر"؟
View Moreلا أعلم وجهتى إلى أين ، تائه ك من لا يعرف والديه ، السماء تمطر حنين ، و الأرض تحتضنه بأشتياق الغائب .
أمشى وسط خيباتى أجر ألمى ، مرتدى لباس اليأس ،سانداً على عكاز الندم . المطر يداعب وجهى الشاحب ذو العيون الجافة ، يذكرنى بلمسات من أحببت . توقفت أمام بحر الاسكندريه الثائر ، دائماً هو ملجأى عندما يضيق صدري . بالأمس كنا هُنا سوياً . كانت رأسى على فخدها الدافئ ، مستلقياً بين يَدَها الناعمتين على سور الكورنيش . سألت ندى بتأمل و هى تداعب خُصلات شعرى . - "تقدر تقولى ليه اسكندرية أجمل مدينة فى العالم فى الشتا" . قُلت لها بكل حب و أمتنان . - "عشان أنتى موجودة فيها" . علاقتى ب ندى لم تكن مثل أى علاقة عابرة فى حياتى العبثية ، ندى كانت كل شئ . عندما كنت فى العاشرة من عمرى ، كنا نلعب الكرة أنا و أصدقائى تحت منزلى ، فى شارع منطقتنا الشعبى ، كان الحماس سائد اللعب ، و الجميع يتصارع على الكرة بعنف ، ظهرت انا بمكر و أخذت الكرة و اتجهت لمرمى الخصم و عندما ركلة الكرة بقوة ، لم تصيب المرمى ، بل أصابت الكرة زجاج سيارة نقل دخلت الشارع فجأة محملة بالأثاث و بعض مقتنيات المنازل . مشوارى كبير فى الملاعب و لدى تسديدات كثيرة مفضلة ولاكن هذى الركلة كانت أحببهم إلى قلبى على الاطلاق . بعدما تحطم الزجاج و ساد الصمت لحظات ، نزل من العربة رجل ضخم ووسيم ذو عيون زرقاء ، و أمسك بى من سترتى منفعلاً : - " فى حد يعمل كدا يااض .. أنت فاكر نفسك فى الكامب نو ، دة أنا هعلقك مكان الأزاز اللى أتكسر دة . كان منفعلاً ،و صوته عالياً و رزاز فمه يسبق كلامه ، لاكنى لم أكن معه ، لقد كنت فى عالم أخر من الهيام ، عندما رأيتها . فتاة فى مثل عمرى تقريباً، أو تصغرنى بسنوات قليلة ، لم تكن مجرد فتاة جميلة ، لقد كانت ملاك مُتَجسد فى هيئة بشر ، عيونها زرقاء كالألماس ،و شعرها البُنى اللامع كالحرير ينساب على كتفيها ناصعان البياض، و النمش يُزين خدودها الحمراء. . إنها ندى ، أبنة هذا الرجل الغاضب دائماً ، الساخط على كل شئ . رججنى من سترتى غاضباً مقاطعاً حلمى الجميل : - " أنت ساكن فين يلا ولا أبن مين أنت " . هنا ظهر أخى الأكبر و قام بتخليصى و دفعه للخلف : - " فى حد يتعامل كدا مع طفل يا جدع أنت " خاف الرجل من أخى و هدأت نبرته : - " الطفل دة كسر أزاز عربيتى " ثار غضبى و قلت له : - "أنت اللى دخلت الشارع فجأة ، أنت الغلطان مش انا " . امسكنى اخى محاولا تهدأتى : - " أهدى يا نوح حصل خير مش مهم مين الغلطان المهم انها جت سليمة ، و أنت يا أستاذ معلش حقك عليا ، نوح يبقى أخويا الصغير ، و اللى أتكسر يتصلح ، و اى حاجة محتاج تعملها فى عربيتك هعملهالك على حسابى يا عم ولا تزعل نفسك " . لقد كان كريم نعم الأخ و السند لى دائما ، كل الناس تحب كريم منذ النظرة الأولى . خفيف الظل ، طويل البال ، يُعرف بالشهامة . رد الاستاذ عمار علي أخى كريم و قال : - " حصل خير يا أستاذ و انا على فكرة مبتكلمش على الأزاز انا مبقبلش العوض لا سمح الله ، بس عيالى كان ممكن يحصلهم حاجة أو يتعورو زى ما أنت شايف كدا ، ع العموم حصل خير و انا جاركم الجديد فى العمارة اللى فى وشك دى و النهاردة أول يوم لينا هنا و كويس أن حصل اللى حصل عشان نتعرف ، أنا الدكتور عمار ، دكتور فى كلية فنون جميلة " . رد أخى كريم بكل مودة : - " يا ألف مرحب بيك يا دكتور ، دة احنا اللى لينا الشرف و الله بمعرفة حضرتك ، اخوك الصغير كابتن كريم العبيدى صاحب الچيم اللى هناك دة ، وحضرتك لو أحتجت لأى حاجة انا موجود و رقبتى سدادة " . ***************** مرت الأيام، وأصبح بيت الدكتور عمار هو القبلة التي تتجه إليها صلاتي. كنت أقف في شرفتنا، أرصد خروج ندى وروحها، وأحفظ مواعيد دروسها. لكنني كنت طفلاً أخرق، لا أجيد سوى ركل الكرات وتحطيم الزجاج. في ليلة صيفية، وجدني كريم أجلس وحيداً في "الچيم" بعدما انصرف الجميع. جلس بجانبي، وضع يده القوية على كتفي وقال بلهجته الحنونة: "سرحان في إيه يا بطل؟ الزجاج اللي انكسر اتصلح خلاص.. بس الظاهر في حاجة تانية انكسرت جواك؟" ارتبكتُ، حاولت الإنكار، لكن كريم كان يقرأني ككتاب مفتوح. ضحك وقال: "بص يا نوح، عيلة الدكتور عمار ناس (بشوات)، بيحبوا الرسم والمزيكا والهدوء.. وأنت 'دبش'. لو عايز ندى تشوفك، لازم تخرج شوية من ملعب الكورة وتروح لملعبها هي." في اليوم التالي، فاجأني كريم بشيء لم أتوقعه. أحضر لي مجموعة ألوان ودفتر رسم فاخر، وقال لي: "خبط على بابهم، وقول للدكتور عمار إنك عايز تتعلم منه الرسم عشان تبقى فنان زيه.. دي تذكرتك عشان تقعد قدام عيون ندى بالساعات من غير ما حد يشك فيك." ************* و فى صباح اليوم التالى ،وقفتُ أمام الباب الخشبي الأنيق، يدي ترتجف وهي تمسك بالدفتر الذي اشتراه لي كريم. طرقتُ طرقات خفيفة، لم تكن تشبه أبداً شخصيتى العنيفة . انفتح الباب، و رأيت ندى.. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً وشعرها مربوط بعشوائية، وفي يدها فرشاة ملطخة باللون الأزرق، نفس لون عينيها. نظرت إليّ بدهشة، ثم إلى الدفتر في يدي، وقالت بابتسامة خبيثة: 'نوح؟ معقولة سِبت الكورة وجاي تلعب معانا بالفرشة؟' قبل أن أجيب، جاء صوت الدكتور عمار من الداخل، صوته الرخيم الذي يحمل هيبة القاعات الجامعية: 'مين يا ندى؟' دخلتُ وأنا أشعر أنني غريب، أقدامي التي اعتادت الأسفلت والتراب تشعر بالخجل من السجاد العجمي المفروش بدقة. قلت بصوت متقطع: 'يا دكتور.. أنا.. أنا كنت حابب يعني.. لو ينفع حضرتك تدلني أبدأ منين في الرسم؟' قطع الدكتور عمار الصمت بضحكة خفيضة هادئة لم أتوقعها، ثم خلع نظارته ووضعها على طاولة قريبة، وقال بنبرة غلبت عليها ملامح المعلم: "الرسم يا نوح مش مجرد ورقة وقلم.. الرسم ده لغة للي مش عارف يتكلم. وكريم أخوك قال لي إنك 'شقي' وبتحب الحركة، فغريبة إنك تختار تقعد قدام لوحة بالساعات." اقترب مني، وأخذ الدفتر من يدي يتفحصه، ثم نظر إلى ندى التي كانت تراقب الموقف بفضول طفولي، وقال: "ماشي يا بطل.. أنا هعلمك. بس بشرط، الدفتر ده ملمسه ميتوسخش بتراب الشارع، والفرشاة دي تتعامل معاها بحنية ، مش زى ما بتتعامل مع الكورة .. اتفقنا؟" هززت رأسي بالموافقة بسرعة كدتُ معها أفقد توازني. أشار لي بالدخول إلى غرفته الخاصة، "المرسم". كانت غرفة تفوح منها رائحة "التنر" والزيت، واللوحات تسند على الجدران في كل مكان. شعرتُ حينها أنني دخلت مغارة سحرية، لكن السحر الحقيقي كان في ندى التي جلست على مقعد مرتفع وبدأت تتابع عملها، وهي تلتفت إليّ بين الحين والآخر بابتسامة لم أفهم معناها حينها. مرت الساعات وأنا أحاول رسم أول خط مستقيم، بينما عيناي كانت ترسم تفاصيل وجهها هي. لم أكن أتعلم الرسم لأصبح فنانًا، كنت أتعلم كيف أطيل البقاء في حضرتها.زلزال الحقيقة (شتاء 2029).[المشهد الأول: إسكندرية - مرسم جليم - بناء الروح]كان شتاء الإسكندرية في ذلك اليوم يطرق النوافذ العالية للمرسم بقوة، لكن في الداخل كان هناك دفء من نوع خاص. رائحة خشب الصنوبر الممزوجة بالتربنتين وألوان الزيت كانت تعبق في الأرجاء. الضوء الشتوي الشاحب ينسل من الفتحات السماوية للمرسم، ليرسم مسارات من الغبار الذهبي تتراقص فوق الأرضية الخشبية العتيقة التي شهدت انكسار نوح.. وشهدت الآن قيامه.ليلى كانت تجلس على طاولة المكتب الخشبية الصغيرة في الركن، غارقة وسط أكوام من الأوراق والملفات القانونية. لم تعد تلك الفتاة التي ترتب الفرشاة فقط، بل أصبحت المحرك الصامت لإمبراطورية "نوح العبيدي". كانت ترتدي سترة صوفية "هاي كول" باللون البيج، تزيد من وقار ملامحها، ونظارتها الطبية كانت تلمع تحت ضوء "الأباجورة" المكتبية وهي تراجع بنهم بنود "أكاديمية نوح الدولية للفنون".على الجانب الآخر، وقف نوح أمام لوحة ضخمة. كان يرتدي قميصاً أسوداً ملطخاً ببعض الألوان عند الأكمام. وضع فرشاته ببطء على مسندها، ومسح يده في قطعة قماش متهالكة وهو يراقبها. كانت ليلى تضع خصلة شعرها خلف أذنها بتركيز
(بعد 3 سنوات - شتاء 2029)المكان: مرسم نوح - جليم، الإسكندريةداخل المرسم، لم يكن الصمت هو السائد، بل صوت إشعارات الرسائل ومنبهات التصوير. ليلى (المساعدة) كانت ماسكة تليفونها "iPhone" وبتابع "Story" نزلتها صفحة فنية كبيرة على Instagram وTikTok.ليلى (بحماس وهي بتوري نوح الشاشة):"يا فنان.. الفيديو 'Reel' اللي صورناه وإنت بترسم لوحة 'الغراب' جاب 2 مليون مشاهدة في 6 ساعات! التعليقات كلها بتسأل عن ميعاد معرض القاهرة، وفيه 'Influencers' كتير باعتين عايزين تغطية حصرية."نوح كان واقف قدام لوحته، لابس سماعاته "AirPods" وبيسمع مزيكا هادية بتفصله عن الدوشة دي. قلع السماعة وبص للتليفون بابتسامة خفيفة ووقورة. نوح في 2029 بقى شخصية "Mysterious" (غامضة) جداً على السوشيال ميديا، وده اللي خلى الناس تتجنن عليه؛ رسام وسيم، رياضي سابق، مبيطلعش يتكلم كتير، ولوحاته فيها وجع حقيقي.نوح (بصوت هادي ورزين):"مش عايز تغطية 'بلوجرز' يا ليلى. المعرض ده فني مش 'افتتاح مطعم'. الـ WhatsApp بتاع كريم مبيبطرش رن من الصبح، خليه يفلتر الدعوات.. أنا عايز اللي يجي يكون جاي يشوف 'فن' مش يتصور 'Mirror Selfie'."كريم دخل ا
صمتُ ما قبل العاصفة .مرت عشرة أيام على استفاقة نوح، لكنها كانت تمر كالسنين. الغرفة لا تزال غارقة في رائحة المطهرات، وصوت الأجهزة الرتيب ينهش في رأسه الذي لا يزال يشعر بدوار "الارتجاج". يده اليمنى كانت مكبلة بالجبس، وساقه المعلقة كانت تذكره في كل نبضة أن "نوح" الذي كان يركض، قد توفى في تلك الحادثة.كان نوح يحاول استعادة توازنه النفسي، حين طُرق الباب بهدوء. لم ينتظر الطارق الإذن، دخل رجل ببدلة رسمية رمادية، ملامحه عملية وجافة، يحمل في يده حقيبة جلدية فاخرة .إنهُ "محامي النادي".المحامي (بنبرة خالية من المشاعر): "كابتن نوح.. حمد لله على سلامتك. أنا مش هطول عليك، عارف إن حالتك لسه مستقرتش."نوح لم يحرك رأسه، اكتفى بنظرة جانبية باردة من عينه المتعبة.المحامي (وهو يخرج أوراقاً من حقيبته): "دي تسوية نهائية.. الإدارة قررت تتحمل تكاليف المستشفى بالكامل لحد يوم خروجك، بالإضافة لمبلغ ترضية 'استثنائي' مقابل فسخ العقد بالتراضي.. النادي بيقدر ظروفك، بس أنت عارف إن الفريق محتاج مكان في القائمة لتدعيمات يناير، والإصابة.. تقرير المستشفي بيقول أنك خلاص يا رسام.. مش هتقدر تلعب تاني "وضع المحامي الأور
فتحت ندى الباب،كانت الرائحة خانقة، مزيج من المطهرات والوجع.كانت مجهزة جمل اعتذار، ودموعاً كفيلة بغسل سنين الغياب. ارتمت على طرف السرير، مسكت إيده اللي كانت باردة زي التلج."نوح.. أنا هنا، مش هسيبك تاني، طارق ميهمنيش، الدنيا كلها متهمنيش.."نوح مكنش باصص لها أصلاً. كان باصص للسقف، لفتحة التكييف، لأي حاجة تانية. مكنش فيه غضب في عينه، كان فيه "فراغ". سحب إيده منها ببطء شديد، مش بعنف، كأنه بيبعد إيده عن حاجة "ملوثة" أو "ملهاش لازمة".بص لها أخيراً، وسألها سؤال واحد خلى دمها يتجمد:"إنتي مين؟"ندى اتصدمت، افتكرت إنه لسه تحت تأثير البنج أو الحادثة: "أنا ندى يا نوح.. ندى حبيبتك.."ابتسم نوح ابتسامة صفراء، مخيفة:"آه.. ندى. تصدقي ملامحك اتغيرت خالص عن البنت اللي كنت برسمها. الفلوس وعيشة القصور بتنفخ الوش فعلاً."سكت لحظة وهو بيحاول يعدل نفسه بألم، ورفض مساعدتها لما مدت إيدها:"بصي يا ندى.. أنا مش زعلان منك، ولا حتى بكرهك. أنا بس 'قرفت'. الحادثة دي نظفت دماغي من حاجات كتير كانت عاملة زي الصدأ. اكتشفت إنك كنتِ 'عرض جانبي' في حياتي، زي سيجارة حشيش سطلتني شوية وفقت منها بخبطة على دماغي "ندى بدأ