ANMELDENصمتُ ما قبل العاصفة .
مرت عشرة أيام على استفاقة نوح، لكنها كانت تمر كالسنين. الغرفة لا تزال غارقة في رائحة المطهرات، وصوت الأجهزة الرتيب ينهش في رأسه الذي لا يزال يشعر بدوار "الارتجاج". يده اليمنى كانت مكبلة بالجبس، وساقه المعلقة كانت تذكره في كل نبضة أن "نوح" الذي كان يركض، قد توفى في تلك الحادثة. كان نوح يحاول استعادة توازنه النفسي، حين طُرق الباب بهدوء. لم ينتظر الطارق الإذن، دخل رجل ببدلة رسمية رمادية، ملامحه عملية وجافة، يحمل في يده حقيبة جلدية فاخرة . إنهُ "محامي النادي". المحامي (بنبرة خالية من المشاعر): "كابتن نوح.. حمد لله على سلامتك. أنا مش هطول عليك، عارف إن حالتك لسه مستقرتش." نوح لم يحرك رأسه، اكتفى بنظرة جانبية باردة من عينه المتعبة. المحامي (وهو يخرج أوراقاً من حقيبته): "دي تسوية نهائية.. الإدارة قررت تتحمل تكاليف المستشفى بالكامل لحد يوم خروجك، بالإضافة لمبلغ ترضية 'استثنائي' مقابل فسخ العقد بالتراضي.. النادي بيقدر ظروفك، بس أنت عارف إن الفريق محتاج مكان في القائمة لتدعيمات يناير، والإصابة.. تقرير المستشفي بيقول أنك خلاص يا رسام.. مش هتقدر تلعب تاني " وضع المحامي الأوراق والقلم على الطاولة المعدنية، بالقرب من يد نوح "السليمة" المرتعشة. نوح (بصوت منخفض، مشحون بالسخرية): "فسخ.. بالتراضي؟" المحامي: "ده أفضل حل للطرفين يا كابتن. المبلغ المحترم ده هيساعدك في رحلة علاجك وبداية حياتك الجديدة.. امضي هنا لو سمحت عشان نقفل الملف." في تلك اللحظة، دخل كريم الغرفة. رأى المحامي والأوراق، فاشتعلت عيناه بالغضب. توجه نحوه بخطوات واسعة: "أنتم معندكوش دم؟ الراجل لسه بيفوق من ارتجاج في المخ وأنتم جايين تمضوه على فسخ عقد؟ اخرج بره!" نوح (قاطع أخاه بهدوء غريب): "سيبه يا كريم.." نظر نوح للأوراق، ثم للمحامي، ثم لأخيه. كان يشعر أن كل شيء من حوله يتهاوى، لكنه في نفس الوقت كان يشعر بتحرر غريب. نوح: "هات القلم يا كريم." كريم (بذهول): "أنت بتقول إيه يا نوح؟ ده حقك، لازم نرفع قضية، لازم.." نوح (بصوت أقوى هذه المرة): "قلت لك هات القلم.. أنا مش عايز منهم حق، أنا عايز أمحي اسمي من عندهم. مش عايز حاجة تربطني بيهم.. لا ملعب، ولا عقد، ولا ذكريات." أمسك نوح القلم بصعوبة، وبيد ترتجف وقع على الأوراق. رمى القلم وكأنه يرمي جمرة نار كانت تحرق يده. نوح (وهو ينظر للمحامي): "خد ورقك.. وقول للي بعتوك، إن نوح العبيدي تمنه أغلي من كدا ..و أنتوا بعتوه بالرخيص." خرج المحامي مسرعاً وكأنه هرب من قفص أسد جريح. انهار نوح على الوسادة، وأنفاسه ملاحقة. كريم (وهو يجلس بجانبه بقلب مكسور): "ليه كدة يا نوح؟ ضيعت حقك." نوح (وهو يغمض عينيه): "حقي ضيعته بإيدي يوم ما نفسي ساقتني و خلتني زي ما أنت شايف كدا .. أنا أستاهل كل اللى بيحصلي يا كريم .. " ***** انتهى كل شيء في تلك الغرفة؛ وقع نوح على "إعدام" مسيرته الرياضية ببرود من لا يملك ما يخسره. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقطع كريم هذا الصمت وهو يجمع متعلقات أخيه المتبقية في حقيبة جلدية مهترئة. كريم (بصوت هادئ): "الشقة اتصفت يا نوح. المحامي استلم المفاتيح، والفلوس بقت في الحساب. مفيش حاجة تانية مستنيانا في القاهرة." أومأ نوح برأسه ببطء، وعيناه مسمرتان على يده المجبسة. لم ينطق بكلمة، كان الصمت هو لغته الجديدة، وسيلة وحيدة للسيطرة على "الزلزال" الذي لا يزال يهز رأسه من أثر الارتجاج. ******* في مكانٍ آخر.. عالم الرخام البارد. على الجانب الآخر من المدينة، وفي فيلا فخمة يحيطها الصمت والبروتوكول، كانت ندى تجلس في غرفة المعيشة الواسعة. لم تكن تبكي، ولم تكن تصرخ. كانت تمسك بقدح من القهوة، تراقب البخار المتصاعد منه بشرود تام. دخل طارق الغرفة بخطواته الواثقة، كان يرتدي بدلة العمل الرسمية، ملامحه جادة ولا تحمل أي أثر لحدث جلل. جلس في المقعد المقابل لها، وفتح جهاز الـ "تابلت" الخاص به يتابع أسعار البورصة كعادته اليومية. طارق (بدون أن ينظر إليها): "المجموعة قررت تتوسع في صفقات العقارات في التجمع.. والدي شايف إن ده الوقت المناسب عشان نثبت رجلينا هناك." ندى لم ترد، ظلت عيناها معلقة بقطرات المطر التي بدأت ترسم خطوطاً عشوائية على الزجاج الفاخر. طارق (أكمل بلهجة عملية): "بالمناسبة، الحجز بتاع الفندق في 'باريس' اتأكد.. هنسافر الأسبوع الجاي نقضي عشر أيام هناك، محتاجين نغير جو قبل ضغط الشغل اللي جاي في الربيع." ندى (بصوت خافت وكأنها تتحدث من عالم آخر): "باريس.. كويس." لم يفتح طارق سيرة "نوح"، ولم تذكر ندى اسمه. كان الاتفاق الضمني بينهما هو "المحو". طارق يمارس حياته كأن شيئاً لم يحدث، يغرق ندى في المخططات والرحلات والالتزامات الاجتماعية، وندى تمارس دور "الزوجة المثالية" بهدوء مخيف، يخبئ خلفه روحاً قررت أن تعتزل الشعور حتى إشعار آخر. **** العودة إلى الأصل - بحري. السيارة تشق طريق الإسكندرية الصحراوي في سكون الليل. كريم يقود، ونوح بجانبه يحاول أن يجد وضعية مريحة لجسده المحطم. ومع أول نسمة "يود" تسللت عبر نافذة السيارة، استنشق نوح الهواء بعمق، كأنه يسترد أنفاسه التي سُلبت منه في زحام القاهرة. دخلت السيارة أزقة "بحري" الضيقة، حيث تتداخل رائحة السمك بملوحة البحر وصخب الصيادين. توقفت أمام بيت قديم، جدرانه تحكي قصصاً من الصمود. نزل نوح، وبمساعدة كريم، وضع أول خطوة بعكازه على أرض إسكندرية. كان جسده يرتعش، لكن عينه كانت ثابتة على باب البيت الذي فُتح لتخرج منه الأم. لم تكن هناك دراما مبالغ فيها؛ اقتربت منه الأم، وضعت يدها على كتفه، ونظرت في عينيه نظرة طويلة، نظرة عرف فيها نوح أنها فهمت كل شيء دون أن ينطق بكلمة. الأم (بوقار): "ادخل يا نوح.. ريحة البحر هتنضف اللي القاهرة وسخته." دخل نوح البيت، وبمجرد أن استقر على أريكته القديمة، نظر إلى كريم وقال بنبرة جافة: "كريم.. بكرة الصبح، تروح المرسم القديم في شقة جدك. نظف الغبار، وجهز لي قماش رسم جديد.. أكبر مقاس عندك." كريم: "يا نوح، أنت محتاج نقاهة، الدكاترة قالوا.." نوح (قاطعه بحسم): "أنا مش هقعد استنى الوجع يخلص يا كريم. الوجع هو اللي هيرسم المرة دي. القاهرة أخدت مني 'اللاعب'.. وسابتلي 'الرسام'.. وأنا هعرفهم مين هو الرسام اللي استهونوا بيه." أغمض نوح عينيه، وساد الصمت في بحري الصاخبة، بينما كانت ندى في القاهرة تغلق أضواء غرفتها، ليبدأ كل منهما رحلته المنفصلة في "النسيان" والتغيير. ******** في بيت "بحري"، كان السكون سيد الموقف. استسلم نوح لنومٍ عميق فرضه عليه إرهاق الجسد وشتات الروح. أما كريم، فكان يجلس في الشرفة المطلة على أسطح المنازل المتلاصقة، يراقب الميناء البعيد ويسمع صرير المراكب وهي تصطدم بالرصيف. كان يعلم أن "نوح" الذي عاد الليلة، ليس هو الأخ الذي غادر إسكندرية منذ سنوات؛ لقد عاد رجلٌ يحمل في صدره فجوة، وفي عقله خطة لا يدرك أبعادها أحد غيره. (في القاهرة.. الساعة الثالثة فجراً) في تلك اللحظة، كانت ندى تجلس في ركن غرفتها المظلم، تتابع أضواء الشوارع المنعكسة على السقف. لم تنم. كانت تشعر بأن شيئاً ما داخلها قد "انقطع"، خيط رفيع كان يربطها بالدهشة وبالألوان. بجانبها، كان طارق يغط في نومٍ هادئ وعميق، نوم الشخص الذي لا يشعر بالذنب، لأنه يؤمن تماماً بأنه فعل "الصواب". بالنسبة له، هو لم يدمر حياة نوح، بل "أزاح عائقاً" من طريق برستيجه العائلي. مدت ندى يدها إلى درج الكومودينو الصغير، أخرجت علبة مخملية تحتوي على طقم ألماس أهداه لها طارق في صباح يوم الحادث. نظرت إليه ببرود، ثم أغلقته بـ "تكة" خافتة ووضعته في الدرج مرة أخرى. قررت في تلك اللحظة أن تكون "الزوجة التي يريدها طارق": جسد بلا روح، وواجهة بلا تفاصيل، وذاكرة مدفونة تحت رمال الصمت. (إسكندرية.. إشراقة يوم جديد) مع أول خيوط شمس الصباح في بحري، استيقظ نوح. لم ينتظر مساعدة من أحد. استند إلى عكازه، وبدأ يتحرك ببطء في الممر الضيق بالمنزل. رائحة القهوة التي تعدها أمه في المطبخ كانت هي "الناقوس" الذي يعلن بدء الحياة الجديدة. دخل كريم الغرفة ومعه "توال" (قماش رسم) ضخم، كما طلب نوح. وضعه في ركن الغرفة وسنده على الحائط. كريم (بهدوء): "جبت لك اللي طلبته يا نوح.. وبكرة هروح أجيب لك ألوان زيت ومساحيق رسم جديدة من المحل اللي في المنشية." نظر نوح إلى القماش الأبيض الفارغ. كان يشبه حياته الآن: صفحة بيضاء، بلا ملاعب، بلا أضواء شهرة، وبلا "ندى". نوح (بصوت هادئ ورزين): "كريم.. من النهاردة، مفيش حد يسألني عن اللي حصل في القاهرة. أنا مش عايز أسمع اسم النادي، ولا اسم ندى، ولا حتى اسم الشارع اللي كنت ساكن فيه. أنا هنا عشان 'أبني'.. مش عشان 'أرمم'. والفلوس اللي في البنك، هنستخدمها عشان نشتري مكان أكبر من ده.. مكان يكون 'جاليري' ومعهد صغير لتعليم الرسم في جليم أو سان ستيفانو.. بس بأسلوب سياحي وفني محترم." كريم (بابتسامة إعجاب): "بدأنا التخطيط؟" نوح (بجدية): "بدأنا التنفيذ يا كريم. إسكندرية لازم تعرف إن 'الرسام' رجع."خريف الأقنعة الإسكندرية – كفر عبده – السبت، الرابعة عصراً كان قصر كفر عبده يتنفس برائحة طاغية؛ خليط من خشب الأرز العتيق، والنعناع الأخضر الذي يغلي في براد نحاسي ضخم بالمطبخ، ورائحة الشواء التي امتدت لتكسر هيبة الرخام الصارم. في الحديقة الخلفية، كانت أصوات الأقارب تتداخل مع قعقعة الأطباق الصينية الخفيفة، وصوت ضحكات الخالات البعيدة. كان الصخب حياً، حقيقياً، وممتلئاً بدفء البيوت المصرية التي تجتمع بعد غياب. في قلب هذه الفوضى الجميلة، لم يكن نوح متفرجاً بارداً أو تمثالاً معلقاً بعكازه. كان يجلس على العشب الأخضر، سانداً ظهره إلى جذع شجرة ليمون عتيقة. عكازه الأبنوسي ملقى بإهمال بجواره كشيء لم يعد له سلطة على روحه. كان محاطاً بثلاثة من أطفال العائلة؛ أحدهم يتشبث بكتفه بشقاوة، بينما كان نوح يمسك بفرشاة رسم خشبية، يوجه أصابع طفلة صغيرة تلطخ ورقة بيضاء بالألوان المائية. كانت ضحكته تخرج رنانة، صافية، وخالية من المرارة القديمة، يوزع نظراته على أفراد عائلته بأبتسامة دافئة ، و يستشعر دفئ العائلة . خَطفته ليلى التي كانت تقف على بُعد خطوات. ليلى كانت تتحرك كإيقاع هادئ وسط الحديقة؛ بعباءت
بعد منتصف الليل الإسكندرية – سيدي بشر أغلقت ندى الهاتف، لكنها لم تتحرك. ظلت جالسة على طرف الأريكة، تحدق في الشاشة السوداء كأن المكالمة لم تنتهِ بعد. في الغرفة المجاورة كان كل شيء هادئًا، هادئًا أكثر مما ينبغي؛ هدوء البيوت التي يعيش فيها شخصان فقط، أم وابنتها، لا أكثر. التفتت نحو الأريكة الصغيرة، كانت ليلى نائمة، تحتضن دميتها القماشية بإحدى ذراعيها، بينما انزلقت الأخرى خارج الغطاء. ابتسمت ندى، ثم مدّت يدها وأعادت الغطاء فوق كتفها الصغير. كانت لحظة بسيطة، لكنها كافية لتفتح بابًا قديمًا جدًا داخلها، بابًا لم تقترب منه منذ سنوات. عادت بنظرها إلى الهاتف، ثم فتحته ببطء. بحثت بين مئات المحادثات حتى وصلت إلى اسم لم يتغير: "نوح". توقفت أناملها فوق الشاشة وكأنها تلمس شيئًا حيًا، ثم فتحت المحادثة. لم تكن من النوع الذي يحتفظ بالرسائل من أجل الحنين، ولا من النوع الذي يعود إلى الماضي، لكنها الليلة كانت أضعف من أن تقاوم. بدأت تتصفح؛ رسائل قديمة، صور، نكات سخيفة، شجارات لا معنى لها، خطط لم تحدث، وأحلام لم تصل أبدًا إلى نهايتها. ثم توقفت عند رسالة معينة، رسالة قصيرة جدًا مؤرخة قبل سنوات طو
صباح مختلف الإسكندرية – كفر عبده – ربيع 2031 لم يعد القصر يستيقظ على الصمت. كان هذا أول ما يمكن لأي زائر أن يلاحظه لو مر من أمام البوابة الحديدية العتيقة في السابعة صباحًا. قبل عام واحد فقط، كانت هذه الجدران الضخمة تقف كأثرٍ باهت من زمن انتهى، أما الآن فقد أصبحت كائناً حياً؛ يتنفس، ويضحك، ويغضب، ويصنع الفوضى الجميلة التي لا تصنعها إلا البيوت المليئة بأصحابها. في الحديقة الخلفية، كانت أشجار الليمون تتمايل تحت نسيم البحر الخفيف، بينما انبعثت رائحة القهوة الطازجة من النوافذ المفتوحة. وفي الداخل... كانت الحرب قد بدأت بالفعل. "يا نهار أبيض!" دوّى صوت أم نوح في أرجاء القصر: "الساعة داخلة على تمانية ولسه محدش نزل يفطر، أما خواجات صحيح!" ثم تبع ذلك صوت ارتطام غطاء حلة بالمطبخ: "أنا لو كنت عايشة لوحدي كان زماني خلصت الفطار والغدا والعشا كمان!" في الطابق العلوي... فتح نوح إحدى عينيه ببطء، ثم أغلقها مرة أخرى، ثم فتحها من جديد وهو يتأمل سقف الغرفة. لحظة هدوء قصيرة، ثم جاء صوت أمه مجددًا: "نووووووح!" تنهد، وقال بصوت ناعس: "بدأنا..." وبجانبه مباشرة كانت ليلى مستيقظة منذ دقائق، تراقبه ب
الأسكندرية : كفر عبده (صيف 2030) لم يكن صباح الإسكندرية اليوم يشبه أي صباح آخر ، حيث كان البحر في الأفق ساكناً على نحو غير طبيعي، كصفحة زرقاء ممتدة بلا موجة واحدة تجرؤ على الارتفاع، كأنه شاهد عيان قرر الصمت تأدباً أمام حدث لا يملك حق التدخل فيه. وفي كفر عبده، لم يعد ذلك القصر القديم رمزاً للعزلة والوحشة أو جدراناً تختزن الذكريات الباردة؛ لقد تبدل جِلده تماماً هذا الصباح، وشُرعت أبوابه الحديدية الضخمة على اتساعها لترحب بالضوء، بينما تحولت الحديقة التي عانت الإهمال طويلاً إلى مسرح من اللونين الأبيض والوردي، حيث تمازجت حركة العمال السريعة مع نغمات موسيقى هادئة تنبعث من مكبرات صوت مخفية بعناية بين أغصان الأشجار العتيقة، ورغم كل هذا الجمال البصري المفاجئ، كان هناك شعور خفي يتسلل بين الحضور بأن القصر لا يحتفل فحسب، بل يحبس أنفاسه ترقباً، كمن يخاف أن يستيقظ من حلم جميل على صفعة من الواقع. وفي الطابق العلوي، وراء زجاج نافذة واسعة، كان نوح واقفاً بزيه الكامل أمام مرآة كلاسيكية طويلة، يرتدي بدلة سوداء ذات قصة عصرية حادة يكسر حدتها قميص أبيض ناصع، بينما كانت رابطة عنقه لا تزال مسترخية حول عن
زلزال الحقيقة (شتاء 2029).[المشهد الأول: إسكندرية - مرسم جليم - بناء الروح]كان شتاء الإسكندرية في ذلك اليوم يطرق النوافذ العالية للمرسم بقوة، لكن في الداخل كان هناك دفء من نوع خاص. رائحة خشب الصنوبر الممزوجة بالتربنتين وألوان الزيت كانت تعبق في الأرجاء. الضوء الشتوي الشاحب ينسل من الفتحات السماوية للمرسم، ليرسم مسارات من الغبار الذهبي تتراقص فوق الأرضية الخشبية العتيقة التي شهدت انكسار نوح.. وشهدت الآن قيامه.ليلى كانت تجلس على طاولة المكتب الخشبية الصغيرة في الركن، غارقة وسط أكوام من الأوراق والملفات القانونية. لم تعد تلك الفتاة التي ترتب الفرشاة فقط، بل أصبحت المحرك الصامت لإمبراطورية "نوح العبيدي". كانت ترتدي سترة صوفية "هاي كول" باللون البيج، تزيد من وقار ملامحها، ونظارتها الطبية كانت تلمع تحت ضوء "الأباجورة" المكتبية وهي تراجع بنهم بنود "أكاديمية نوح الدولية للفنون".على الجانب الآخر، وقف نوح أمام لوحة ضخمة. كان يرتدي قميصاً أسوداً ملطخاً ببعض الألوان عند الأكمام. وضع فرشاته ببطء على مسندها، ومسح يده في قطعة قماش متهالكة وهو يراقبها. كانت ليلى تضع خصلة شعرها خلف أذنها بتركيز
(بعد 3 سنوات - شتاء 2029)المكان: مرسم نوح - جليم، الإسكندريةداخل المرسم، لم يكن الصمت هو السائد، بل صوت إشعارات الرسائل ومنبهات التصوير. ليلى (المساعدة) كانت ماسكة تليفونها "iPhone" وبتابع "Story" نزلتها صفحة فنية كبيرة على Instagram وTikTok.ليلى (بحماس وهي بتوري نوح الشاشة):"يا فنان.. الفيديو 'Reel' اللي صورناه وإنت بترسم لوحة 'الغراب' جاب 2 مليون مشاهدة في 6 ساعات! التعليقات كلها بتسأل عن ميعاد معرض القاهرة، وفيه 'Influencers' كتير باعتين عايزين تغطية حصرية."نوح كان واقف قدام لوحته، لابس سماعاته "AirPods" وبيسمع مزيكا هادية بتفصله عن الدوشة دي. قلع السماعة وبص للتليفون بابتسامة خفيفة ووقورة. نوح في 2029 بقى شخصية "Mysterious" (غامضة) جداً على السوشيال ميديا، وده اللي خلى الناس تتجنن عليه؛ رسام وسيم، رياضي سابق، مبيطلعش يتكلم كتير، ولوحاته فيها وجع حقيقي.نوح (بصوت هادي ورزين):"مش عايز تغطية 'بلوجرز' يا ليلى. المعرض ده فني مش 'افتتاح مطعم'. الـ WhatsApp بتاع كريم مبيبطرش رن من الصبح، خليه يفلتر الدعوات.. أنا عايز اللي يجي يكون جاي يشوف 'فن' مش يتصور 'Mirror Selfie'."كريم دخل ا
فتحت ندى الباب،كانت الرائحة خانقة، مزيج من المطهرات والوجع.كانت مجهزة جمل اعتذار، ودموعاً كفيلة بغسل سنين الغياب. ارتمت على طرف السرير، مسكت إيده اللي كانت باردة زي التلج."نوح.. أنا هنا، مش هسيبك تاني، طارق ميهمنيش، الدنيا كلها متهمنيش.."نوح مكنش باصص لها أصلاً. كان باصص للسقف، لفتحة التكييف، لأ
في بيت طارق الفاخر بالقاهرة، البيت الذي يسكنه الصمت وتغلفه البرودة رغم فخامة أثاثه، كانت ندى تعيش في سجنٍ غير مرئي. لم يعد المرسم هو ذلك المكان الذي تفوح منه رائحة الأحلام، بل صار ركناً صغيراً تحاول فيه الهروب من واقعها.طارق لم يتغير؛ ظل يرى ندى كـ "قطعة ديكور" غالية الثمن، تكتمل بها وجاهته الاجتم
ثلاث سنوات في القاهرة كانت كافية لتبديل ملامح روحي بالكامل. لم يعد "نوح" هو ذلك الفتى الذي يطارد الكرة في أزقة الإسكندرية، بل أصبح "صنماً" من ذهب، تعبده الجماهير في المدرجات، وتنهشه الذئاب في السهرات.في البداية، كان "الكأس" مجرد وسيلة للنوم، لتهدئة ضجيج الهتافات في أذني. لكنه سرعان ما صار طقساً يو
سافرتُ إلى القاهرة بقلبٍ مثقل، حقيبتي لم تكن تحوي ثياباً فحسب، بل كانت محشوة بوعودٍ مكسورة وخوفٍ دفين. كانت المرة الأولى التي أتذوق فيها مرارة "الغربة"؛ تلك التي لا تعني فقط البعد عن المكان، بل البعد عن الروح. في معسكر الناشئين بميت عقبة، كنت أركض في الملعب كالمجذوب، أفرغ غضبي في الكرة، وأحاول أن أ







