تسجيل الدخولبعد ساعات طويلة ومضنية من القيادة على الطرق الصحراوية الممتدة، قطعها كريم بتجهم شديد وصمت جاف، وصلا أخيراً إلى مقصدهما في شرم الشيخ. كانت الرحلة ثقيلة، لم يتخللها سوى استراحة قصيرة في منتصف الطريق تطلبها جسداهما المنهكان، دون أن يذوب خلالها جدار الجليد القائم بينهما. صفت السيارة أمام بوابة الفندق الفخم، وترجل كريم بجسد تيبس من طول السفر، وتبعته سالي بخطى مجهدة وعينين تملؤهما الحيرة والوجل. أشار كريم ببرود آلي إلى أحد عاملي الفندق ليحمل الحقائب ويتولى نقلها إلى الجناح المحجوز، ثم تحرك إلى الداخل بخطى سريعة وصارمة، وسالي تسير خلفه ينهشها القلق، وتتساءل في سرها بنبرة يملؤها الندم.... ماذا يختبئ وراء هذا الهدوء المخيف؟ هل قرر التخلي عني أم أنه يجمع قواه لينفجر في وجهي؟ انفتح باب الجناح، فدلفت سالي وجلست على حافة الفراش الوثير بقلب يرتجف، بينما كان كريم يتحرك في أرجاء الغرفة يضع مفاتيح السيارة وهاتفه على الطاولة بحدة طفيفة أظهرت ضيقه المكتوم. لم تطق سالي هذا الصمت الذي بات يخنق أنفاسها، فجمعت شجاعتها المتبقية ونادته بصوت خافت مرتعش شابه الخوف - كريم... التفت إليها كريم ببصر حاد وعينين
في جناح الفندق، انقشعت عتمة الليل عن صباحٍ يحمل في طياته بروداً أشد قسوة. استيقظت سالي وثقل العالم كله يربض فوق صدرها؛ كانت عيناها منتفختين بشدة من أثر بكاء الليل المرير، وجسدها يشعر بوهن كاسح. فتحت عينيها ببطء وتلفتت حولها، لتجد كريم قد انتهى بالفعل من تبديل ملابسه، ووقف أمام المرآة يصفف شعره بعناية آلية خالية من الروح. التفت نحوها، لكنه لم ينظر في عينيها مباشرة، بل وجّه بصره إلى نقطة خلفها، وقال بنبرة جامدة، حادة، وخالية من أي دفء أو عاطفة - أنا هسبقك على تحت.. غيري هدومك وحصليني عشان نفطر ونلحق نسافر. ولم ينتظر منها رداً، ولم يمنحها حتى فرصة لتبرير أو عتاب؛ استدار وجرّ خطواته الصارمة ليغادر الغرفة ويغلق الباب خلفه بهدوء مخيف. تسمرت سالي في فراشها، ونهضت والألم يمزق نياط قلبها؛ شعرت بندم يحرق جوفها على الحالة المأساوية التي وصلت إليها علاقتهما في أولى ساعات زواجهما. دلفت إلى الحمام، ووقفت تحت المياه لعلها تغسل آثار ليلتها المأزومة، ثم بدلت ملابسها بارتداء ثياب كاجوال مريحة تناسب السفر، ورفعت شعرها إلى الأعلى في كعكة عفوية. وقفت أمام المرآة وتأملت وجهها الشاحب، ثم وضعت بضع طبقات
وصل كريم وسالي إلى جناح الفندق الفخم الذي حجزاه ليمضيا فيه ليلتهما الأولى، قبل أن ينطلقا مع خيوط الصباح الأولى نحو الساحل الشمالي لقضاء أسبوعين. انفتح باب الغرفة، فدلفت سالي بخطى مجهدة، ولم تكد تخطو خطوات داخل المكان حتى ارتمت بجسدها فوق الفراش الوثير بكامل فستان زفافها الأبيض. تنهدت بثقل وراحت تصف بمرارة مدى الإرهاق الذي يعتصر جسدها، وظلت تثرثر بنبرة جافة عن تعب الأيام الماضية في ترتيب المنزل وشراء المستلزمات، وصولاً إلى مشقة هذا اليوم الطويل منذ بزوغ الفجر. وقف كريم عند طرف الغرفة يتأملها بصمت، والشنط لا تزال في يده. تملكه شعور غريب ومبهم، عجز عن تسميته؛ أهي فرحة غامرة لأنه ظفر أخيراً بالمرأة التي تمنّاها قلبه وحارب لأجلها؟ أم هي شفقة عارمة على نفسه وعلى أحلامه التي تتهشم عند عتبة هذا البرود؟ فلم يكن هذا ما رسمه لليلة العمر. أخذ كريماً نفساً عميقاً، طارداً وساوس الخيبة، وقرر أن يحاول مجدداً مع هذا القلب القاسي علّه يلين. تقدم بخطى وئيدة، وجلس إلى جوارها على حافة الفراش. أمال رأسه ليتطلع في عينيها مباشرة، وقال بنبرة تفيض هياماً وعشقاً - مبروك يا حبيبتي.. أنا النهاردة أسعد واحد في
أجابت بنبرة لاهثة - رايحة الشقة أغير هدومي وأجيب ماما زينب عشان نروح الفرح. لم ينتظر آدم سماع بقية حديثها، بل امتدت يده ليفتح لها الباب الأمامي وقال بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال - اركبي.. أنا هوصلك. صعدت بجواره دون أي مناقشة، فالوقت يداهم الجميع. وحين صفت السيارة أمام بنايتها، التفت إليها وقال بحزم رجولي صارم - نص ساعة بالظبط.. هروح أجيب رحمة وأعدي عليكوا هنا، متمشيش من مكانك ولا تتحركي غير لما آجي، مفهوم؟ نظرت إليه نور من بين أهدابها الكثيفة والساحرة، وقالت بخجل تلونت معه وجنتاها - مش عاوزين نتعبك معانا يا بشمهندس، إحنا ممكن نيجي بتاكسي. رمقها آدم بنظرة تحذير حادة أخرست لسانها متجاهلاً كلماتها تماماً، وأكد بصوت رخيم - قولت نص ساعة. ثم انطلق بسيارته. دلفت نور إلى الشقة سريعة لتجد الدادة زينب تستعد بلهفة، وقد ارتدت العباءة الفاخرة التي أحضرها لها آدم خصيصاً؛ كانت العجوز تتأمل قماشها الفاخر بدموع ويدها ترتفع إلى السماء تدعو له بصلاح الحال وراحة البال والقلب. أما نور، فقد دلفت إلى غرفتها لتستعد للقائها الخاص مع أنوثتها. ارتدت ذلك الفستان الأزرق الخلاب الذي اختاره ذوق آدم الرفي
تحركت يد نور بلهفة ونفضت عنها آثار تعب اليوم، وقررت في اندفاع لا رجعة فيه الخروج فوراً لمهاتفة أخيها. اعترضت الدادة زينب بخوف أمومي مشيرة إلى النافذة - يا بنتي برة ليل والجو برد جداً والمطر ممكن ينزل، استني للصبح...... لكن نور طمأنتها وهي ترتدي وشاحها بعجلة - متقلقيش عليا يا ماما، مش هتأخر، لازم أسمع صوتهم حالا. هرولت نور في شوارع الحي المظلمة، والبرودة تلسع وجهها، حتى وصلت إلى إحدى كبائن الاتصالات العمومية القريبة. التقطت السماعة بأصابع ترتجف، وطلبت رقم نادر؛ وما إن أتاها صوته حتى انهمرت دموعها بغزارة، وسألته بلهفة وشوق عارم عن حالهم وعن تفاصيل خطوبة نها. انفجر نادر فرحاً بسماع صوتها، وراح يروي لها تفاصيل الاتفاق بابتسامة لم تسعها الدنيا، وسط سعادة نور البالغة التي أنستها وحشتها. وفجأة، سُحبت السماعة من يد نادر، لتستمع نور إلى صوت شقيقتها نها الباكي وهي تحادثها بنبرة مخنوقة - نور.. وحشتيني أوي يا نور.. البيت وحش ومظلم من غيرك، أنا وحيدة وتائهة أوي في خطوبتي ومحتاجة وجودك جنبي.. أرجوكِ ارجعي تسللت كلمات نها الباكية عبر الأسلاك لتستقر كالسياط في قلب نور؛ هبطت دموعها كالمطر على و
مع دقات الساعة التي أعلنت انتصاف الليل، انتهت نور وسالي أخيراً من تنظيف وفرش الشقة بالكامل. وطوال تلك الساعات الطويلة، لم تتوقف الضحكات الصافية والمداعبات المستمرة بينهما؛ تعمدت الفتاتان خلق جو من البهجة والمرح، وكأنهما تسترادان معاً عمراً من السعادة والدفء كانتا قد افتقدتاه منذ مدة طويلة، هرباً من ندوب تجارب عاطفية فاشلة تركت في قلب كل منهما خذلاناً لا يُمحى. ارتمت الفتاتان على الأرض الملساء في منتصف الصالة، وجلستا تتنفسان الصعداء بإنهاك، لتأخذا قسطاً من الراحة قبل المغادرة. قطع هذا السكون رنين هاتف سالي؛ كان كريم يعلن في اتصال مقتضب عن وصوله أسفل البناية ليقوم بتوصيلها. نهضت سالي على عجلة من أمرها، بدلت ملابسها سريعاً، وهبطت برفقة نور التي كانت تبتسم لرفيقتها. استقلتا السيارة بجوار كريم، الذي انطلق بهما ليوصل نور أولاً إلى عتبة بيتها معززة مكرمة. وبعد أن ترجلت نور، التفت كريم نحو سالي الجالسة بجواره، واقترح عليها بنبرة دافئة أن يتناولا عشاءً متأخراً في أحد المطاعم الهادئة؛ وافقت سالي باقتضاب، مشترطة ألا يتأخرا لأن خلفها في الصباح الكثير من المهام العالقة. دخلا المطعم الفخم الذي ك
أشرقت شمس هذا اليوم الحاسم معلنةً عن موعد الندوة الثقافية السنوية الكبرى، ذلك الحدث الفكري المهيب الذي ينتظره المبدعون الشباب كل عام بشغف وخوف. تنعقد هذه الندوة تحت رعاية وإشراف أديب مصر الكبير، الذي يمتلك عيناً ناقدة لا تخطئ، ليختار بنفسه متسابقاً واحداً يرى في قلمه المهارة، وفي لغته حسن انتقاء ال
أشرقت شمس هذا اليوم الحاسم معلنةً عن موعد الندوة الثقافية السنوية الكبرى، ذلك الحدث الفكري المهيب الذي ينتظره المبدعون الشباب كل عام بشغف وخوف. تنعقد هذه الندوة تحت رعاية وإشراف أديب مصر الكبير، الذي يمتلك عيناً ناقدة لا تخطئ، ليختار بنفسه متسابقاً واحداً يرى في قلمه المهارة، وفي لغته حسن انتقاء ال
كان طريق العودة مألوفاً، لكن الخطى اليوم كانت أثقل من المعتاد. سارت نور بمحاذاة الشاطئ الممتد، والأمواج تتكسر عند قدميها بصخب رتيب يشبه صخب أفكارها. ولأول مرة منذ وصولها إلى الإسكندرية، شعرت بقدميها تعجزان عن مواصلة السير؛ فتنحت جانباً وجلست فوق صخرة دافئة قبالة الأفق الواسع، ودفنت وجهها بين ركبتيه
ضربت رحمة كفاً بالآخر وانفجرت ضاحكة وهي تقول - رحمة هانم؟ إيه الكلام اللي لابس طربوش ومقاسه كبير ده.... أنا رحمة يا بنتي حاف كده.. شكله أبيه آدم تأثيره وجفافه واضحين عليكي قوي، الله يكون في عونك بجد اندهشت نور في سرها؛ كيف لهذه الكتلة من اللطف والمرح أن تكون شقيقة ذلك الوحش الفظ الغليظ؟ وقالت بب







