LOGINالفصل الخامس: الرسالة الأخيرة
لم يخبر كريم أحدًا عن الرسالة.
منذ اللحظة التي قرأ فيها الكلمات المكتوبة بخط باهت على الورقة الصغيرة، شعر أن شيئًا ما قد تغير داخله. لم تعد القصة مجرد فضول عابر أو محاولة لفهم لغز قديم. أصبحت أشبه بطريق لا يستطيع التراجع عنه، حتى لو أراد.
في تلك الليلة، جلس وحده داخل غرفته بالفندق.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، لكن النوم بدا بعيدًا جدًا.
فتح النافذة قليلًا.
دخل هواء البحر البارد إلى الغرفة.
ورغم ذلك ظل يشعر بثقل غريب يجثم فوق صدره.
أخرج السلسلة الفضية من جيبه ووضعها أمامه.
ثم أخرج الصور.
ثم الدفتر.
ثم الخريطة.
وأخيرًا الرسالة.
ظل ينظر إليها جميعًا كأنها أجزاء من صورة ناقصة.
كان متأكدًا أن هناك رابطًا يجمع كل شيء.
لكن ذلك الرابط ما زال مختبئًا في مكان لا يستطيع رؤيته.
أعاد قراءة الرسالة مرة أخرى.
"ابحث حيث بدأت الحكاية."
كانت جملة قصيرة.
لكنها حملت عشرات المعاني.
أين بدأت الحكاية؟
في الفندق؟
في المنزل المطل على البحر؟
في الصورة القديمة؟
أم في مكان آخر لم يكتشفه بعد؟
ظل يفكر لساعات.
ومع كل دقيقة كان اقتناعه يزداد بأن نور لم تختفِ بإرادتها.
كان هناك شيء حدث لها.
شيء أجبرها على الاختفاء.
أو جعل الجميع يعتقد أنها اختفت.
ومع اقتراب الفجر، عاد إلى قراءة الدفتر من جديد.
بدأ من الصفحة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
هذه المرة لم يكن يبحث عن الكلمات فقط.
بل عن أي تفصيلة صغيرة قد يكون تجاهلها.
أي إشارة.
أي رمز.
أي خطأ غير مقصود.
وعندما وصل إلى منتصف الدفتر، لاحظ شيئًا غريبًا.
في أكثر من صفحة كانت نور ترسم شكلًا صغيرًا في زاوية الورقة.
دائرة بداخلها خط مائل.
الرسم نفسه تكرر مرات عديدة.
لم ينتبه له من قبل.
أخرج هاتفه وصوره.
ثم أكمل القراءة.
كل صفحة كانت تزيد إحساسه بأن نور كانت خائفة.
في البداية كانت كتاباتها هادئة.
ثم بدأت تتحول تدريجيًا.
الجمل أصبحت أقصر.
والكلمات أقل.
والخط أكثر اضطرابًا.
وكأنها كانت تكتب وهي تنظر خلفها باستمرار.
وصل أخيرًا إلى آخر الصفحات.
وقرأ الجملة التي أربكته:
"إذا كنت أكتب هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أن الأمور لم تعد كما كانت."
ابتلع ريقه بصعوبة.
وأكمل.
"هناك أشياء اكتشفتها مؤخرًا."
ثم انتهى كل شيء.
لا تفاصيل.
لا شرح.
لا كلمة إضافية.
فقط صمت.
قلب الصفحة التالية.
كانت فارغة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
حتى شعر بالإحباط.
لكن قبل أن يغلق الدفتر، لاحظ أن الغلاف الخلفي يبدو أكثر سماكة من الطبيعي.
اقترب منه.
مرر أصابعه عليه.
ثم اكتشف وجود ظرف صغير مخفي بعناية.
تسارعت ضربات قلبه.
فتح الظرف بسرعة.
وجد بداخله ورقة مطوية.
فتحها.
كانت تحتوي على كلمات قليلة فقط:
"الثقة قد تنقذ حياتك...
وقد تدمرها."
بقي ينظر إلى الجملة لثوانٍ طويلة.
كان يشعر أن الكلمات موجهة إليه شخصيًا.
ثم هز الظرف قليلًا.
فسقط شيء معدني صغير على الطاولة.
مفتاح.
مفتاح نحاسي قديم.
وفي أعلاه رقم محفور بوضوح:
27
أمسكه بين أصابعه.
وقلبه يمتلئ بالأسئلة.
لأي باب يخص هذا المفتاح؟
ومن تركه هنا؟
ولماذا أخفته نور؟
في صباح اليوم التالي بدأ رحلة البحث.
تنقل بين عدة أماكن.
سأل أشخاصًا كثيرين.
وبعد ساعات طويلة من المحاولات، حصل على معلومة غير متوقعة.
كان الرقم 27 يعود إلى خزانة قديمة في محطة قطارات مهجورة خارج المدينة.
لم يصدق الأمر في البداية.
لكن كل شيء في هذه القصة كان غريبًا منذ البداية.
لذلك قرر الذهاب.
قبل غروب الشمس بقليل، وصل إلى المحطة.
بدا المكان كأنه مهجور منذ سنوات طويلة.
العشب البري غطى أجزاء كبيرة من الأرض.
الزجاج المكسور منتشر في كل مكان.
والهدوء كان مخيفًا.
حتى صوت خطواته بدا مرتفعًا بشكل غير طبيعي.
دخل القاعة الرئيسية.
وأخذ يبحث بين صفوف الخزائن المعدنية.
كانت الأرقام متآكلة بسبب الزمن.
لكنه استمر في البحث.
10...
14...
21...
25...
ثم أخيرًا.
وقف أمامها.
شعر بتوتر شديد.
وكأن حياته كلها ستنقسم إلى ما قبل فتح هذا الباب وما بعده.
أخرج المفتاح.
أدخله ببطء.
ثم أدارَه.
صدر صوت خافت.
وانفتح الباب.
حبس أنفاسه.
داخل الخزانة كان يوجد صندوق خشبي صغير.
لا شيء آخر.
أخرجه بحذر.
ثم فتحه.
وفي اللحظة التالية تجمد في مكانه.
داخل الصندوق كانت توجد صورة حديثة.
ليست صورة قديمة.
وليست صورة تعود لسنوات مضت.
بل صورة التقطت منذ أشهر فقط.
أمسكها بيد مرتجفة.
كانت الصورة لنور.
نور نفسها.
تقف أمام مبنى مجهول.
وترتدي ملابس حديثة.
وتبتسم للكاميرا.
لم تبدُ كشخص مختفٍ أو هارب.
بل كشخص طبيعي تمامًا.
شعر كريم بأن الأرض تميد تحته.
كيف يمكن ذلك؟
إذا كانت الصورة حديثة، فهذا يعني أنها كانت على قيد الحياة منذ أشهر.
إذن ماذا حدث بعد ذلك؟
قلب الصورة.
وجد كلمات مكتوبة خلفها.
"إذا وصلت إلى هذه الصورة...
فهذا يعني أنك الشخص الذي كنت أنتظره."
اتسعت عيناه.
أعاد قراءة الجملة مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
كان يحاول استيعاب معناها.
كيف يمكن لنور أن تكون تنتظره؟
هي لا تعرفه أصلًا.
أو هذا ما كان يعتقده.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر التالي.
سطر واحد فقط.
كلمات قليلة.
لكنها كانت كافية لتجميد الدم في عروقه.
"أراك قريبًا يا كريم."
سقطت الصورة تقريبًا من يده.
تراجع خطوة إلى الخلف.
شعر بأن قلبه توقف عن النبض للحظة.
كانت تعرف اسمه.
اسمه الكامل لم يكن مكتوبًا في أي مكان من الأدلة.
لم يترك بطاقة تعريف.
ولم يخبر أحدًا تقريبًا بما يفعله.
فكيف عرفت؟
جلس على أحد المقاعد القديمة محاولًا استيعاب ما يحدث.
ثم فجأة لاحظ شيئًا آخر.
في زاوية الصورة كان يظهر جزء صغير من لافتة.
لم يكن واضحًا تمامًا.
اقترب منها أكثر.
وأخرج هاتفه.
ثم التقط صورة مكبرة للافتة.
بعد عدة محاولات استطاع قراءة بعض الحروف.
كانت كلمة واحدة فقط.
"المنارة."
رفع رأسه ببطء.
المنارة؟
أين سمع هذا الاسم من قبل؟
بدأ يفكر.
ثم تذكر فجأة.
في إحدى صفحات الدفتر القديمة.
كانت نور قد كتبت جملة قصيرة:
"أحيانًا أذهب إلى المنارة عندما أحتاج إلى التفكير."
نهض بسرعة.
شعر أن لغزًا جديدًا بدأ يتكشف أمامه.
لكن قبل أن يغادر، سمع صوتًا خلفه.
صوت خطوة واضحة.
تجمد مكانه.
التفت بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
فقط الممر الطويل والخزائن القديمة.
حاول إقناع نفسه بأنه يتوهم.
لكن عندما استدار من جديد، سمع الخطوة مرة أخرى.
هذه المرة كانت أقرب.
أسرع نبض قلبه.
ونظر حوله بحذر.
ثم لمح ظلًا يتحرك عند نهاية القاعة.
شخص ما كان هناك.
شخص يراقبه.
ركض نحو المكان فورًا.
لكن عندما وصل لم يجد أحدًا.
كان الممر فارغًا.
إلا من شيء واحد.
ورقة صغيرة على الأرض.
انحنى والتقطها.
كانت مطوية بعناية.
فتحها ببطء.
ثم شعر بقشعريرة تسري في جسده كله.
لأن الكلمات المكتوبة عليها كانت حديثة جدًا.
وكأنها كُتبت قبل دقائق فقط.
وكان مكتوبًا فيها:
"اقتربت أكثر مما ينبغي.
لكن الحقيقة أخطر مما تتخيل.
إذا أردت معرفة مصير نور...
تعال إلى المنارة وحدك."
وفي أسفل الورقة كان يوجد توقيع واحد فقط.
حرف واحد.
حرف النون.
نفس الحرف الذي كان يظهر في يوميات نور.
رفع كريم رأسه ببطء.
ونظر إلى المحطة المظلمة من حوله.
كان يعلم أن عليه اتخاذ قرار.
إما أن يتوقف الآن.
أو يكمل الطريق حتى النهاية.
لكن شيئًا واحدًا أصبح مؤكدًا.
نور لم تكن مجرد ذكرى من الماضي.
بل كانت أقرب إليه مما يتخيل.
وربما...
كانت تراقبه هي أيضًا.
الفصل الثاني والثلاثون: بين طبقتين من الوجودالظلام لم يكن ظلامًا حقيقيًا.كان أقرب إلى فراغ بلا تعريف.كريم شعر وكأن جسده يطفو، لا يسقط ولا يستقر، وكأن الجاذبية نفسها فقدت قرارها.الصوت الوحيد الذي كان يسمعه هو أنفاسه… وأنفاس شخص آخر قريب جدًا منه.فتح عينيه ببطء.لم يكن هناك أرض واضحة.ولا سقف.ولا جدران.فقط امتداد غير مفهوم من الظلال الرمادية التي تتحرك ببطء، كأنها تتنفس.ثم بدأ الإدراك يعود تدريجيًا.كان هناك شخص بجانبه.التفت بسرعة.كانت النسخة الأخرى من كريم.تقف على بعد خطوات قليلة.تنظر حولها بتركيز شديد، وكأنها تعرف هذا المكان أكثر مما ينبغي.قال كريم بصوت منخفض:ـ إحنا فين دلوقتي؟لم يجب الآخر فورًا.بل أدار رأسه ببطء، يتأمل الفراغ حوله.ثم قال بهدوء:ـ ده مش مكان واحد.ـ ده تقاطع طبقات.تجمد كريم.ـ تقاطع إيه؟اقتربت النسخة خطوة.ـ كل اللي شفناه قبل كده كان طبقة.ـ المنشأة… المرحلة الثالثة… المنطقة البيضاء…ـ كل ده مجرد مستويات فوق بعض.سكت لحظة ثم أضاف:ـ إحنا دلوقتي بين المستويات.شعر كريم بصداع خفيف.كأن عقله يحاول رفض الفكرة.ـ يعني إحنا مش في مكان ثابت؟ابتسمت النسخة
الفصل الحادي والثلاثون: المكان الذي لا يكتملالصمت كان مطبقًا.كريم فتح عينيه ببطء.لم يعد هناك صوت إنذار.لا شاشات.لا جدران.ولا حتى إحساس بالمكان الذي كان فيه منذ لحظات.كل شيء أبيض.لكن ليس بياضًا طبيعيًا.كان بياضًا بلا عمق.كأن الفراغ نفسه له لون.تحرك خطوة إلى الأمام.لم يشعر بأي أرض تحت قدميه في البداية.ثم بدأ الإحساس يعود تدريجيًا.أرض صلبة.لكنها غير مرئية تقريبًا.قال بصوت منخفض:ـ أنا فين؟لا رد.رفع يده أمامه.اختفت حدود يده أحيانًا داخل الضوء.كأن جسده نفسه غير مستقر.ثم…ظهر صوت.لكن ليس من مكان محدد.بل من كل الاتجاهات.صوت هادئ جدًا.ـ أنت في المنطقة بين الطبقات.تجمد كريم.ـ مين بيتكلم؟الصوت لم يجب مباشرة.ثم أضاف:ـ هنا لا يوجد “مكان ثابت”.ـ هنا فقط بقايا الوعي قبل إعادة التشكيل.بدأت الأرض — أو ما يشبه الأرض — تتغير تحت قدميه.دوائر ضوئية تظهر وتختفي.كأن المكان يحاول بناء نفسه باستمرار ولا ينجح.وفجأة…ظهرت صورة أمامه.نور.لكنها لم تكن كاملة.كانت عبارة عن ظل فقط.تتحرك في اتجاه غير واضح.قال كريم بسرعة:ـ نور!لكن الصورة اختفت فورًا.ثم ظهر صوت آخر.هذه المرة
الفصل الثلاثون: انهيار النسخالقاعة كلها اهتزت.الأرض تحتهم بدأت تتشقق ببطء، كأن المكان نفسه لم يعد قادرًا على تحمل ما يحدث داخله.النسخة الأخرى من كريم كانت واقفة في المنتصف.تبتسم.لكن هذه المرة لم تكن ابتسامة هادئة.بل ابتسامة شخص يعرف أن النهاية بدأت.قال بصوت منخفض:ـ مفيش خروج.ـ النظام انتهى خلاص.تراجع عادل خطوة وهو يرفع سلاحًا صغيرًا كان يحمله دون أن ينتبه أحد.ـ متقربش!لكن النسخة لم تهتم.نظر إلى كريم الحقيقي مباشرة.وقال:ـ أنا مش عدوك.ـ أنا أنت… لما تفتكر كل حاجة.نور تقدمت خطوة للأمام.ـ متسمعوش.ـ هو بيحاول يعيد تشكيل وعيك.لكن الرجل الغامض كان يقف في الخلف، يراقب بصمت.كأنه ينتظر اللحظة المناسبة فقط.ثم قال بهدوء:ـ الصراع الحقيقي لم يبدأ بعد.فجأة…انطفأت جميع الشاشات.ثم عادت للعمل في نفس اللحظة.لكن هذه المرة لم تعرض صور أطفال.بل عرضت دماغًا بشريًا.مقسمًا إلى أجزاء.كل جزء عليه رقم.وكل رقم عليه اسم:كريم.نور.يوسف.والنسخة الأخرى.اتسعت عين كريم.ـ إيه ده؟أجابت نور بصوت منخفض:ـ ده أنت.ـ أو بالأصح… الطريقة اللي اتقسمت بيها.اقترب الرجل الغامض خطوة.وقال:ـ كل
الفصل التاسع والعشرون: ما تحت الأرضالظلام كان كاملًا.كريم لم يكن يشعر بالأرض تحت قدميه.كل ما حوله كان سقوطًا مستمرًا لا نهاية له.أصوات معدنية.صدى أنفاس متقطعة.وصوت عادل يختفي تدريجيًا في الأعلى.ثم…ارتطام قوي.صمت.فتح كريم عينيه بصعوبة.كان مستلقيًا على أرض باردة جدًا.أرض مختلفة عن أي شيء رآه داخل المنشأة.رفِع رأسه ببطء.لا أسقف واضحة.بل سقف ضخم مرتفع جدًا لدرجة أنه يختفي في الظلام.إضاءة خافتة تأتي من خطوط زرقاء ممتدة في الجدران.كأن المكان لا يعمل بالكهرباء… بل بشيء آخر.سمع صوت عادل قريبًا:ـ كريم… إنت كويس؟أجاب بصعوبة:ـ تقريبا…نهض ببطء.ثم نظر حوله.تجمد مكانه.المكان لم يكن ممرًا.ولا غرفة.بل مدينة صغيرة تحت الأرض.ممرات تمتد بلا نهاية.جسور معلقة.غرف شفافة داخل الجدران.وأشخاص…أو ما يشبه الأشخاص…يتحركون ببطء في الظلال.قال كريم بصوت منخفض:ـ إحنا فين؟لكن لم يجب أحد فورًا.فجأة، ظهر الرجل الغامض من الظلام أمامهم.كأنه كان ينتظرهم هناك.لم يسقط معهم.لم يتأذَّ.بل كان واقفًا بهدوء.قال:ـ المرحلة الثالثة.تراجع عادل خطوة:ـ دي مش منشأة… دي مدينة كاملة!أجاب الرج
الفصل الثامن والعشرون: الهارب من الزجاجانفجر الزجاج.صوت مدوٍ ملأ القاعة، كأنه إعلان بداية شيء لا يمكن إيقافه.تراجعت شظايا صغيرة في الهواء، بينما خرجت النسخة الأخرى من كريم من الكبسولة ببطء.كانت خطواته الأولى غير مستقرة.كأنه يتعلم الحركة من جديد.أما كريم الحقيقي، فبقي واقفًا في مكانه، يحدق فيه بصدمة كاملة.هذه ليست مجرد نسخة.هذا هو هو.لكن شيئًا ما في نظراته كان مختلفًا.أبرد.أكثر ثباتًا.وكأنه لا يشعر بالارتباك الذي يشعر به كريم الآن.قال عادل بصوت مرتجف:ـ لقد خرج… انتهى الاحتواء.الرجل الغامض لم يتحرك.بل اكتفى بالمشاهدة.كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ البداية.قالت النسخة بصوت هادئ:ـ أخيرًا…ثم نظر مباشرة إلى كريم الحقيقي.ـ أستطيع أن أتنفس الآن.تراجع كريم خطوة.ـ مين أنت؟ابتسمت النسخة.ـ السؤال نفسه منذ البداية.ـ لكنك تسأله بشكل خاطئ.اقترب خطوة.ثم أخرى.وكان كل شيء فيه يقول إنه يعرف المكان جيدًا.كأنه لم يكن داخل الكبسولة، بل كان ينتظر فقط أن تُفتح.قال عادل بسرعة:ـ لا تقترب منه!لكن النسخة لم تهتم.بل قالت بهدوء:ـ أنت خائف مني؟ثم ضحك ضحكة قصيرة.ـ أنا أنت.لكن كري
الفصل السابع والعشرون: الانقسام الكاملساد صمت ثقيل داخل القاعة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل صمتًا كأنه يضغط على صدورهم جميعًا.كريم يقف في المنتصف، عيناه تنتقلان بين النسخة الأخرى منه داخل الكبسولة، وبين الرجل الغامض، وبين عادل الذي بدا وكأنه فقد القدرة على اتخاذ أي قرار.الضوء الأحمر الخافت كان ينعكس على الزجاج، فيجعل وجه النسخة الأخرى أكثر غموضًا.وفي كل لحظة، كان إحساس كريم بأنه ينظر إلى نفسه يزداد… لكن بشكل غير صحيح.قال الرجل الغامض أخيرًا بصوت هادئ جدًا:ـ الوقت لا يعمل لصالحكم.لم يرفع صوته، لكنه كان كافيًا ليجعل التوتر في الغرفة يزداد.ثم أشار إلى شاشة جانبية.ظهر عد تنازلي جديد.00:04:5800:04:5700:04:56تجمد كريم.ـ ما هذا العد؟ ولماذا يظهر كل مرة نقترب من شيء مهم؟أجابه الرجل:ـ لأنه ببساطة… كل مرحلة لها وقتها.اقترب عادل خطوة للخلف وقال بصوت منخفض:ـ كريم… لا أستطيع تفسير هذا، لكن كل شيء هنا يسير وفق خطة أكبر مما نتخيل.التفت إليه كريم بسرعة:ـ خطة مين؟لكن قبل أن يرد عادل، جاء صوت من داخل الكبسولة.صوت النسخة الأخرى من كريم.ـ لا تصدقه.تجمد الجميع.رفع كريم نظره نحو الكبسو