INICIAR SESIÓNالفصل الرابع: المنزل المطل على البحر
في صباح اليوم التالي، استيقظ كريم قبل موعد منبهه بساعة كاملة.
فتح عينيه ونظر إلى سقف غرفته بصمت. لم يكن بحاجة إلى التفكير ليعرف سبب استيقاظه المبكر. فالعنوان الذي تركته نور في الورقة الأخيرة ظل يدور في رأسه طوال الليل، وكأنه رسالة لا تسمح له بالراحة.
حاول أكثر من مرة إقناع نفسه بأن الأمر مجرد مصادفة، أو أن ما يفعله ليس سوى مطاردة لوهم قديم، لكنه لم ينجح.
كان هناك شيء ما يخبره أن نور تركت تلك الخيوط عن قصد.
وكأنها كانت تعلم أن أحدًا سيأتي يومًا ما ليبحث عنها.
نهض من سريره، وارتدى ملابسه بسرعة، ثم وقف أمام النافذة.
كانت السماء ملبدة بغيوم خفيفة، والهواء البارد يتسلل إلى الغرفة.
شعر بغرابة في صدره.
مزيج من القلق والحماس والخوف.
خوف من أن يكتشف الحقيقة.
وخوف أكبر من ألا يجد أي حقيقة أصلًا.
مر يوم العمل ببطء شديد.
كل دقيقة كانت تبدو وكأنها ساعة كاملة.
وحين انتهى أخيرًا، خرج من المبنى دون أن يلتفت خلفه.
استأجر سيارة، وأدخل العنوان في جهاز الملاحة، ثم انطلق.
في البداية كانت الطرق مزدحمة والسيارات تملأ الشوارع.
لكن مع مرور الوقت بدأت المدينة تختفي خلفه شيئًا فشيئًا.
تبدلت المباني العالية بأراضٍ مفتوحة.
واختفت الضوضاء لتحل محلها أصوات الرياح.
كان البحر يظهر أحيانًا من بعيد كخط أزرق ممتد عند الأفق.
نظر كريم إلى الطريق الطويل أمامه وشعر بشيء غريب.
لأول مرة منذ بداية بحثه، كان يشعر أنه يتحرك نحو إجابة حقيقية.
بعد ساعة ونصف تقريبًا، بدأ الطريق يصعد نحو منطقة مرتفعة.
الأشجار أصبحت أكثر كثافة.
والبيوت أقل عددًا.
حتى ظهر المنزل فجأة بين الأغصان.
ضغط كريم على المكابح ببطء.
وأوقف السيارة.
بقي جالسًا للحظات دون أن يتحرك.
كان المنزل يقف وحيدًا فوق التلة المطلة على البحر.
بدا كأنه خرج من زمن آخر.
جدرانه القديمة تحمل آثار السنين.
والنوافذ المغلقة تعكس ضوء السماء الرمادي.
أما البحر خلفه فكان هادئًا على نحو مريب.
نزل من السيارة وأغلق الباب خلفه.
كل خطوة كان يخطوها نحو المنزل جعلت دقات قلبه أسرع.
عندما وصل إلى البوابة الحديدية، وجدها مغلقة بسلسلة صدئة.
بحث حول السور حتى وجد فتحة صغيرة بين الأشجار.
تسلل منها بصعوبة.
وما إن دخل الحديقة حتى شعر بأن المكان مختلف.
لم يكن مهجورًا بالكامل كما يبدو.
كانت هناك أغصان مكسورة حديثًا.
وأثر حذاء واضح فوق التراب الرطب.
انحنى كريم ليتفحصه.
الأثر لم يكن قديمًا.
بل بدا وكأنه طُبع منذ وقت قريب.
ارتفع التوتر داخله.
هل كان شخص ما يأتي إلى هنا؟
وهل ما زال يزور المكان حتى الآن؟
رفع رأسه ونظر حوله بحذر.
لكن لم يكن هناك أحد.
فقط الأشجار والرياح وصوت الأمواج البعيد.
وصل إلى باب المنزل.
كان مواربًا قليلًا.
وهذا ما أثار قلقه أكثر.
دفعه ببطء.
صدر صرير طويل جعل الصمت أكثر ثقلاً.
دخل إلى الداخل.
كان الهواء باردًا ومشبعًا برائحة الخشب القديم.
الغبار يغطي معظم الأثاث.
لكن المكان لم يكن ميتًا بالكامل.
لاحظ وجود أشياء تبدو وكأن أحدًا حركها مؤخرًا.
مقعد موضوع بعناية.
وستارة مفتوحة نصف فتحة.
وكتاب فوق طاولة صغيرة.
اقترب من الكتاب.
فتح صفحاته بحذر.
فسقطت وردة مجففة بين الأوراق.
التقطها ببطء.
ثم قرأ العبارة المكتوبة بخط نور:
"أحيانًا نخفي أسرارنا في الأماكن التي نحبها."
ابتسم رغم توتره.
كان يعرف هذا الخط جيدًا.
أعاد الوردة إلى مكانها.
ثم بدأ يتجول في المنزل.
كل غرفة كانت تحكي قصة مختلفة.
في إحدى الغرف وجد بيانو قديمًا مغطى بالغبار.
مرر أصابعه فوق المفاتيح.
فصدر صوت خافت ومكسور.
وفي غرفة أخرى وجد لوحات معلقة على الجدران.
بعضها لمناظر بحرية.
وبعضها لأماكن مجهولة.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه.
في أكثر من لوحة، كان هناك شكل صغير لفتاة تقف بعيدًا وتنظر إلى البحر.
شعر بقشعريرة.
هل كانت نور ترى نفسها في تلك الرسومات؟
أم أن شخصًا آخر رسمها؟
تابع البحث.
وفي نهاية الممر الطويل وجد غرفة مكتبة.
كانت مليئة بالكتب.
اقترب من أحد الرفوف.
وبينما كان يتفحص العناوين، لاحظ كتابًا موضوعًا بشكل مختلف عن البقية.
سحبه من مكانه.
فصدر صوت خفيف.
وفجأة تحرك لوح خشبي صغير خلف الرف.
اتسعت عيناه بدهشة.
مد يده داخل الفتحة.
وأخرج ظرفًا قديمًا.
فتح الظرف بسرعة.
كان بداخله ورقة صغيرة فقط.
قرأ ما كُتب عليها:
"ليس كل من يساعدك صديقًا."
ظل يقرأ الجملة مرات عديدة.
ثم وضع الورقة في جيبه.
لكن فضوله لم ينتهِ.
بدأ يتفحص بقية الرفوف.
وفجأة سقطت ورقة مطوية من أحد الكتب.
التقطها بسرعة.
كانت صفحة من مذكرات نور.
قرأها ببطء:
"إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنك وصلت إلى المكان الذي كنت أهرب إليه عندما أشعر بالخوف."
ازدادت دقات قلبه.
وأكمل القراءة.
"الخطر لا يأتي دائمًا من الغرباء. أحيانًا يأتي من الأشخاص الذين نمنحهم ثقتنا."
توقف للحظة.
كانت هذه ثاني مرة يجد فيها رسالة تتحدث عن الثقة والخيانة.
بدأ يشعر أن نور كانت تحاول تحذير شخص ما.
أو ربما كانت تحاول تحذيره هو.
في أسفل الصفحة كانت هناك كلمتان فقط:
"الطابق العلوي."
رفع كريم رأسه نحو السلم الخشبي.
كان قد تجاهل الصعود منذ دخوله.
لكن الآن لم يعد أمامه خيار.
تقدم ببطء.
كل درجة أصدرت صريرًا خافتًا.
ومع كل خطوة كان التوتر يزداد.
وصل إلى الممر العلوي.
فتح أول غرفة.
كانت غرفة نوم قديمة.
السرير مغطى بالغبار.
والمرآة معلقة فوق خزانة خشبية.
اقترب منها.
ثم تجمد مكانه.
على سطح المرآة كلمات كُتبت فوق الغبار:
"لا تصدق كل ما تسمعه."
شعر ببرودة تسري في جسده.
انتقل إلى الغرفة الثانية.
كانت أصغر حجمًا.
وبداخلها مكتب قديم.
تحت المكتب وجد صورة ممزقة.
التقطها بحذر.
كانت نور تقف فيها بجوار رجل مجهول.
لكن وجه الرجل قُطع بالكامل من الصورة.
وكأن أحدهم تعمد إخفاء هويته.
قلب الصورة.
وجد تاريخًا يعود إلى أشهر قليلة قبل اختفائها.
احتفظ بها داخل جيبه.
ثم عاد إلى الطابق السفلي.
واتجه إلى الغرفة المطلة على البحر.
وهناك شعر بشيء مختلف.
كأن الغرفة ما زالت تحتفظ بوجود صاحبها.
كان المكتب الخشبي قرب النافذة.
وإطار الصورة الفارغ معلقًا على الحائط.
اقترب منه.
ولاحظ وجود ورقة مخبأة خلفه.
أخرجها بسرعة.
كانت خريطة مرسومة يدويًا.
وعليها عدة علامات حمراء.
وفي أسفلها عبارة:
"إذا وصلت إلى هنا، فأنت أقرب مما تتخيل."
تسارعت أنفاسه.
ظل يتأمل الخريطة لدقائق طويلة.
ثم التقط صورة لها بهاتفه.
وأثناء ذلك لمح صندوقًا صغيرًا قرب النافذة.
فتح الصندوق.
فوجد مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
كان معلقًا به حرف واحد:
"N"
قبض عليه بقوة.
شعر أن هذا المفتاح يخص نور بطريقة ما.
وربما يفتح بابًا لم يصل إليه بعد.
جلس على الكرسي المقابل للنافذة.
ونظر إلى البحر الممتد أمامه.
وفجأة لمح شيئًا غريبًا.
في الصخور القريبة من الشاطئ كان هناك شخص يقف للحظات.
شخص يراقب المنزل.
نهض بسرعة.
لكن عندما نظر مرة أخرى كان الشخص قد اختفى.
وكأن الأرض ابتلعته.
ازداد شعوره بأن أحدًا يراقبه منذ وصوله.
وقبل أن يغادر الغرفة، لمح شيئًا محفورًا أسفل سطح المكتب.
انحنى ونظر جيدًا.
كانت الأحرف شبه ممحية.
لكنه استطاع قراءتها:
"الثقة قد تكون أخطر من الخيانة."
شعر ببرودة تسري في جسده.
بدأت الرسائل تأخذ منحى أكثر ظلامًا.
خرج من الغرفة متجهًا إلى الباب الرئيسي.
وفجأة سمع صوت خطوة خافتة في الطابق العلوي.
توقف مكانه.
حبس أنفاسه.
عاد الصوت مرة أخرى.
خطوة...
ثم أخرى.
رفع رأسه ببطء نحو السقف.
شعر بأن هناك شخصًا يتحرك فوقه.
تقدم بحذر نحو السلم.
لكن قبل أن يصعد سمع صوت ارتطام قوي بالخارج.
ركض نحو الباب.
خرج إلى الحديقة.
لم يجد أحدًا.
لكن شيئًا كان يتحرك بين الأشجار البعيدة.
ظل يحدق للحظات.
ثم اختفى.
وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
قرر أخيرًا مغادرة المنزل قبل حلول الظلام.
جمع أغراضه واتجه نحو السيارة.
لكن قبل أن يصل إليها، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
أجاب بتردد:
"من معي؟"
لم يصله أي رد.
فقط صوت أنفاس هادئة.
أنفاس شخص يراقبه بصمت.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
كرر السؤال.
لكن المتصل أغلق الخط.
بعد ثوانٍ وصلت رسالة جديدة.
فتحها بسرعة.
كانت تحتوي على جملة واحدة فقط:
"ابتعد عن البحث إذا كنت لا تريد أن تتأذى."
شحب وجهه.
رفع رأسه ونظر حوله.
شعر أن العيون تراقبه من كل اتجاه.
ركب السيارة.
لكن قبل أن يدير المحرك لاحظ ورقة صغيرة مثبتة أسفل ماسحة الزجاج.
تجمد في مكانه.
لم تكن موجودة عندما وصل.
أخذها ببطء.
فتحها.
وقرأ الكلمات المكتوبة:
"لقد تأخرت كثيرًا."
ضاقت عيناه.
وفي أسفل الورقة كان هناك توقيع واحد فقط.
اسم واحد.
المهندس يوسف.
في تلك اللحظة أدرك كريم أن اختفاء نور لم يكن حادثًا عاديًا.
وأن كل خطوة يقترب بها من الحقيقة...
تجعله يقترب أيضًا من خطر لا يعرف حجمه بعد.
الفصل الثاني والثلاثون: بين طبقتين من الوجودالظلام لم يكن ظلامًا حقيقيًا.كان أقرب إلى فراغ بلا تعريف.كريم شعر وكأن جسده يطفو، لا يسقط ولا يستقر، وكأن الجاذبية نفسها فقدت قرارها.الصوت الوحيد الذي كان يسمعه هو أنفاسه… وأنفاس شخص آخر قريب جدًا منه.فتح عينيه ببطء.لم يكن هناك أرض واضحة.ولا سقف.ولا جدران.فقط امتداد غير مفهوم من الظلال الرمادية التي تتحرك ببطء، كأنها تتنفس.ثم بدأ الإدراك يعود تدريجيًا.كان هناك شخص بجانبه.التفت بسرعة.كانت النسخة الأخرى من كريم.تقف على بعد خطوات قليلة.تنظر حولها بتركيز شديد، وكأنها تعرف هذا المكان أكثر مما ينبغي.قال كريم بصوت منخفض:ـ إحنا فين دلوقتي؟لم يجب الآخر فورًا.بل أدار رأسه ببطء، يتأمل الفراغ حوله.ثم قال بهدوء:ـ ده مش مكان واحد.ـ ده تقاطع طبقات.تجمد كريم.ـ تقاطع إيه؟اقتربت النسخة خطوة.ـ كل اللي شفناه قبل كده كان طبقة.ـ المنشأة… المرحلة الثالثة… المنطقة البيضاء…ـ كل ده مجرد مستويات فوق بعض.سكت لحظة ثم أضاف:ـ إحنا دلوقتي بين المستويات.شعر كريم بصداع خفيف.كأن عقله يحاول رفض الفكرة.ـ يعني إحنا مش في مكان ثابت؟ابتسمت النسخة
الفصل الحادي والثلاثون: المكان الذي لا يكتملالصمت كان مطبقًا.كريم فتح عينيه ببطء.لم يعد هناك صوت إنذار.لا شاشات.لا جدران.ولا حتى إحساس بالمكان الذي كان فيه منذ لحظات.كل شيء أبيض.لكن ليس بياضًا طبيعيًا.كان بياضًا بلا عمق.كأن الفراغ نفسه له لون.تحرك خطوة إلى الأمام.لم يشعر بأي أرض تحت قدميه في البداية.ثم بدأ الإحساس يعود تدريجيًا.أرض صلبة.لكنها غير مرئية تقريبًا.قال بصوت منخفض:ـ أنا فين؟لا رد.رفع يده أمامه.اختفت حدود يده أحيانًا داخل الضوء.كأن جسده نفسه غير مستقر.ثم…ظهر صوت.لكن ليس من مكان محدد.بل من كل الاتجاهات.صوت هادئ جدًا.ـ أنت في المنطقة بين الطبقات.تجمد كريم.ـ مين بيتكلم؟الصوت لم يجب مباشرة.ثم أضاف:ـ هنا لا يوجد “مكان ثابت”.ـ هنا فقط بقايا الوعي قبل إعادة التشكيل.بدأت الأرض — أو ما يشبه الأرض — تتغير تحت قدميه.دوائر ضوئية تظهر وتختفي.كأن المكان يحاول بناء نفسه باستمرار ولا ينجح.وفجأة…ظهرت صورة أمامه.نور.لكنها لم تكن كاملة.كانت عبارة عن ظل فقط.تتحرك في اتجاه غير واضح.قال كريم بسرعة:ـ نور!لكن الصورة اختفت فورًا.ثم ظهر صوت آخر.هذه المرة
الفصل الثلاثون: انهيار النسخالقاعة كلها اهتزت.الأرض تحتهم بدأت تتشقق ببطء، كأن المكان نفسه لم يعد قادرًا على تحمل ما يحدث داخله.النسخة الأخرى من كريم كانت واقفة في المنتصف.تبتسم.لكن هذه المرة لم تكن ابتسامة هادئة.بل ابتسامة شخص يعرف أن النهاية بدأت.قال بصوت منخفض:ـ مفيش خروج.ـ النظام انتهى خلاص.تراجع عادل خطوة وهو يرفع سلاحًا صغيرًا كان يحمله دون أن ينتبه أحد.ـ متقربش!لكن النسخة لم تهتم.نظر إلى كريم الحقيقي مباشرة.وقال:ـ أنا مش عدوك.ـ أنا أنت… لما تفتكر كل حاجة.نور تقدمت خطوة للأمام.ـ متسمعوش.ـ هو بيحاول يعيد تشكيل وعيك.لكن الرجل الغامض كان يقف في الخلف، يراقب بصمت.كأنه ينتظر اللحظة المناسبة فقط.ثم قال بهدوء:ـ الصراع الحقيقي لم يبدأ بعد.فجأة…انطفأت جميع الشاشات.ثم عادت للعمل في نفس اللحظة.لكن هذه المرة لم تعرض صور أطفال.بل عرضت دماغًا بشريًا.مقسمًا إلى أجزاء.كل جزء عليه رقم.وكل رقم عليه اسم:كريم.نور.يوسف.والنسخة الأخرى.اتسعت عين كريم.ـ إيه ده؟أجابت نور بصوت منخفض:ـ ده أنت.ـ أو بالأصح… الطريقة اللي اتقسمت بيها.اقترب الرجل الغامض خطوة.وقال:ـ كل
الفصل التاسع والعشرون: ما تحت الأرضالظلام كان كاملًا.كريم لم يكن يشعر بالأرض تحت قدميه.كل ما حوله كان سقوطًا مستمرًا لا نهاية له.أصوات معدنية.صدى أنفاس متقطعة.وصوت عادل يختفي تدريجيًا في الأعلى.ثم…ارتطام قوي.صمت.فتح كريم عينيه بصعوبة.كان مستلقيًا على أرض باردة جدًا.أرض مختلفة عن أي شيء رآه داخل المنشأة.رفِع رأسه ببطء.لا أسقف واضحة.بل سقف ضخم مرتفع جدًا لدرجة أنه يختفي في الظلام.إضاءة خافتة تأتي من خطوط زرقاء ممتدة في الجدران.كأن المكان لا يعمل بالكهرباء… بل بشيء آخر.سمع صوت عادل قريبًا:ـ كريم… إنت كويس؟أجاب بصعوبة:ـ تقريبا…نهض ببطء.ثم نظر حوله.تجمد مكانه.المكان لم يكن ممرًا.ولا غرفة.بل مدينة صغيرة تحت الأرض.ممرات تمتد بلا نهاية.جسور معلقة.غرف شفافة داخل الجدران.وأشخاص…أو ما يشبه الأشخاص…يتحركون ببطء في الظلال.قال كريم بصوت منخفض:ـ إحنا فين؟لكن لم يجب أحد فورًا.فجأة، ظهر الرجل الغامض من الظلام أمامهم.كأنه كان ينتظرهم هناك.لم يسقط معهم.لم يتأذَّ.بل كان واقفًا بهدوء.قال:ـ المرحلة الثالثة.تراجع عادل خطوة:ـ دي مش منشأة… دي مدينة كاملة!أجاب الرج
الفصل الثامن والعشرون: الهارب من الزجاجانفجر الزجاج.صوت مدوٍ ملأ القاعة، كأنه إعلان بداية شيء لا يمكن إيقافه.تراجعت شظايا صغيرة في الهواء، بينما خرجت النسخة الأخرى من كريم من الكبسولة ببطء.كانت خطواته الأولى غير مستقرة.كأنه يتعلم الحركة من جديد.أما كريم الحقيقي، فبقي واقفًا في مكانه، يحدق فيه بصدمة كاملة.هذه ليست مجرد نسخة.هذا هو هو.لكن شيئًا ما في نظراته كان مختلفًا.أبرد.أكثر ثباتًا.وكأنه لا يشعر بالارتباك الذي يشعر به كريم الآن.قال عادل بصوت مرتجف:ـ لقد خرج… انتهى الاحتواء.الرجل الغامض لم يتحرك.بل اكتفى بالمشاهدة.كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ البداية.قالت النسخة بصوت هادئ:ـ أخيرًا…ثم نظر مباشرة إلى كريم الحقيقي.ـ أستطيع أن أتنفس الآن.تراجع كريم خطوة.ـ مين أنت؟ابتسمت النسخة.ـ السؤال نفسه منذ البداية.ـ لكنك تسأله بشكل خاطئ.اقترب خطوة.ثم أخرى.وكان كل شيء فيه يقول إنه يعرف المكان جيدًا.كأنه لم يكن داخل الكبسولة، بل كان ينتظر فقط أن تُفتح.قال عادل بسرعة:ـ لا تقترب منه!لكن النسخة لم تهتم.بل قالت بهدوء:ـ أنت خائف مني؟ثم ضحك ضحكة قصيرة.ـ أنا أنت.لكن كري
الفصل السابع والعشرون: الانقسام الكاملساد صمت ثقيل داخل القاعة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل صمتًا كأنه يضغط على صدورهم جميعًا.كريم يقف في المنتصف، عيناه تنتقلان بين النسخة الأخرى منه داخل الكبسولة، وبين الرجل الغامض، وبين عادل الذي بدا وكأنه فقد القدرة على اتخاذ أي قرار.الضوء الأحمر الخافت كان ينعكس على الزجاج، فيجعل وجه النسخة الأخرى أكثر غموضًا.وفي كل لحظة، كان إحساس كريم بأنه ينظر إلى نفسه يزداد… لكن بشكل غير صحيح.قال الرجل الغامض أخيرًا بصوت هادئ جدًا:ـ الوقت لا يعمل لصالحكم.لم يرفع صوته، لكنه كان كافيًا ليجعل التوتر في الغرفة يزداد.ثم أشار إلى شاشة جانبية.ظهر عد تنازلي جديد.00:04:5800:04:5700:04:56تجمد كريم.ـ ما هذا العد؟ ولماذا يظهر كل مرة نقترب من شيء مهم؟أجابه الرجل:ـ لأنه ببساطة… كل مرحلة لها وقتها.اقترب عادل خطوة للخلف وقال بصوت منخفض:ـ كريم… لا أستطيع تفسير هذا، لكن كل شيء هنا يسير وفق خطة أكبر مما نتخيل.التفت إليه كريم بسرعة:ـ خطة مين؟لكن قبل أن يرد عادل، جاء صوت من داخل الكبسولة.صوت النسخة الأخرى من كريم.ـ لا تصدقه.تجمد الجميع.رفع كريم نظره نحو الكبسو