Compartir

الفصل الرابع

Autor: آيفي
على العشاء، أعدّت مريم مأدبة فاخرة من المأكولات البحرية. كانت ترتدي مئزرًا رقيقًا، بينما تعتلي وجهها ابتسامة مثالية وهي تشكرني وعلي: "اعتبرا هذه المأدبة شكرًا بسيطًا على كرم ضيافتكما."

كانت الطاولة تئن تحت ثقل الكركند والسلطعون والمحار، كما توسطها قدر من حساء المأكولات البحرية تفوح منه رائحة شهية.

غرفت مريم وعاءً كبيرًا خصيصًا لآسر وقالت: " يا عزيزي آسر، تعال وتذوق ما طبخته خالتك لأجلك."

ألقى آسر نظرة سريعة على الحساء وهز رأسه رافضًا فورًا، بينما بدت ملامحه الصغيرة حذرة.

تجمدت ابتسامة مريم، ولمحت شرارة انزعاج تطل من عينيها قبل أن تداريها بنظرة هشّة منكسرة وتقول بنبرة مرتعشة: "وقفت أعدّ هذا الطعام منذ الثانية ظهرًا.."

ليزيد سيف الطين بلّة، مُعلّقًا بصوته الحاد: "هل يرفض آسر والخالة ليلى تناول طعام أمي لأنهما لا يرغبان بنا هنا؟"

تجهّم وجه علي في الحال، فقد شعر أن ابنه يسيء الأدب ويُشعر مريم وسيف بأنهما غير مرغوب بهما، فصاح بحدّة: "آسر! اشرب الحساء حالًا." متابعًا بلهجة آمرة: "بصفتك وريث عائلة الصاوي، أتوقع منك شيئًا من اللباقة، فنحن لا نهين ضيوفنا."

قلت ببرود قاتل: "لدى آسر حساسية مفرطة من المأكولات البحرية، حساسية قد تؤدي إلى صدمة تحسسية قاتلة. أي وعاء واحد كفيل بقتله."

تصلّب علي محلّه، بينما ظلّت ملعقته مُعلقة في الهواء.

مرّت شرارة الذنب تلك على وجهه حين أدرك أنه نسي حالة وحيده الصحية، لكن لم يكتفِ سيف بهذا، بل وتظاهر بالبراءة قائلًا: "مستحيل! فحساء أمي لذيذ جدًا، وقد احتسيت منه الكثير بالأمس!" قبل أن يمسك بوعائه متظاهرًا برغبته في مشاركته ويقول: "ارتشف رشفة واحدة فقط يا آسر!"

دفع آسر الوعاء بعيدًا عنه لا إراديًا، فأفلت سيف الوعاء عمدًا أثناء المدافعة، لينسكب الحساء المغلي فوق الطفلين.

طال ذراع آسر النصيب الأكبر من الأذى، فاحمرّ جلده فورًا وبدأت الفقاقيع تظهر عليه، بينما لم يصب سيف إلا قطرات قليلة على ظهر يده، ومع ذلك بدأ يصرخ: "لماذا دفعني آسر؟ إنني أحترق! هذا مؤلم!"

كست حمرة الغضب وجه علي الذي لم يرَ سوى بكاء سيف، متغاضيًا عن حروق ذراع آسر الشديدة.

صرخ في آسر: "آسر! إياك أن تدفع أحدًا مهما كان السبب! اعتذر لسيف حالًا!"

ومن دون أن يسمع تفسيرًا من آسر، حمل سيف الباكي بين ذراعيه وقال محاولًا تهدئته: "لا بأس يا صغيري، فلديّ مرهم سيُسكن آلامك."

تظاهرت مريم بتوبيخ سيف قائلة: "ما لك بهذا الإهمال؟"، مُخفقة في ستر نظرات شماتتها.

انحنيت في صمت، واضعة مرهم الحروق على ذراع آسر الذي أخذ يراقب علي ومريم وهما يبتعدان مع سيف.

تحوّل الألم والظلم في عينيه إلى برود تام تدريجيًا، قبل أن يهمس دون أن يذرف دمعة واحدة: "أمي..إنني أتألم."

لأجيبه نافخة على ذراعه برفق: "أعرف يا حبيبي."

مدّ آسر يده وفك القلادة البلاتينية حول عنقه.

كانت ترمز لوريث عائلة الصاوي، وقد ألبسه علي إياها في عيد ميلاده الثالث، وهو بالمناسبة عيد الميلاد الوحيد الذي حضره مع آسر.

عشق طفلي تلك القلادة ولم يخلعها أبدًا، حتى أثناء الاستحمام.

وضعها على طاولة الطعام بهدوء، ثم قال بصوته الطفولي الذي حافظ على ثباته بشكل أبهرني: "لنرحل يا أمي، فأنا لم أعد أريد أيًا من هذا."

نظر إليّ محاولًا مواساتي بدلًا من أن أواسيه أنا، وقال: "لا تحزني بسببهم يا أمي، فسأحميك من الآن فصاعدًا."

أصبح طفلي ابن الخامسة يتحدث كرجل ناضج!

نظرت إلى ذلك الإصرار في عينيه، وابتسمت من بين حطام قلبي وقلت: "حسنًا، سنرحل."

كانت سيارة مروان المُصفحة تنتظرنا عند البوابة. حملت آسر وأمسكت بالحقائب التي حزمتها بعد الظهيرة، وخرجت مسرعة من الباب.

همس آسر وهو بين ذراعيّ: "لن نعود أبدًا يا أمي، صحيح؟" لأجيبه: "لن نعود..أبدًا."

وفي الخارج، ارتفع صوت محرك السيارة الفارهة السوداء المصفحة قبل أن تختفي في جوف الليل الممطر.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • هروب زوجة الدون السرية   الفصل التاسع

    في إحدى قرى مدينة الحرية، عثر علي أخيرًا على ليلى وآسر، الذين كانا يقضيان عُطلتهما هناك.لم يطرق النوم بابه منذ ثلاثة أيام، احمرّت عيناه وطالت لحيته أكثر من اللازم، فسلبته هيبة الدون.راقب ليلى وهي تخرج من محل زهور بسيط، وآسر يمسك إحدى يديها، بينما يحمل في يده الأخرى باقة من زهور دوّار الشمس المشرقة. كانا يرتديان معاطف صوفية سميكة، كما زيّنت ملامحهما سعادة وسكينة لم يشهدهما منذ سنوات.اندفع علي للأمام، مُعترضًا طريقهما.كان صوته يرتجف اضطرابًا، وعيناه حمراوان وهو يقول: "ليلى! لمَ تركتني؟ ولمَ أخذت آسر؟"نظرت إليه بهدوء ولم تنطق بحرف، فجنّ جنونه وأطلق عليها الاتهامات كالرصاص: "لقد ورطتني في هذه الزيجة بمكيدة الحمل، والآن تقررين الرحيل بكل بساطة؟ أتعتقدين أن بوسعك الرحيل وكأن شيئًا لم يكن؟"أمام اتهاماته وانفعاله الهستيري، حافظت ليلى على سكونها بشكل لا يُصدق، لم تجادله ولم تقاومه، مُكتفية بمراقبة الرجل الذي أحبته يومًا وقد صار غريبًا عنها.حدثته بنبرة هادئة لم تفقد حزمها، كاشفة حقيقة تلك الليلة قبل ست سنوات:"لم أكن من وضع لك المخدر يا علي، وإنما مريم! أرادت التسلل إلى فراشك وإنجاب وريث

  • هروب زوجة الدون السرية   الفصل الثامن

    وسط كومة الأوراق المبعثرة، لفتت انتباهه وثيقة الطلاق.ارتعشت يداه وهو يفتحها، ليجد توقيعه الذي وقّعه بنفسه، وتاريخ تلك الليلة.عاد المشهد إلى ذهنه كما لو كان يحدث أمامه، هذا ما حدث تمامًا، أعطته ليلى الوثيقة بهدوء، راسمة ابتسامة حنونة، بينما تطلب منه التوقيع سريعًا كي يهتم بمريم وسيف قائلة: "وقّع، فهما بحاجة إليك."أبهره تفهمها آنذاك، فمدحها ووصفها بأنها دونا مثالية.تصفّح بنود الوثيقة، ليجد أن ليلى لم تُطالب إلا بحضانة آسر، متنازلة عن حقها في أصول العائلة والنفقة، بما في ذلك مجوهراتها وعقاراتها المسجلة باسمها.كادت حيرته تقتله.. لماذا؟ لماذا رحلت بلا رجعة هكذا؟ وإذا كانت لا تعبأ بالمال، فبأي دافع أوقعته في فخها وأدخلته إلى فراشها كي يتزوجها قسرًا قبل سنوات؟كان يقلب صفحات اتفاقية الطلاق حين انزلق جسم صغير من بين الأوراق، مُرتطمًا بالسجادة. انحنى ليلتقطه، وإذ أنه خاتم زفافهما.حدّق بالخاتم متذكرًا كذبة ليلى حين ادّعت أنه انكسر أثناء الاشتباك.لم يكن الخاتم مكسورًا، بل هي من لم تعد تريده.بدأت يده القابضة على الخاتم ترتجف بشدة، واجتاحه رعب لم يعرف له مثيل، رعب كاد يسلبه أنفاسه.عليه إيج

  • هروب زوجة الدون السرية   الفصل السابع

    بعد انقضاء المأدبة، توجه علي إلى إحدى الحانات وشرب حتى الثمالة.وبحكم العادة، أخرج هاتفه وطلب رقم ليلى لتحضر وتقله إلى البيت كما فعلت مرارًا، لكنه وجد الخط خارج الخدمة، ليتذكر لحظتها أن ليلى وآسر قد رحلا.ترنّح في مشيته حتى وصل إلى البيت ودفع باب غرفة نومه.أفاقه فراغ الغرفة من ثمالته فورًا. وبشكل لا إرادي، امتدت يده نحو مسدس "غلوك 19" الموضوع على الطاولة الجانبية، وهي عادة اكتسبها من العيش لسنوات على حافة الخطر، فهو يتفقد سلاحه بمجرد أن يعود إلى المنزل كل ليلة.ومع ذلك، لم تلامس أصابعه الفولاذ البارد هذه المرة، وإنما ورقة رسم خشنة.التقطها علي وتفحصها بدقة، فقد كانت رسمة عائلية رسمها آسر بألوان الشمع. في منتصفها، رُسمت امرأة ترتدي ثوبًا أزرق، وصغيرها يمسك بيدها، بينما يبتسم الاثنان ابتسامة مُشرقة، ويحيط بهما قوس قزح وشمس ساطعة.أما علي، فشعر بقلبه يتمزّق حين وجد مكانه في الرسمة مجرد خربشات عنيفة غاضبة بقلم الألوان الأسود، فلم يعد سوى فراغ مظلم.حدّق في تلك البقعة السوداء، وبدأت يده ترتعش دون أي سيطرة منه.وفجأة، تذكر كل المرات التي عاد فيها من عمليات خطيرة، فخيّطت ليلى جروحه دون عتاب،

  • هروب زوجة الدون السرية   الفصل السادس

    لكن قبل أن يتمكن من تعقب أثر ليلى، كان موعد "قمة السلام" للعائلات الخمس الكبرى قد حان، وهو بمثابة عشاء يحدد ميزان القوى وتقسيم الأرباح في مدينة النور للعقد القادم.وجرت العادة أن يحضر الدون برفقة زوجته أو رفيقة تليق بمقامه، ولطالما كانت ليلى من ترافق علي إلى مثل هذه المحافل.أثقل الدوار رأس علي، فتطوّعت مريم قائلة: "خذني معك يا علي، فأنا أود مساعدتك."تردد علي في البداية، فتظاهرت مريم بالظلم وحدّثته بينما اغرورقت عيناها بالدموع قائلة: "أهذا لأنني لست جيدة كفاية؟ أعلم أنني لا أُقارن بليلى…"فكر علي في سنوات الظلم التي عاشتها مريم بسبب مكيدة ليلى -كما يظن- فقال: "حسنًا، سترافقينني."أقيمت المأدبة في قصر أجداد عائلة الصاوي، حيث جلس زعماء العائلات الخمسة حول الطاولة، واستقرت وثيقة جلدية قيّمة تتضمن اتفاقية الهدنة في المنتصف.سارت المفاوضات بسلاسة بعد أن نجح علي، بفضل هيبته وخبرته الطويلة، في إقناع العائلات الأربع الأخرى بقبول التقسيم الجديد للنفوذ، ولكن بينما كانوا على وشك التوقيع، ترك سيف يد مريم فجأة، وركض متسللًا تحت طاولة الاجتماعات، ليبدأ بتسلق أرجل الطاولة صعودًا وهبوطًا بيديه الضئيل

  • هروب زوجة الدون السرية   الفصل الخامس

    في صباح اليوم التالي، وبينما كان علي يستعد لإدارة عمليات العائلة اليومية، شُن هجوم سيبراني دقيق على الشبكة الداخلية.كان المهاجم يعرف هيكلية نظامهم وتفاصيله عن ظهر قلب، فاستهدف نظام الإدارة المالية المركزي مباشرةً.جلس علي في مكتبه يراقب وميض إنذارات التحذير عبر شاشته. شُلّت الشبكة بأكملها، وأصبح الوصول إلى سجلات المعاملات مستحيلًا.وفي خضم هذه الحالة الطارئة، ضغط على زر الاتصال الداخلي لا إراديًا، وقال: "ليلى! فعّلي خطة الطوارئ (ب). فنحن نتعرض لهجوم سيبراني، تولّي الأمر." ولكن لم يجبه سوى الصمت.حينها فقط، أدرك علي أن ليلى لم تأت إلى المقر اليوم، فظنّها تتدلل وتعبر عن استيائها مما حدث بالأمس.سجّل دخوله إلى النظام الرئيسي ليخفف من حدّة الهجوم بنفسه، ليكتشف أن الأنظمة المالية المركزية مُغلقة تمامًا وبتشفير متين، فأخفقت كل محاولاته في إدخال كلمة مروره، وما صدمه أكثر هو ذلك النص البارد الذي توسط الشاشة: [تم سحب الصلاحيات.. حظًا موفقًا].كانت الرسالة مُرسلة من حساب ليلى الإداري، ليدرك أنها سحبت كل صلاحيات الوصول للأنظمة المالية.استشاط غضبًا، فمهما بلغ استياء ليلى، ما كان يحق لها ا

  • هروب زوجة الدون السرية   الفصل الرابع

    على العشاء، أعدّت مريم مأدبة فاخرة من المأكولات البحرية. كانت ترتدي مئزرًا رقيقًا، بينما تعتلي وجهها ابتسامة مثالية وهي تشكرني وعلي: "اعتبرا هذه المأدبة شكرًا بسيطًا على كرم ضيافتكما."كانت الطاولة تئن تحت ثقل الكركند والسلطعون والمحار، كما توسطها قدر من حساء المأكولات البحرية تفوح منه رائحة شهية.غرفت مريم وعاءً كبيرًا خصيصًا لآسر وقالت: " يا عزيزي آسر، تعال وتذوق ما طبخته خالتك لأجلك."ألقى آسر نظرة سريعة على الحساء وهز رأسه رافضًا فورًا، بينما بدت ملامحه الصغيرة حذرة.تجمدت ابتسامة مريم، ولمحت شرارة انزعاج تطل من عينيها قبل أن تداريها بنظرة هشّة منكسرة وتقول بنبرة مرتعشة: "وقفت أعدّ هذا الطعام منذ الثانية ظهرًا.." ليزيد سيف الطين بلّة، مُعلّقًا بصوته الحاد: "هل يرفض آسر والخالة ليلى تناول طعام أمي لأنهما لا يرغبان بنا هنا؟"تجهّم وجه علي في الحال، فقد شعر أن ابنه يسيء الأدب ويُشعر مريم وسيف بأنهما غير مرغوب بهما، فصاح بحدّة: "آسر! اشرب الحساء حالًا." متابعًا بلهجة آمرة: "بصفتك وريث عائلة الصاوي، أتوقع منك شيئًا من اللباقة، فنحن لا نهين ضيوفنا."قلت ببرود قاتل: "لدى آسر حساسية

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status