登入لم أبقَ طويلًا في الزقاق.
فالبقاء يعني أسئلة… والأسئلة تعني الانتباه. أجبرت نفسي على النهوض قبل أن يكون جسدي مستعدًا. احتكّ الجدار بكتفي وأنا أتحرك، فأطلق ألمًا حادًا تلاشى سريعًا إلى وجعٍ خافتٍ مستمر. كان نبضي لا يزال مضطربًا—سريعًا أكثر من اللازم، ثم بطيئًا فجأة—كأنه لم يقرر بعد إن كان سيهدأ أم ينهار. كل نفسٍ كان أثقل من سابقه، يحمل طعمًا معدنيًا من الدم الذي لم أمسحه بالكامل. كان طنين المدينة الخافت يملأ الخلفية، أصوات السيارات والهمسات البعيدة تمتزج في دويّ منخفض ومستمر، لكنه بدا خانقًا بطريقة غريبة. لقد تراجع “دم التنين”. لكنه لا يختفي دون أن يذكّرني بمن يسيطر. وقد ترك خلفه تحذيرًا واضحًا: لست مستعدًا… ليس بعد. مسحت فمي مرة أخرى، فانتشر اللون القرمزي الخافت على كفي، قبل أن أخطو إلى الشارع. كانت الحياة مستمرة وكأن شيئًا لم يحدث. مرّت السيارات وأصوات احتكاك إطاراتها بالإسفلت المبتل تهمس في الليل. أضواء النيون تومض فوق واجهات مهجورة، تنعكس على برك المياه التي خلّفها مطر المساء. في مكانٍ بعيد، دوّى ضحكٌ خافت، غافلًا عن لحظة الموت التي نجوتُ منها للتو. امتزجت رائحة الخرسانة الرطبة بعوادم السيارات، تتسلل إلى أنفي مع كل نفس. كانت المدينة تبتلع كل شيء وتمضي دون تردد. اختفت ريفن آشكروفت. لكن كلماتها بقيت، حادة كشظايا الزجاج. هذه المدينة لا تحمي الشواذ… إنها تطاردهم. أبقيت رأسي منخفضًا طوال الطريق إلى المنزل، وصدى حضورها يمرّ فوق جلدي كصقيعٍ خفيف. بدت الشوارع أكثر هدوءًا من المعتاد، أو ربما كان ذلك عقلي، يعيد كل لحظة في الزقاق، كل نظرة، كل نبضة من دمي. كانت مصابيح الشارع تلقي دوائر من الضوء الأصفر الباهت، بالكاد تلامس أطراف الأزقة المظلمة. حتى الرسومات على الجدران بدت وكأنها تميل نحوي في الظلام، تسخر، تحذّر، وتذكّرني بمدى صغري وانكشافي. داخل المنزل، كان كل شيء طبيعيًا… أكثر مما ينبغي. صامتًا… أكثر مما ينبغي. صرير الأرضية تحت خطواتي. رائحة الشاي الخفيفة في المطبخ. أشياء تنتمي لحياةٍ لم تمسّها الإعدامات أو القوانين الخفية… حياة كنت أتمنى لو ما زالت لي. بدت الجدران مشرقة أكثر من اللازم بعد رمادية الشوارع الباردة. رائحة زهور جدتي عند النافذة أعادتني إلى أيام أبسط—أيام بريئة باتت الآن بعيدة بشكلٍ مستحيل. أغلقت الباب خلفي واتجهت مباشرة إلى المرآة. كان انعكاسي شاحبًا، أقرب إلى شبح. لا تزال خطوط حمراء رفيعة تمتد تحت جلدي، باهتة لكنها واضحة. دليل. أدرت معصمي ببطء، أراقبها تتلاشى وكأنها تحاول الهروب من الذاكرة. في الضوء الخافت، كانت عروقي تلمع قليلًا، تذكّرني بأن القوة لا تزال داخلي… قلقة، غير مستقرة. غير مدرّب… متهوّر. كانت محقّة. لم يأتِ النوم. كلما أغمضت عيني، رأيت السلاح—ليس موجّهًا إلى الرجل، بل إليّ. صدى صوتها. القسوة الهادئة. حتمية النهاية. ظلّ عقلي يعود إلى تلك اللحظة المتجمّدة في الزقاق مرارًا، كأنها تسجيل يرفض التوقف. كانت ظلال الأثاث تمتد على الجدران كأصابع طويلة، تلتوي إلى أشكال تهمس بالخوف في الغرفة الصامتة. جاء الصباح بحدة. لم يتسلل ضوء الشمس بالكاد عبر الستائر حتى نادتني جدتي: “ماتسويا، أنت متأخر مجددًا.” “أنا مستيقظ،” تمتمت، وصوتي أجش. على مائدة الإفطار، طال تأملها لي أكثر من المعتاد. “تبدو متعبًا،” قالت. “أنا بخير،” أجبت، رغم أن الكلمات كانت مُرّة. لم تجادل، لكنني علمت أنها لم تصدقني. بدت رائحة الخبز الطازج والشاي غريبة هذا الصباح، تتصادم مع طعم الحديد الذي لا يزال في فمي. في الخارج، شعرت أن المدينة مختلفة. كان الهواء أكثر حدّة، أكثر برودة، كأن العالم نفسه لاحظ ما حدث الليلة الماضية. كانت طائرات الشرطة المسيّرة تحلّق على ارتفاعٍ منخفض، تمسح الشوارع بدقة ميكانيكية. ملصقات تحذيرية جديدة غطّت الجدران والشاشات: يجب الإبلاغ عن الشواذ غير المسجلين. التعاون يضمن السلامة. اهتزّ هاتفي في جيبي، قاطعًا الصمت الثقيل. رقم مجهول. "لقد تدخلت الليلة الماضية." توقفت عن المشي، وارتفع نبضي فجأة. "وهذا جعلك مرئيًا." شدّت أصابعي على الهاتف. “من أنت؟” سألت، وحلقي جاف. جاء الرد فورًا: "شخص مكلّف بتصحيح النهايات المفتوحة." ريفن آشكروفت صنعت واحدة… ووضعتني تحت المراقبة. اجتاحني برد مفاجئ. ابتلعت ريقي بصعوبة. “ماذا تريد؟” توقف قصير. متعمّد. "لأرى إن كنت تستحق البقاء حيًا." ظهر موقع على الشاشة: القطاع الصناعي. منطقة محظورة. الليلة. "إن هربت… سنعرف." انطفأت الشاشة. ساد الصمت من جديد. وقفت هناك، محاطًا بأناس لا يدركون مدى هشاشة أمانهم. كل ضحكة، كل خطوة، كل سيارة تمر… بدت وكأنها عدّ تنازلي. حتى الحمام فوق الأسلاك هدَل بهدوء، غافلًا عن التهديد غير المرئي الذي يخيّم في الأسفل. قالت ريفن إن الأسماء تصنع التعلّق… ومع ذلك، أعطتني اسمها. اختيار مقصود. تحذير مغلّف باسم. هذا يعني أنها تعرف تمامًا العالم الذي أخطو نحوه. أعدت الهاتف إلى جيبي. حرارة مألوفة تحرّكت بخفوت في عروقي—همسة “دم التنين” تذكّرني بأنه ما زال حيًا… وما زال جائعًا. عبثت الرياح بشعري، ولامست وجهي ببرودة شدّت أعصابي. مهما كان ما ينتظرني الليلة… لم يكن خيارًا. بل اختبارًا. والفشل… يعني الاختفاء.في هذه الأثناء، بعد أن نفضتُ أنا وتيفا الغبار عن ملابسنا أثر القتال، قطعت تيفا الصمت قائلةً بنبرةٍ متذمرة:«الأشخاص الذين نصادفهم مرهقون للغاية، وغباؤهم لا يُحتمل. إنهم لا يدركون حتى مع من يتعاملون. هذا الغباء يثير أعصابي حقًا.»قالت ذلك وكأنها تكاد تخنق أولئك الرجال.تنهدتُ بخفة وقلت بهدوء:«لا داعي لأن تنفعلي بسبب مجموعة من الرجال. انسِ الأمر ولنعد إلى ليو—»لكنها قاطعتني فورًا بنبرتها المرحة المعتادة، بينما تحركت أذناها قليلًا:«أنت ممل جدًا! أنت لا تقل صرامةً ومللًا عن ليورا!»ثم تابعت وهي تعبس:«ما رأيك… همم… أن نذهب لمقابلة شقيقة الكونت؟ تبدو امرأةً طيبة وقد ساعدتنا، على عكس أخيها الكبير، الغارق في القوانين وما إلى ذلك.»نظرتُ إليها دون أن أشعر بأي انزعاج، ثم تنهدت وقلت:«لن أذهب هكذا لأتحدث معها دون سبب. إن أردتِ الذهاب، فاذهبي وحدك. لدينا أمور أكثر أهمية—»نظرت إليّ وكأنني ارتكبت أمرًا فظيعًا.«ماذا؟! لن أذهب وحدي! إن وقعتُ في مشكلة، فستتورط معي. وعلى أي حال، لا أحتاجك. أنت وليورا مملّان للغاية!»استدارت وهي عابسة.تنهدت وبدأت أسير مبتعدًا لأتعرف أكثر على لونيث وسكانها. التفتت
للحظةٍ بعد أن تحدث الرجل ذو الوجه المليء بالندوب، ساد الطريق الضيق بين التلال سكونٌ متوتر وغير طبيعي. بدا أن الرياح التي كانت تهمس بين الأعشاب الطويلة قبل دقائق قد ترددت الآن، وكأن الهواء نفسه أدرك أن شيئًا خطيرًا قد استقر في المكان. كنت أشعر بثقل عدة أقواس مصوّبة نحونا، وصوت احتكاك الجلد والمعادن الخافت يذكّرني بأن هؤلاء الرجال فعلوا هذا من قبل. لم تكن سرقة عشوائية نفذها حمقى يائسون؛ مواقعهم كانت مدروسة، وتباعدهم مقصودًا، وطريقتهم في مراقبتنا تحمل صبر من يعتقد أنه يملك الأفضلية بالفعل.أما تيفا، فلم تبدُ منبهرة.وقفت خطوة أمامي على الطريق، بوضعيةٍ مريحة قد توحي لأي شخص لا يعرفها بأنها لم تلاحظ الأسلحة المحيطة بنا. إحدى يديها على خصرها، والأخرى تزيح خصلة شعرٍ عن وجهها بلا اكتراث. تحركت عيناها البنفسجيتان ببطء من لصٍ إلى آخر، تعدّهم بهدوء جعل ابتسامة الرجل ذي الندوب تتلاشى قليلًا.عقدتُ ذراعيّ بشكلٍ خفيف، وأخذت أتفحص المجموعة أيضًا—المسافات، التوازن، زوايا الأقواس، وعدم استواء الأرض قرب الصخور. كانوا سبعة، وربما ثمانية إن كان أحدهم ما يزال مختبئًا خلف المرتفع. الطريق ضيق، والتلال على ا
لبضع لحظات بعد أن رفعت تيفا يديها نحو السماء وسألت بشكلٍ درامي أيّ نوعٍ من الأقدار لعننا برفقة أشخاص مثل ماغنوس وفيسبيرا، ساد صمتٌ غريب في فناء قلعة لونيث. لم يكن صمتًا فارغًا حقًا، بل كان ممتلئًا بردود أفعالٍ غير منطوقة تنتظر أن تنفلت. مرّ النسيم بخفة فوق الأرضية الحجرية، حاملًا معه رائحة خفيفة من الغبار والحديد العتيق من رفوف التدريب القريبة، بينما تمايلت الرايات الطويلة المعلّقة على جدران القلعة ببطء فوق رؤوسنا.حاولت—صدقًا حاولت—ألا أضحك.لكن تعبير تيفا جعل ذلك شبه مستحيل.وقفت هناك، وعيناها البنفسجيتان ضيقتان وهي تحدّق في السماء وكأنها تتوقع من الكون نفسه أن يعتذر عمّا نحن فيه. كانت يداها على خصرها بثبات، وكتفاها منحدرتين قليلًا في إحباطٍ مبالغ فيه، وجعلها هذا الموقف كله تبدو كشخصٍ اكتشف للتو أن الكون قرر شخصيًا إزعاجه.أدرت رأسي قليلًا بعيدًا عنها، وغطّيت جزءًا من فمي بيدي وأنا أحاول كتم ضحكتي.«تعلمين،» قلت أخيرًا، محاولًا الحفاظ على هدوء صوتي، «لو دخل أحدهم الآن دون سياق، لظن أنك تعرضتِ لخيانةٍ شخصية من القدر نفسه.»أنزلت تيفا ذراعيها ببطء والتفتت نحوي، ونظرت إليّ بنظرةٍ تجمع
ساد صمتٌ قصير في هواء الليل بعد أن رفعت تيفا يديها نحو السماء وتمتمت بشكل درامي:«أيّ نوعٍ من الأقدار هذا؟»كانت المشاعل على جدران القلعة تومض مع النسيم الخفيف، وبدا الفناء هادئًا بشكل غريب رغم كل ما حدث خلال الساعات القليلة الماضية. فركتُ مؤخرة عنقي، محاولًا ألا أضحك على بؤس تيفا، وفي الوقت نفسه أتساءل كيف انتقلنا بطريقةٍ ما من كوننا سجناء في الزنزانة إلى الوقوف خارج القلعة مع شقيقة الكونت نفسها، نتحدث عن أطلال قديمة وتنانين.أما تيفا، فلم يكن لديها أي نية للهدوء. أنزلت يديها ببطء من السماء، وضاقت عيناها البنفسجيتان قليلًا وهي تحدّق في فيسبيرا بشكٍ مبالغ فيه.«لا، بجدية،» تابعت وهي تشير بين القلعة خلفنا والمرأة الواقفة أمامنا بهدوء، «أريد فقط أن أفهم منطق هذا الكون. أحد الأشقاء يدير المملكة وكأنه كتاب قوانين منحوت في الحجر، والآخر يتسلل إلى الزنازين ليلًا لإنقاذ مجرمين حتى يتمكن من إجراء مقابلات معهم حول أطلال سحرية. بدأت أظن أن القدر يحمل لنا ضغينة شخصية.»لم تبدُ فيسبيرا منزعجة. بل إن لمحة خفيفة من التسلية لمعت على وجهها. بدّلت وقفتها قليلًا وضمّت ذراعيها، وكأنها تفكّر في شكوى تيفا
كانت الزنزانة الواقعة أسفل القصر أكثر هدوءًا مما توقعت.لم يكن هدوءًا باعثًا على الراحة—أبدًا—بل كان هدوءًا ثقيلًا خانقًا، من ذلك النوع الذي لا يوجد إلا في الأماكن تحت الأرض. كانت الجدران الحجرية تحتفظ بالبرودة كأنها ذكرى عنيدة ترفض الرحيل، وكان الهواء يحمل رائحة خفيفة من الحديد الرطب والغبار العتيق. كل صوت كان يتردد بصورة مبالغ فيها، حتى إن أبسط حركة بدت أعلى مما ينبغي.أسندت ظهري إلى الجدار الخشن وأطلقت زفيرًا بطيئًا، محاولًا تجاهل البرودة التي تتسلل عبر ملابسي.على الجانب الآخر من الزنزانة، كانت تيفا تفشل تمامًا في فعل الشيء نفسه.كانت تتحرك بلا توقف منذ نصف ساعة، تدور في دوائر غير منتظمة كحيوان محبوس لا ينوي أبدًا تقبّل قفصه. ومع كل بضع خطوات، كانت تقفز بخفة، وطاقة مضطربة تشع منها، بينما انعكس ضوء المشاعل الخافت على عينيها البنفسجيتين اللتين بدتا أكثر انزعاجًا من المعتاد.تمتمت قائلة:"أقسم، إن أبقونا هنا مدة أطول، فسأفقد صوابي."جلست ليورا بهدوء على المقعد الضيق قرب الجدار، مستقيمة كما هي دائمًا، وكأن وجودها في السجن أسفل القصر ليس سوى أمر مزعج بسيط في يومها. لم ترفع نظرها حين تح
أُغلِقت الأبواب الثقيلة لقاعة الحكم خلفنا، تاركةً صدىً خافتًا ظلّ يتردد في صدري. كان هواء الليل البارد يلتصق بجلدنا بينما كنا نسير عبر الممر الطويل، والحراس يحيطون بنا في صمتٍ دقيق، ودروعهم تُصدر طنينًا خفيفًا مع كل خطوة محسوبة. شعرتُ بتيفا تتحرك بجانبي، وذيلها يلامس ذراعي، بطاقةٍ مضطربة تكاد تنفجر. قالت تيفا: "لا أصدق أنه قال ذلك فعلًا. كان يتحدث وكأنه يُحاضر المملكة كلها." قلتُ: "لم يكن مجرد محاضرة… كان يقصد كل كلمة. كل حرف كان أثقل من الحديد." بقيت ليورا صامتة، عيناها للأمام، ويداها متشابكتان بهدوء. كان الحجر البارد تحت أقدامنا يبدو بلا نهاية، كأن الممر يريد ابتلاعنا. ظلال المشاعل كانت ترقص على الجدران، تجعل التماثيل تبدو وكأنها حية. قلتُ: "هل تظنين أنه سيتغير يومًا؟ أو يكسر القواعد قليلًا؟" سخرت تيفا: "مستحيل. هذا ماغنوس فاليمونت. القانون يجري في دمه. لن يسمح بكسره لأحد… حتى لعائلته." وصلنا إلى الساحة المركزية، حيث امتدّت السماء فوقنا. كانت النجوم تلمع ببرودٍ بعيد، كأنها تراقب كل خطوة. انعكس ضوء القمر على الصقيع فوق الحجارة، ناشرًا وهجًا باهتًا. شعرت بثقل حضور الكاونت، رغم غي