INICIAR SESIÓNعادت أشباح الشك لتعصف برأس باهر من جديد،
كأن كل محاولة لإصلاح ما انكسر بينه وبين مادلين تزيد الفجوة اتساعاً. مرت عدة أيام ثقيلة في جفاء تام ؛ لم ينطق خلالها بكلمة واحدة معها، رغم كل محاولاتها التودد إليه وترميم كرامته المجروحة. وفجأة، وأثناء جلوسه في مكتبه بالشركة، أضاءت شاشة هاتفه برقم غريب. ألقى نظرة ارتياب، ثم فتح الخط متسائلاً بنبرة حادة: «مرحباً.. من المتصل؟» جاءه صوت أنثوي ناعم يتسرب منه العبث، يليه ضحكة خبيثة مألوفة: «ألم تتعرف على صوتي؟ أم أنه يختلط عليك مع صوت مادلين؟» انقبضت حدقتاه وعرفها فوراً، فقال بجفاف وقسوة: «ليان! ماذا تريدين الآن؟» ردت بدلال مصطنع وهي تتلاعب بنبراتها: «ما هذه اللهجة القاسية التي تحدثني بها؟ ألم تعد تفكر بي إطلاقاً؟» زفر باهر بضيق وقال محذراً: «ليان.. أرجوكِ لا تستمري في ألاعيبكِ هذه، واتركينا في حالنا!» انتقلت ليان ببراعة إلى نبرة العطف المسموم وقالت: «كنتُ أعتقد أنك تريد أن تعرف السبب الحقيقي الذي اضطر زوجتك للزواج بك.. لم أردك أن تعيش مخدوعاً باقي عمرك يا باهر!» ثم أغلقت الخط فوراً دون أن تنتظر رده، لتركه غارقاً في بحر من الظنون والتخبط. ظلت كلماتها تطن في أذنيه كصاعقة؛ هل هناك بالفعل سر خفي تجهله عن مادلين؟ أم أن ليان تكذب لتهدم بيته؟ مسك هاتفه ينظر إلى الشاشة المظلمة بتردد قاتل.. هل يتصل بها أم يتجاهل سحرها الأسود؟ أخيراً، وأثناء خروجه من العمل، حسم أمره وقرر أن يستمع إليها، مشجعاً نفسه بأنه رجل ناضج وإذا كانت تكذب فسيظهر ذلك على ملامحها لا محالة. اتصل بها فوراً، فجاءه صوتها مبتسماً: «لماذا تأخرت؟ أنا بانتظارك منذ فترة طويلة!» كانت ليان في تلك اللحظة تضيء الشموع في شقتها الهادئة ، وترتدي ثوباً شفافاً يبرز فتنتها، مع شعرها المنسدل على ظهرها بغواية، تستعد لاصطياده. قال باهر بصرامة يحاول بها التماسك: «حسناً.. أنا أسمعكِ الآن!» ردت بتمهل وهي تتفحص أظافرها: «لا يمكن هذا عبر الهاتف.. سأنتظرك في العنوان الذي أرسلته لك!» رد باهر بقسوة وهو يمسك عجلة قيادة سيارته: «ليان! إما أن تقولي ما لديكِ الآن، وإما أنني لن آتي إليكِ إطلاقاً!» صمتت ليان لثوانٍ لتزيد من جرعة السم، ثم أردفت بنبرة خافضة ومشحونة بالخبث: «إذا قلتُ لك إنها كانت على علاقة بغيرك فلن تصدقني.. ولكن، ماذا لو رأيتها بنفسك بعينيك بين أحضانه؟ ستصدق حينها، أليس كذلك؟» ألقى باهر هاتفه على المقعد الملازم له بعنف، وجذب ربطة عنقه ليحرر عنقه علّه يستنشق ذرّات الهواء، بعدما شعر أن نبضات قلبه كادت تفتك بصدره وتتوقف تماماً. واسودت الدنيا فى عينيه وهو يسمع كلمات ليان تتردد في اذنه مرارا وتكرارا قاد سيارته متجهاً نحو العنوان والشك يلتهم عقله كالنار في الهشيم؛ يتخبط بين تصديق الشك وتكذيبه : «مادلين؟! لا يمكن أن تفعل ذلك أبداً. . إن كانت على علاقة بغيري، فلماذا وافقت على الزواج بي من الأساس؟!» وصل إلى العنوان بسرعة البرق، يجر خطاه الثقيلة نحو الشقة . وما إن طرق الباب حتى فتحت له ليان وهي ترتسم على وجهها ابتسامة نصر خبيثة ، ودنت منه لتقبّله على جبينه بعفوية مسمومة. دفَعها باهر عنه بقسوة فوراً، وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب. اقترب منها وهو يلهث ونفسه مقطوع، وضربات قلبه تتسارع كأنها طبول حرب، ثم سألها بصوت مبحوح ومكتوم بالتهديد: «أين دليلكِ يا ليان؟!»جمعت مادلين أمتعتها وسحبت حقائبها بخطوات حثيثة ومحسوبة، مغادرةً منزل والديها قبل أن تمنح ليان أي فرصة أخرى للغدر أو المواجهة الجانبية. فور وصولها إلى الفندق الرفيع، دخلت جناحها الهادئ، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بجبال الخوف والإرهاق تتهاوى عن كاهلها. ألقى التعب بثقله الكامل على جسدها المنهك، فارتمت براحة تامّة على السرير الفسيح، وغطّت في نوم عميق وثقيل بملابس سفرها دون أن تجد القوة حتى لتغييرها. مع إشراقة الصباح التالي، انساب ضياء الشمس الدافئ عبر الستائر الحريرية ليوقظها على شعور عارم بالتجدد والثبات . قامت سريعاً، وجهزت نفسها بطلة راقية تعكس وقار دكتورة المستقبل، ثم خرجت لاستكمال الإجراءات الرسمية والأوراق الحيوية التي جاءت من أجلها خصيصاً؛ إذ كان الدكتور شريف قد نسّق لها مسبقاً مع ضابط شرطة رفيع المستوى من أصدقائه المقربين لينهي لها الوثائق النهائية والتصديقات التي تحتاج إليها دون تعقيدات. أنهت مادلين معاملاتها الرسمية داخل مركز الشرطة ببراعة وسلاسة، وخرجت تنزل الدرجات الرخامية الخارجية، والشمس تلامس وجهها بابتسامة ارتياح ونصر مكتوم. وفي
وقفت ليان في الممر الخارجي خلف الباب المغلق ، تشعر بذل وهوان لم تتذوقهما طوال حياتها . كانت وجنتها الملتهبة تثور بالحرارة من أثر الصفعة ، وجسدها يرتجف بانهيار وغضب شيطاني عارم. مسحت وجهها بظهر يدها المرتجفة ، وثبتت نظراتها المشتعلة بالشر على مقابض الباب ، وقالت بصوت خفيض كحسيس الأفاعي يملؤه الوعيد القاتل: «حسناً يا مادلين... أقسم لكِ أنني سأجعلكِ تركعين أمامي وتتوسلين أقدامي كي أرحمكِ! هل تعتقدين حقاً أنكِ قادرة على سرقة اسمي وهويتي وحياتي وأنا سأقف متفرجة وأترككِ تتهني بها؟! سأريكِ من تكون (ليان) الحقيقية وكيف تُسحق الأوهام!». استدارت ليان وغادرت المنزل بخطوات حاقدة وسريعة ، والشرر يتطاير من عينيها ، وذهنها يتوقد لتدبير انتقام مدمر يمسح أختها من الوجود. في هذه الأثناء، وداخل الغرفة المظلمة، كانت مادلين ما زالت تجلس خلف الباب، تحاول لملمة شتات نفسها واستعادة أنفاسها المضطربة. مسحت عرق وجنتيها المحمرتين، ثم رفعت هاتفها المرتجف فوراً لتعيد الاتصال بالدكتور شريف. لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى جاءها صوته المليء بالقلق والترقب عبر الخط: «مادلين!.. ماذا حدث ل
ما إن أغلقت الأم الباب وانسحبت بخطوات هادئة نحو الصالة، حتى تحولت ملامح الخضوع الزائف على وجه ليان فوراً إلى قناع من الشراسة والشر المطلق. تلاشت مسكنتها المصنوعة، واندفعت كالأفعى الجريحة نحو مادلين، وقبضت على ذراعها بقوة وغشامة ، وأظافرها تنغرس في بشرتها بغلٍّ مكتوم. ثبتت ليان عينيها المشتعلتين بالشر في عيني أختها، وهتفت بصوت خفيض كالحديث الشيطاني ، ونبرتها تقطر بالتهديد : «كيف تجرأتِ عليّ إلى هذه الدرجة أيتها الغبية؟! كيف ترفعين يدكِ الصعلوكة لِتصفعيني، ثم تدعين أمام أمي أنكِ أنتِ (ليان)؟! هل نسيَ عقلكِ الصغير من أكون وكيف أستطيع مسحكِ من الوجود في لحظة واحدة؟!». رغم الألم الذي اعتصر ذراعها ، لم ترف لمادلين عين، ولم ينقبض قلبها كما كان يحدث في الماضي. كانت برودة ثلجية عجيبة تسري في عروقها ، مدعومة بوعيها الكامل بأن القانون والسجلات الأكاديمية والشهادات الحية تسند ظهرها الآن باسم (ليان). عقدت مادلين حاجبياها ببرود واستعلاء ، وأزاحت يد ليان عن ذراعها بحركة حاسمة وقوية جعلت ليان تتراجع خطوة إلى الخلف من شدة الذهول. نظرت مادلين إليها ب
حطّت الطائرة في المطار، ولامست عجلاتها أرض الوطن بعد عام كامل من الغياب والتغيرات الجذرية. هبطت مادلين درجات السلم بخطوات متأنية وواثقة، يتطاير شعرها مع هبات النسيم الدافئ. وقفت للحظات تنظر حولها بنظرات تفحصية حادة، ترتدي نظارتها الشمسية الداكنة وتلتف برداء راقٍ يفيض بالأناقة. خفق قلبها بشدة تحت صدريتها، لكنها اعتصرت ذعرها الداخلي، واستجمعت كل ذرة ثبات لتتقن دور أختها "ليان" ؛ متذكرة نصيحة الدكتور شريف بالتكبر والاستعلاء المعتاد. في صالة الوصول، كان والدها ووالدتها يقفان بلهفة وشوق ينتظران ابنتهما المدللة. اقتربت مادلين بخطوات متمهلة ورأس مرفوع ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غرور مصنوعة ببراعة . ألقت بنفسها في أحضان والديها بفتور مدروس ، وتبادلت معهما القبلات السريعة ، مظهرة الثقة المطلقة التي طالما تميزت بها ليان. جلست معهما في الصالة لبعض الوقت قبل التوجه إلى غرفتها ، وأخذت تحكي لهما بنبرة متعالية عن إنجازاتها العظيمة وانتصاراتها الباهرة في لندن، وكيف أضحت القمة درباً سهلاً تسير فيه، مطبقة بكل دقة ذات الأسلوب الاستعلائي الذي كانت لي
مر عام كامل تلاشت فيه آخر معالم الكبرياء لدى ليان ، وانزلقت فيه خطوة تلو الأخرى نحو قاع عالم سري مظلم ، شُيدت أركانه من النفوذ والصفقات المشبوهة. لم تعد الشقة الفارهة مجرد ملجأ فاخر ، بل استحالت مسرحاً مغلقاً لليالي طويلة لا تنتهي، غاب فيها ضوء النهار وحلت محله أضواء خافتة ورايات البذخ الزائف. اعتادت ليان على هذا الواقع الجديد تدريجياً حتى صار جزءاً من كيانها ؛ أصبحت التابع الدائم لأمجد في كل محفل مغلق ودعوة خاصة تجمع كبار رجال الأعمال والشخصيات النافذة. كانت الصفقات الكبرى تُبرم على أطراف موائد القمار وفي أروقة الأجنحة الملكية، وكانت هي الورقة الرابحة التي يلوح بها أمجد لإذابة جمود المفاوضات وتسريع التوقيعات. في تلك الليالي، كانت المشاعر تتأرجح في أرجائها بكثافة قاسية؛ تتذوق أحياناً نشوة السطوة حين ترى أكثر الرجال نفوذاً ينساقون خلف دلالها المعسول ورقتها المصنوعة، ويسارعون لتلبية رغباتها لمجرد ابتسامة مشجعة او ليله ساخنه . لكن هذه النشوة الكاذبة سرعان ما كانت تتبدد ليلة بعد أخرى ، ليحل محلها ألم مكتوم وانكسار داخلي ينهك روحها. تنوعت تلك السهرات وطقوسه
على الضفة الأخرى في لندن، كان النقاء والسكون يخيمان على حياة مادلين الجديدة. جليسة هي أمام مكتبها الخشبي الأنيق في حجرتها الجامعية الهادئة، تغمرها أضواء المصباح الدافئة ، وأمامها المراجع الطبية الضخمة والملاحظات الدقيقة التي طالما حلمت بالغوص في تفاصيلها. تنفسّت مادلين الصعداء بعدما وردها الخبر من ليان بتحررها النهائي والكامل من قيد باهر؛ سقط عن كاهلها جبلٌ ثقيل من الهموم والذعر الذي كان يطاردها كلما تذكرت احتمال عودتها لذلك السجن المسمى بالزواج. شعرت لأول مرة في حياتها بآدميتها، وبأن الهواء الذي تستنشقه بات خالصاً نقيّاً لا تشوبه خيانة أو استغلال . ابتسمت مادلين بصفاء وهي تقلب صفحات كتاب التشريح، وسرت في عروقها نشوة عارمة وشغف لا حدّ له . لم تعد تدرس خوفاً أو قلقاً ، بل غدت تلتهم المعلومات بنهم وتفوق ، مدركة أن كل سهر، وكل قطرة عرق، وكل درجات تميزها ستسجل اليوم وفي المستقبل باسمها الحقيقي والشرعي المعتمد رسمياً في النظام: "ليان". كانت تدرك بذكاء وارتياح أن أختها ليان في لويزيانا تسعى وراء الملذات والأموال الزائفة، بينما تصنع هي بيدي







