LOGINصعد باهر في وقت متأخر من الليل،
يجر خطاه الثقيلة على الدرجات الهادئة وكأن كل خطوة تزن جبالاً من التردد والتخبط. فتح باب الشقة ببطء، والقى بالمفاتيح على الطاولة الرخامية بجانب الباب بصوت معدني جاف أحدث رنيناً قاطعاً في سكون الصمت المتخشب. في الداخل، لم تكن عيون مادلين قد كفت عن البكاء طوال الساعات الماضية؛ كانت تجلس على الأريكة تطوق ساقيها، تبكي المستقبل الذي سُرِق منها والحاضر الذي يتهدم فوق رأسها. ما إن سمعت حركة المفاتيح حتى جففت دموعها بعجل ، واستجمعت ما تبقى من شتات قدرتها على الصمود، واستقبلت زوجها بابتسامة مصطنعة وواهية، دون أن تدرك أن عينيها الحمراوين والمنتفختين من كثرة البكاء كانت تصرخ بالوجع. اقتربت منه بخطوات مترددة وقالت بصوت متهدج تحاول تغليفه بالحنية: «باهر.. حبيبي، لقد تأخرت كثيراً بالأسفل!». توقف باهر في مكانه، ونظر إليها بنظرة جافة لم تخلُ من القسوة والتهكم، وقال بصوت خفيض وبارد: «وهل يفرق معكِ وجودي أساساً؟ أم أن حياتكِ تسير بروتينها اليومي المعتاد؟ لقد مرت ساعة نومكِ بوقت طويل.. لماذا ما زلتِ مستيقظة إلى الآن؟». اقتربت منه مادلين وسندت رأسها على كتفه في محاولة مستميتة لاستعادة دفءٍ يهرب منهما، وقالت بهمس خافت: «لا أستطيع النوم وزوجي بالخارج..». ابتسم باهر بسخرية مريرة أحرقت قلبها، وابتعد عنها خطوة إلى الخلف متسائلاً: «هل تخدعينني أم تخدعين نفسكِ يا مادلين؟». اتسعت عينا مادلين بذعر مكتوم وقالت: «باهر.. لماذا تقول هذا الكلام القاسي؟ زواجنا يمر بهدوء واستقرار طيلة سنة كاملة!». رد وهو يلوح بيده كمن يكتشف خدعة كبرى: «نعم.. هدوء! لأنني كنت أظن أن بعدكِ عني وعدم رغبتكِ الصريحة كان مجرد خجل طبيعي سيمضي مع الأيام والوقت!». اقترب منها خطوة أخرى حتى أصبحت انفاسه المتلاحقة تلامس وجهها، ثم همس بنبرة حادة كالمشرط: «مادلين.. أنا ألمسكِ في مواعيد محددة ووفقاً لشروطكِ الخاصة فقط! أنتِ حتى لا تنظرين في عينيّ ونحن في أكثر لحظاتنا خصوصية.. تتعمدين تعتيم الشقة بأكملها وتحويلها إلى ظلام دامس! لماذا؟ طالما تساءلت بيني وبين نفسي لمَ تفعلين ذلك.. والآن فقط فهمت كل شيء! فهمت أنكِ مجبرة عليّ. لماذا أجبركِ والدكِ عليّ إلى هذه الدرجة؟». تراجعت مادلين إلى الخلف وارتبكت أحبالها الصوتية: «باهر.. لم يجبرني أحد على شيء، ولكن كما قلتُ لك مراراً.. أنا مجرد إنسانة تخجل من هذه الأمور». رد بجفاف واحتداد وهو يتابع تقدمه نحوها: «تخجلين؟! هل تنامين مع رجل غريب؟ أنا زوجكِ الشريعي! لابد أن تفهمي جيداً أنه من حقي الطبيعي أن ألمسكِ في أي وقت أريد!». تحركت مادلين عدة خطوات للخلف ينبض في صدرها خوف حقيقي من نظرات باهر الجريئة والشر الغاضب الذي يخرج من عينيه وهو يواصل الاقتراب منها كوحش جريح . أصلح قبضة يده على ذراعها بقوة لتتوقف مكانها، ونظر في عينيها بنفاذ صبر يتطاير منه الشرر: «مادلين.. هل يعقل أنني، بعد عام كامل من الزواج ، لم أركِ عارية كلياً ولا مرة واحدة؟!». اتسعت حدقتا مادلين بذهول وشعور بالفزع: «باهر! ماذا تقول؟! هل شربت شيئاً وأنت بالأسفل؟ ما هذه الجرأة المفاجئة الغريبة؟». صرخ بنبرة مشتعلة بالشك والكرامة المجروحة: «جرأة؟! أليست هذه حقوقي؟ حسناً!». وبحركة خاطفة ومفاجئة، مد باهر يديه ومزق قميصها كلياً ليتناثر قماشه على الأرض، كاشفاً عن جسدها المرتجف تحت الإضاءة الخافته. شهقت مادلين صدمة وألماً، وحاولت سريعاً أن تداري جسدها بيديها الارتجافيتين، وأغمضت عينيها بشدة وهي تخفي وجهها ، وانفجرت نادبة بصوت يحترق: «باهر.. ماذا تفعل؟! حرام عليك!». تجمّد باهر في مكانه فور رؤية دموعها الساخنة تنهمر بغزارة على خدها وتوسلاتها الخائفة. طأطأ رأسه وشعر بلحظة انكسار وشؤم توقظه من ثورته، فتركها فوراً ودون كلمة واحدة، وخرج مسرعاً من الغرفة تاركاً إياها ممزقة الثياب والروح في عتمة الصمت.جمعت مادلين أمتعتها وسحبت حقائبها بخطوات حثيثة ومحسوبة، مغادرةً منزل والديها قبل أن تمنح ليان أي فرصة أخرى للغدر أو المواجهة الجانبية. فور وصولها إلى الفندق الرفيع، دخلت جناحها الهادئ، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بجبال الخوف والإرهاق تتهاوى عن كاهلها. ألقى التعب بثقله الكامل على جسدها المنهك، فارتمت براحة تامّة على السرير الفسيح، وغطّت في نوم عميق وثقيل بملابس سفرها دون أن تجد القوة حتى لتغييرها. مع إشراقة الصباح التالي، انساب ضياء الشمس الدافئ عبر الستائر الحريرية ليوقظها على شعور عارم بالتجدد والثبات . قامت سريعاً، وجهزت نفسها بطلة راقية تعكس وقار دكتورة المستقبل، ثم خرجت لاستكمال الإجراءات الرسمية والأوراق الحيوية التي جاءت من أجلها خصيصاً؛ إذ كان الدكتور شريف قد نسّق لها مسبقاً مع ضابط شرطة رفيع المستوى من أصدقائه المقربين لينهي لها الوثائق النهائية والتصديقات التي تحتاج إليها دون تعقيدات. أنهت مادلين معاملاتها الرسمية داخل مركز الشرطة ببراعة وسلاسة، وخرجت تنزل الدرجات الرخامية الخارجية، والشمس تلامس وجهها بابتسامة ارتياح ونصر مكتوم. وفي
وقفت ليان في الممر الخارجي خلف الباب المغلق ، تشعر بذل وهوان لم تتذوقهما طوال حياتها . كانت وجنتها الملتهبة تثور بالحرارة من أثر الصفعة ، وجسدها يرتجف بانهيار وغضب شيطاني عارم. مسحت وجهها بظهر يدها المرتجفة ، وثبتت نظراتها المشتعلة بالشر على مقابض الباب ، وقالت بصوت خفيض كحسيس الأفاعي يملؤه الوعيد القاتل: «حسناً يا مادلين... أقسم لكِ أنني سأجعلكِ تركعين أمامي وتتوسلين أقدامي كي أرحمكِ! هل تعتقدين حقاً أنكِ قادرة على سرقة اسمي وهويتي وحياتي وأنا سأقف متفرجة وأترككِ تتهني بها؟! سأريكِ من تكون (ليان) الحقيقية وكيف تُسحق الأوهام!». استدارت ليان وغادرت المنزل بخطوات حاقدة وسريعة ، والشرر يتطاير من عينيها ، وذهنها يتوقد لتدبير انتقام مدمر يمسح أختها من الوجود. في هذه الأثناء، وداخل الغرفة المظلمة، كانت مادلين ما زالت تجلس خلف الباب، تحاول لملمة شتات نفسها واستعادة أنفاسها المضطربة. مسحت عرق وجنتيها المحمرتين، ثم رفعت هاتفها المرتجف فوراً لتعيد الاتصال بالدكتور شريف. لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى جاءها صوته المليء بالقلق والترقب عبر الخط: «مادلين!.. ماذا حدث ل
ما إن أغلقت الأم الباب وانسحبت بخطوات هادئة نحو الصالة، حتى تحولت ملامح الخضوع الزائف على وجه ليان فوراً إلى قناع من الشراسة والشر المطلق. تلاشت مسكنتها المصنوعة، واندفعت كالأفعى الجريحة نحو مادلين، وقبضت على ذراعها بقوة وغشامة ، وأظافرها تنغرس في بشرتها بغلٍّ مكتوم. ثبتت ليان عينيها المشتعلتين بالشر في عيني أختها، وهتفت بصوت خفيض كالحديث الشيطاني ، ونبرتها تقطر بالتهديد : «كيف تجرأتِ عليّ إلى هذه الدرجة أيتها الغبية؟! كيف ترفعين يدكِ الصعلوكة لِتصفعيني، ثم تدعين أمام أمي أنكِ أنتِ (ليان)؟! هل نسيَ عقلكِ الصغير من أكون وكيف أستطيع مسحكِ من الوجود في لحظة واحدة؟!». رغم الألم الذي اعتصر ذراعها ، لم ترف لمادلين عين، ولم ينقبض قلبها كما كان يحدث في الماضي. كانت برودة ثلجية عجيبة تسري في عروقها ، مدعومة بوعيها الكامل بأن القانون والسجلات الأكاديمية والشهادات الحية تسند ظهرها الآن باسم (ليان). عقدت مادلين حاجبياها ببرود واستعلاء ، وأزاحت يد ليان عن ذراعها بحركة حاسمة وقوية جعلت ليان تتراجع خطوة إلى الخلف من شدة الذهول. نظرت مادلين إليها ب
حطّت الطائرة في المطار، ولامست عجلاتها أرض الوطن بعد عام كامل من الغياب والتغيرات الجذرية. هبطت مادلين درجات السلم بخطوات متأنية وواثقة، يتطاير شعرها مع هبات النسيم الدافئ. وقفت للحظات تنظر حولها بنظرات تفحصية حادة، ترتدي نظارتها الشمسية الداكنة وتلتف برداء راقٍ يفيض بالأناقة. خفق قلبها بشدة تحت صدريتها، لكنها اعتصرت ذعرها الداخلي، واستجمعت كل ذرة ثبات لتتقن دور أختها "ليان" ؛ متذكرة نصيحة الدكتور شريف بالتكبر والاستعلاء المعتاد. في صالة الوصول، كان والدها ووالدتها يقفان بلهفة وشوق ينتظران ابنتهما المدللة. اقتربت مادلين بخطوات متمهلة ورأس مرفوع ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غرور مصنوعة ببراعة . ألقت بنفسها في أحضان والديها بفتور مدروس ، وتبادلت معهما القبلات السريعة ، مظهرة الثقة المطلقة التي طالما تميزت بها ليان. جلست معهما في الصالة لبعض الوقت قبل التوجه إلى غرفتها ، وأخذت تحكي لهما بنبرة متعالية عن إنجازاتها العظيمة وانتصاراتها الباهرة في لندن، وكيف أضحت القمة درباً سهلاً تسير فيه، مطبقة بكل دقة ذات الأسلوب الاستعلائي الذي كانت لي
مر عام كامل تلاشت فيه آخر معالم الكبرياء لدى ليان ، وانزلقت فيه خطوة تلو الأخرى نحو قاع عالم سري مظلم ، شُيدت أركانه من النفوذ والصفقات المشبوهة. لم تعد الشقة الفارهة مجرد ملجأ فاخر ، بل استحالت مسرحاً مغلقاً لليالي طويلة لا تنتهي، غاب فيها ضوء النهار وحلت محله أضواء خافتة ورايات البذخ الزائف. اعتادت ليان على هذا الواقع الجديد تدريجياً حتى صار جزءاً من كيانها ؛ أصبحت التابع الدائم لأمجد في كل محفل مغلق ودعوة خاصة تجمع كبار رجال الأعمال والشخصيات النافذة. كانت الصفقات الكبرى تُبرم على أطراف موائد القمار وفي أروقة الأجنحة الملكية، وكانت هي الورقة الرابحة التي يلوح بها أمجد لإذابة جمود المفاوضات وتسريع التوقيعات. في تلك الليالي، كانت المشاعر تتأرجح في أرجائها بكثافة قاسية؛ تتذوق أحياناً نشوة السطوة حين ترى أكثر الرجال نفوذاً ينساقون خلف دلالها المعسول ورقتها المصنوعة، ويسارعون لتلبية رغباتها لمجرد ابتسامة مشجعة او ليله ساخنه . لكن هذه النشوة الكاذبة سرعان ما كانت تتبدد ليلة بعد أخرى ، ليحل محلها ألم مكتوم وانكسار داخلي ينهك روحها. تنوعت تلك السهرات وطقوسه
على الضفة الأخرى في لندن، كان النقاء والسكون يخيمان على حياة مادلين الجديدة. جليسة هي أمام مكتبها الخشبي الأنيق في حجرتها الجامعية الهادئة، تغمرها أضواء المصباح الدافئة ، وأمامها المراجع الطبية الضخمة والملاحظات الدقيقة التي طالما حلمت بالغوص في تفاصيلها. تنفسّت مادلين الصعداء بعدما وردها الخبر من ليان بتحررها النهائي والكامل من قيد باهر؛ سقط عن كاهلها جبلٌ ثقيل من الهموم والذعر الذي كان يطاردها كلما تذكرت احتمال عودتها لذلك السجن المسمى بالزواج. شعرت لأول مرة في حياتها بآدميتها، وبأن الهواء الذي تستنشقه بات خالصاً نقيّاً لا تشوبه خيانة أو استغلال . ابتسمت مادلين بصفاء وهي تقلب صفحات كتاب التشريح، وسرت في عروقها نشوة عارمة وشغف لا حدّ له . لم تعد تدرس خوفاً أو قلقاً ، بل غدت تلتهم المعلومات بنهم وتفوق ، مدركة أن كل سهر، وكل قطرة عرق، وكل درجات تميزها ستسجل اليوم وفي المستقبل باسمها الحقيقي والشرعي المعتمد رسمياً في النظام: "ليان". كانت تدرك بذكاء وارتياح أن أختها ليان في لويزيانا تسعى وراء الملذات والأموال الزائفة، بينما تصنع هي بيدي







