FAZER LOGINتراجع الزجاج المهشم تحت أقدامها محدثاً صوتاً حاداً
كسر ركود الغرفة المتوترة. وقفت ليان وسط الشقة الدفيئة ، تلتف حولها ظلال الشموع الخافتة التي ألقت بألوانها الذهبية على جدران الروعة والرفاهية. كانت ترتدي رداءً حريرياً أرجوانياً شفافاً، يتثنى حول جسدها كالموج، وينساب شعرها الأسود الغجري على كتفيها بجرأة تُغري وتسلب الألباب. نفحت عطرها القوي الممتزج برائحة الفانيليا والشموع المعطرة تملأ الهواء، تزيد من اختناق باهر الذي كان يغلي في وقفته. «يجب أن تهدأ أولاً..» قالتها ليان بنبرة هادئة ومائعة وهي تتفحص أظافرها المطلية بالأحمر القاني. اطبق باهر قبضته وهوى بها بقوة عاتية على الطاولة الخشبية أمامه، لترتج المزهريات فوقها ويخرج منه صوت كالهزيم : «كيف تطلبين مني أن أهدأ وأنتِ تتهمين زوجتي بالفجور؟!». «حسناً.. لن أتحدث وأنت بهذه العصبية!» ابتسمت ببرود ساحر، وجلست على مقعد مخملي، تاركة فستانها ينكشف عن ساقيها بأسلوب مدروس. انفجر التوتر في رأس باهر؛ اندفع نحوها في خطوتين وذراعاه تتشنجان، قبَض على ذراعيها بقوة وجذبها لتقف أمامه رغماً عنها . هزّ جسدها الرقيق بين يديه كالمجنون، وأنفاسه الحارقة تضرب وجهها: «أخبريني الآن بكافة التفاصيل.. وإلا سأرتكب جريمة هنا!». تأوهت ليان بدلال ممتزج بالوجع، ولمحت بعينيها الذكيتين انكسار ثباته : «حسناً.. أنت تؤلم ذراعي! أنا المخطئة لأنني أردتُ حمايتك وإخبارتك..». مدت يدها الناعمة بهدوء مرفق بالأنوثة، ومررت أناملها على وجنته الملتهبة، ثم همست بنبرة خافضة يقطر منها الحنان المسموم: «باهر.. هل تعلم أنك كنتَ ستكون زوجي أنا؟ لولا أن والدي أراد أن يداري على سوء فعلتها وسقوطها؟». اتسعت حدقتاه بذهول، وتراجع رأسه للخلف: «ليان!.. ماذا تهذين؟!». «نعم!» مسحت دمعة مصطنعة سقطت على خدها الناعم، وأكملت بنبرة مشحونة بالشجن: «ألم ترسل أنت قريباً لك ليخطب لك من بيتنا لسمعة والدنا الطيبة؟». رد باهر بصوت متهدج ، يحاول التماسك وسط هذا الإعصار: «بالفعل.. لقد رشحكم لي أحد أقاربي الكبار..». اقتربت منه أكثر حتى تلاقت أنفاسهما، وحركت يدها ببطء على صدره العريض، تشعر بدقات قلبه المتسارعة تحت قميصه: «بالفعل جاء واختارني أنا لك. . وأنا، في الحقيقة، كنتُ معجبة بك للغاية من اللحظة الأولى. ولكن أبي أرغمه على تزويجك أختي المكسورة.. لتغطية الفضيحة!». حاول باهر دفع يدها بذهول: «ليان.. أنتِ تخدعينني! هذا محال!». هنا، تحولت ملامح ليان إلى الجدية العاصفة ؛ أطاحت بكأس الزجاج المتبقي على الطاولة بيدها ليرتطم بالأرض ويتناثر ثم امسكت هاتف باهر الملقى بثبات ، وضغطت به في يده بعصبية وتحدٍّ صارخ: «اتصل الآن بقريبك! بالتأكيد هو يعرف ما حدث جيداً وسيحكي لك كل شيء.. ولكن إن كان كلامي صحيحاً، فكلفة اعتذارك لي ستكون باهظة جداً!». نظر باهر إلى عينيها الواثقتين اللتين لم ترمشا؛ ساد صمت رهيب في الغرفة لا يقطعه إلا صوت الشموع وهي تحترق. تهاوت شكوكه أمام ثقتها المطلقة، فتناول الهاتف بأصابع ترتجف، وحرك الخط ليتصل بقريبه، محاولاً اصطناع لهجة هادئة لا تثير أي ريبة: «يا عمي.. أنا أشكرك بالفعل على اختيارك لي، فنعم العائلة ونعم الأصل الذي اخترته». جاءه صوت الرجل العجوز عبر السماعه «الحمد لله يا ولدي، أنه كان اختياراً موفقاً وبارك الله لكما». استجمع باهر أنفاسه وقال بصوت حذر: «ولكني علمتُ مؤخراً أنك اخترتَ أخت زوجتي، ليان، في بداية الأمر؟». صمت الرجل لبرهة قبل أن يرد بنبرة مرتبكة: «يا ولدي.. لا داعي لنبش هذا الكلام القديم..». قال باهر بضحكة مصطنعة تداري جمر صدره: «حقا، كنا نمزح أنا وزوجتي قبل قليل ولم أصدقها، أكان هذا حقاً؟». تنهد القريب وقال بصراحة: «بالفعل يا ولدي.. كنتُ قد طلبتُ لك ليان لمرحها وثقافتها، ولكن عندما ذهبتُ لأخذ الرد النهائي من والدها ، اعتذر وأخبرني أن ليان أمامها طريق طويل في الجامعة ولن تتفرغ، بينما مادلين لن تكمل تعليمها وهي الأنسب للبيت..». «أشكرك يا عمي..» قالها باهر بصوت شبه معدوم ، ثم أغلق الخط. سقطت يده بالهاتف إلى جواره ، والتفت ببطء وذهول شديد نحو ليان. كانت تقف أمامه بثبات، ترتسم على شفتيها ابتسامة الحزن الأخيرة، وعيناها اللامعتان تصدقان كل حرف صدم به قلبه. امتص الهواء البارد في الشرفة المغلقة، وراودته الفكرة القاتلة التي أظلمت دنياه: «هل كانت هى من ستصبح زوجتي بالفعل؟!».فتح لها الحارس الباب ، وعندما جلست في المقعد الأمامي بجوار أمجد ، تعمدت أن يرتفع فستانها قليلاً ليظهر جزء من فخذها الأملس. كسر أمجد صمت الطريق وهو يتأمل جمالها المباغت: «غريب.. لم أركِ من قبل مع باهر!». ردت بدلال: «نعم، لا أخرج كثيراً. . فقد كنتُ أعمل وأعود منهكة إلى المنزل وبالكاد ألاحق طلبات باهر الصعبة! ولكن بعد أن تركتُ العمل ستراني كثيراً معه ، فأنا لا أحب الركود.. وحتماً سأبحث عن عمل جديد». ابتسم أمجد وقال: «ماذا تعملين؟ يمكن أن نجد لكِ عملاً مناسباً عندنا في الشركة!». وضعت يدها بعفوية على ذراعه القوي ، ثم سحبتها بخجل مصطنع: «حقا؟! أسفة.. ولكنني لم أتمالك نفسي من الفرحة! يمكن أن أعمل كسكرتيرة لك..». رد أمجد بإعجاب: «حسناً.. تعالي غداً مع باهر واملأي طلب توظيف!». وصلت سيارة أمجد الفارهة أمام منزل باهر، في اللحظة ذاتها التي كان يركن فيها باهر سيارته بالشارع . ترجل باهر ليصعق بنزول زوجته من سيارة رئيسه في العمل وهي بكامل زينتها الجريئة! توقفت الدماء في عروقه، ونظر إليهما بذهول وارتباك لا يُوصف! ترجل أمجد من السيارة بثبات ورجولة ، ل
خلعت مادلين في الشقة النظارة الطبية التي لطالما كانت جزءاً من شخصيتها البسيطة ، وبدأت تتفحص دولاب ملابسها الحقيقي باشمئزاز وتذمر: «ما هذه الملابس البالية؟! لا تظهر إنشاً واحداً من جمالي! يا لها من حمقاء بلهاء!». ثم تساءلت بعجب وهي تبتسم بخبث أمام المرآة: «من حقه طبعاً أن ينظر إليّ بذهول.. ولكنني لن أعطيه فرصة للنظر إلى غيري بعد الآن!». سحبت حقيبتها وبطاقة باهر الائتمانية، ونزلت لتتسوق وتجلب كل ما يبرز جمالها، بعد أن ارتدت مؤقتاً أحد ملابس أختها الهادئة لتخرج بها. في هذه الأثناء، على أريكة في لندن، كانت مادلين الحقيقية تجر أذيال الخيبة والمرارة بعد أن اكتشفت فظاعة المستنقع الذي ورطت نفسها فيه باسم أختها. ارتمت على السرير وتطلعت إلى السقف الشاحب، وتذكرت تلك اللحظة الحاسمة عندما أغلقت مادلين الباب عليهما في الغرفة المجاورة بعد الصفعة، وعرضت عليها ليان فكرتها الشيطانية: «لديّ لكِ اتفاق سيعجبكِ جداً يا مادلين!» ردتمادلين بانكسار وحسرة: «أي اتفاق تقصدين؟ لم أعد أثق بكِ في شيء!». ابتسمت ليان بدهاء وقالت: «ماذا ستخسرين أكثر من ذلك؟ ألا تحبين العلم والتف
ارتدت ليان ملابسها على عجالة،والغضب يملؤها ولم تتخطى بعد ما حدث وهي تتمتم بكلمات غاضبة محملة بالوعيد: «لابد أن أبحث عن شقة أخرى في أسرع وقت، بعيداً عن هذا الحيوان الذي لا يرحم!». نزلت بخطوات سريعة وحماس مشبوب بلهفة عارمة متجهة إلى أول يوم دراسي لها في جامعتها بلندن ، متمنية أن تبدأ صفحة جديدة تنسيها رعب الأمس.وما إن خطت قدمها داخل الحرم الجامعي حتى لفت انتباهها مجموعة من الشباب يتهامسون فيما بينهم، وتلاحقها نظراتهم الوقحة من الأعلى إلى الأسفل وكأنها سلعة رخيصة. حاولت تجاهلهم تماماً ومرت بجانبهم متکبرة، لكن أحدهم تجرأ ولحق بها، وجلس بجوارها على المقعد داخل المدرج بوقاحة سافرة. وفجأة، شعرت بيده الغليظة تتحرك بجرأة أعلى فخذها. قبضت ليان على يده بقوة دون أن تلفت انتباه الحاضرين، والتفتت إليه بنظرة نارية يقطر منها الغضب: «ماذا تفعل؟! ما هذه الوقاحة؟!».لم يكترث لغضبها، بل ظل متشبثاً بمكانها، وهمس في أذنها بكلمات سمجة نزفت منها الكراهية: «هل تفعلين كل هذا العرض لأجله فقط؟ حسناً.. بعد أن يلفظكِ كالعادة مثل كل مرة، ستأتين إلى أحضاني باكية كالكلبة المطيعة!». وقف من جان
ابتسمت مادلين بجمود مريب وهي تظبط قميص نومها الأسود، واقتربت منه بثقة جليدية لم يعتدها منها، وسمح صوتها الهادئ الحاد بالنفاذ إلى مسامعه : «نعم يا باهر.. كل شيء سيتغير من الآن!». تمددت بجواره على السرير وارتدّت للنوم فوراً، دون أن تبدي أي عتاب أو تثور لكرامتها المهدورة. ظل باهر مستيقظاً يراقبها بذهول وريبة تنهشه؛ لقد أعدّ نفسه لمواجهة عاصفة من الدموع والصراخ، ولكن هذا الهدوء المرعب أربك كل حساباته . تساءل في سرّه بخوف : «ماذا فعلت ليان بتلك الغرفة المغلقة؟ هل هددتها بمقطع الفيديو ونشر الفضيحة؟ بالطبع.. هذا هو الاحتمال الوحيد الوارد ليجعل مادلين تستسلم هكذا! سنرى ما الخبيئة القادمة». على الجانب الآخر من العالم، وبعد رحلة طيران طويلة، وصلت ليان إلى شقتها في لندن . كانت الشقة مبعثرة كعادتها كما تركتها قبل سفرها. رتبت أمتعتها بإرهاق شديد، ولم تلبث أن القت بجسدها المجهد على السرير لتستغرق في نوم عميق، دون أن تدري أن القدر يعدّ لها حساباً قادما في صباح اليوم التالي ، استيقظت مذعورة على صوت طرقات عنيفة ومتتالية تقرع باب الشقة. انتفضت من سريرها وتلفتت حولها
قالت ليان بابتسامه مصطنعه تعالي أولاً لأعطيكِ بعض ملابسي التي لا أحتاجها.. بدلاً من هذه الملابس الرثة التي ترتدينها!». أغلقت الصغيرتان الباب وظلتا في الغرفة لأكثر من نصف ساعة، بينما كان عقلو باهر يغلي في الخارج، يختلق روايات وعدة سيناريوهات لما سيحدث بعدما يعود مع مادلين إلى شقتهما. خرجت التوأمان أخيراً؛ ليان بحقيبة سفرها الأنيقة، ومادلين تحمل مجموعة من ملابس ليان. قال الأب بأسى: «هل ستذهبين الآن يا ابنتي؟». أجابت ليان: «نعم يا أبي، لقد أوشك موعد طائرتي. . السيارة تنتظرني بالأسفل». قال الوالد: «مع السلامة يا ابنتي، انتبهي لحالكِ». نظرت ليان إلى مادلين واحتضنتها بتمثيلية دافئة: «سأفتقدكِ كثيراً يا مادلين!». ثم نظرت إلى باهر بريبة ومكر. وأثناء نزولهم جميعاً في المصعد، وقفت ليان في الخلف بجانبه تماماً، ولمست أصابعها أصابعه بجرأة، وهي تتأمل توتره الواضح في مرآة المصعد. كانت مادلين تقف أمامهما تتظاهر برؤية الطريق، ولكنها تلاحظ عبر المرآة نظراته المتوترة وحركات ليان. تحركت مادلين بخطوات سريعة نحو السيارة ، بينما امسكت ليان يد باهر عند باب الشارع
انتفض باهر مذعوراً، وارتدى ملابسه بسرعة مربكة، ثم جذب ليان إلى الغرفة لترتدي ملابسها وهي تبتسم بسخرية وتشفٍّ. خرج باهر وركبتاه تصفقان ، وحنجرته جافة تماماً: «مادلين.. أنا...». وقف خجلاً وعاجزاً عن التعبير، بينما كانت مادلين تقف أمامه بانكسار شديد ، تنظر إليه بعينين دامعتين وقلب مذبوح. وفي تلك اللحظة، خرجت ليان بكل جرأة وهى تعدل فستانها الحريري، ثم أشارت إلى باهر ببرود: «هيا ارتدِ ملابسك حتى لا نتأخر!». نظرت إليها مادلين بنبرة اختلط فيها الوجع بالغضب: «ما هذه الجرأة يا ليان؟ هل تعتقدين أن هذا سيمر مرور الكرام؟ لقد سئمتُ من ألاعيبكِ الدنيئة!». رفعت ليان يدها وبلا تردد صفعتها على وجهها صفعة قوية رنّ صداها في أرجاء المكان . اقترب باهر بذهول وسارع بالإمساك بكتف ليان: «ليان! ماذا تفعلين؟!». ردت عليه ليان بلهجة حادة وأمر قاطع: «باهر! اتركنا بمفردنا الآن.. هيا بدل ملابسك بالداخل!». سحبت ليان مادلين بقوة ودخلت بها الغرفة المجاورة وأغلقت الباب. أطلقت ليان ضحكة خفيفة ومستفزة: «ما هذه الجرأة يا مادلين؟ هل أصبحتِ تنتقدين أفعالي الآن؟ ألم ترغبي دائماً في أن تكوني م







