Share

الفصل الثامن

last update publish date: 2026-08-04 03:33:28

تراجع الزجاج المهشم تحت أقدامها محدثاً صوتاً حاداً

كسر ركود الغرفة المتوترة.

وقفت ليان وسط الشقة الدفيئة

، تلتف حولها ظلال الشموع الخافتة التي ألقت بألوانها الذهبية

على جدران الروعة والرفاهية.

كانت ترتدي رداءً حريرياً أرجوانياً شفافاً،

يتثنى حول جسدها كالموج،

وينساب شعرها الأسود الغجري على كتفيها بجرأة تُغري وتسلب الألباب.

نفحت عطرها القوي الممتزج برائحة الفانيليا والشموع المعطرة

تملأ الهواء، تزيد من اختناق باهر الذي كان يغلي في وقفته.

«يجب أن تهدأ أولاً..»

قالتها ليان بنبرة هادئة ومائعة

وهي تتفحص أظافرها المطلية بالأحمر القاني.

اطبق باهر قبضته وهوى بها بقوة عاتية على الطاولة الخشبية أمامه،

لترتج المزهريات فوقها ويخرج منه صوت كالهزيم

: «كيف تطلبين مني أن أهدأ وأنتِ تتهمين زوجتي بالفجور؟!».

«حسناً.. لن أتحدث وأنت بهذه العصبية!»

ابتسمت ببرود ساحر، وجلست على مقعد مخملي،

تاركة فستانها ينكشف عن ساقيها بأسلوب مدروس.

انفجر التوتر في رأس باهر؛ اندفع نحوها في خطوتين وذراعاه تتشنجان،

قبَض على ذراعيها بقوة وجذبها لتقف أمامه رغماً عنها

. هزّ جسدها الرقيق بين يديه كالمجنون،

وأنفاسه الحارقة تضرب وجهها:

«أخبريني الآن بكافة التفاصيل.. وإلا سأرتكب جريمة هنا!».

تأوهت ليان بدلال ممتزج بالوجع،

ولمحت بعينيها الذكيتين انكسار ثباته

: «حسناً.. أنت تؤلم ذراعي!

أنا المخطئة لأنني أردتُ حمايتك وإخبارتك..».

مدت يدها الناعمة بهدوء مرفق بالأنوثة،

ومررت أناملها على وجنته الملتهبة،

ثم همست بنبرة خافضة يقطر منها الحنان المسموم:

«باهر.. هل تعلم أنك كنتَ ستكون زوجي أنا؟

لولا أن والدي أراد أن يداري على سوء فعلتها وسقوطها؟».

اتسعت حدقتاه بذهول،

وتراجع رأسه للخلف: «ليان!.. ماذا تهذين؟!».

«نعم!» مسحت دمعة مصطنعة سقطت على خدها الناعم،

وأكملت بنبرة مشحونة بالشجن:

«ألم ترسل أنت قريباً لك ليخطب لك من بيتنا لسمعة والدنا الطيبة؟».

رد باهر بصوت متهدج

، يحاول التماسك وسط هذا الإعصار:

«بالفعل.. لقد رشحكم لي أحد أقاربي الكبار..».

اقتربت منه أكثر حتى تلاقت أنفاسهما،

وحركت يدها ببطء على صدره العريض،

تشعر بدقات قلبه المتسارعة تحت قميصه:

«بالفعل جاء واختارني أنا لك.

. وأنا، في الحقيقة، كنتُ معجبة بك للغاية من اللحظة الأولى.

ولكن أبي أرغمه على تزويجك أختي المكسورة..

لتغطية الفضيحة!».

حاول باهر دفع يدها بذهول:

«ليان.. أنتِ تخدعينني! هذا محال!».

هنا، تحولت ملامح ليان إلى الجدية العاصفة

؛ أطاحت بكأس الزجاج المتبقي على الطاولة بيدها

ليرتطم بالأرض ويتناثر

ثم امسكت هاتف باهر الملقى بثبات

، وضغطت به في يده بعصبية وتحدٍّ صارخ:

«اتصل الآن بقريبك! بالتأكيد هو يعرف ما حدث جيداً وسيحكي لك

كل شيء.. ولكن إن كان كلامي صحيحاً،

فكلفة اعتذارك لي ستكون باهظة جداً!».

نظر باهر إلى عينيها الواثقتين اللتين لم ترمشا؛

ساد صمت رهيب في الغرفة لا يقطعه إلا صوت الشموع وهي تحترق.

تهاوت شكوكه أمام ثقتها المطلقة،

فتناول الهاتف بأصابع ترتجف،

وحرك الخط ليتصل بقريبه،

محاولاً اصطناع لهجة هادئة لا تثير أي ريبة:

«يا عمي.. أنا أشكرك بالفعل على اختيارك لي،

فنعم العائلة ونعم الأصل الذي اخترته».

جاءه صوت الرجل العجوز عبر السماعه

«الحمد لله يا ولدي، أنه كان اختياراً موفقاً وبارك الله لكما».

استجمع باهر أنفاسه وقال بصوت حذر:

«ولكني علمتُ مؤخراً أنك اخترتَ أخت زوجتي، ليان،

في بداية الأمر؟».

صمت الرجل لبرهة قبل أن يرد بنبرة مرتبكة:

«يا ولدي.. لا داعي لنبش هذا الكلام القديم..».

قال باهر بضحكة مصطنعة تداري جمر صدره:

«حقا، كنا نمزح أنا وزوجتي قبل قليل ولم أصدقها، أكان هذا حقاً؟».

تنهد القريب وقال بصراحة:

«بالفعل يا ولدي.. كنتُ قد طلبتُ لك ليان لمرحها وثقافتها،

ولكن عندما ذهبتُ لأخذ الرد النهائي من والدها

، اعتذر وأخبرني أن ليان أمامها طريق طويل في الجامعة ولن تتفرغ،

بينما مادلين لن تكمل تعليمها وهي الأنسب للبيت..».

«أشكرك يا عمي..» قالها باهر بصوت شبه معدوم

، ثم أغلق الخط.

سقطت يده بالهاتف إلى جواره

، والتفت ببطء وذهول شديد نحو ليان.

كانت تقف أمامه بثبات، ترتسم على شفتيها ابتسامة الحزن الأخيرة،

وعيناها اللامعتان تصدقان كل حرف صدم به قلبه.

امتص الهواء البارد في الشرفة المغلقة،

وراودته الفكرة القاتلة التي أظلمت دنياه:

«هل كانت هى من ستصبح زوجتي بالفعل؟!».

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (2)
goodnovel comment avatar
دعاء السبكى
عزيزتي ميرفت يسعدنى قراءتك للرواية الجديدة ،رأيك من الاراء المهمه بالنسبه لى ماهو تقييمك المبدأى للقصه
goodnovel comment avatar
‏مرفت
حقييييرة على الآخر او من الآخر فظييييعة
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٧

    جمعت مادلين أمتعتها وسحبت حقائبها بخطوات حثيثة ومحسوبة، مغادرةً منزل والديها قبل أن تمنح ليان أي فرصة أخرى للغدر أو المواجهة الجانبية. فور وصولها إلى الفندق الرفيع، دخلت جناحها الهادئ، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بجبال الخوف والإرهاق تتهاوى عن كاهلها. ألقى التعب بثقله الكامل على جسدها المنهك، فارتمت براحة تامّة على السرير الفسيح، وغطّت في نوم عميق وثقيل بملابس سفرها دون أن تجد القوة حتى لتغييرها. مع إشراقة الصباح التالي، انساب ضياء الشمس الدافئ عبر الستائر الحريرية ليوقظها على شعور عارم بالتجدد والثبات . قامت سريعاً، وجهزت نفسها بطلة راقية تعكس وقار دكتورة المستقبل، ثم خرجت لاستكمال الإجراءات الرسمية والأوراق الحيوية التي جاءت من أجلها خصيصاً؛ إذ كان الدكتور شريف قد نسّق لها مسبقاً مع ضابط شرطة رفيع المستوى من أصدقائه المقربين لينهي لها الوثائق النهائية والتصديقات التي تحتاج إليها دون تعقيدات. أنهت مادلين معاملاتها الرسمية داخل مركز الشرطة ببراعة وسلاسة، وخرجت تنزل الدرجات الرخامية الخارجية، والشمس تلامس وجهها بابتسامة ارتياح ونصر مكتوم. وفي

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٦

    وقفت ليان في الممر الخارجي خلف الباب المغلق ، تشعر بذل وهوان لم تتذوقهما طوال حياتها . كانت وجنتها الملتهبة تثور بالحرارة من أثر الصفعة ، وجسدها يرتجف بانهيار وغضب شيطاني عارم. مسحت وجهها بظهر يدها المرتجفة ، وثبتت نظراتها المشتعلة بالشر على مقابض الباب ، وقالت بصوت خفيض كحسيس الأفاعي يملؤه الوعيد القاتل: «حسناً يا مادلين... أقسم لكِ أنني سأجعلكِ تركعين أمامي وتتوسلين أقدامي كي أرحمكِ! هل تعتقدين حقاً أنكِ قادرة على سرقة اسمي وهويتي وحياتي وأنا سأقف متفرجة وأترككِ تتهني بها؟! سأريكِ من تكون (ليان) الحقيقية وكيف تُسحق الأوهام!». استدارت ليان وغادرت المنزل بخطوات حاقدة وسريعة ، والشرر يتطاير من عينيها ، وذهنها يتوقد لتدبير انتقام مدمر يمسح أختها من الوجود. في هذه الأثناء، وداخل الغرفة المظلمة، كانت مادلين ما زالت تجلس خلف الباب، تحاول لملمة شتات نفسها واستعادة أنفاسها المضطربة. مسحت عرق وجنتيها المحمرتين، ثم رفعت هاتفها المرتجف فوراً لتعيد الاتصال بالدكتور شريف. لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى جاءها صوته المليء بالقلق والترقب عبر الخط: «مادلين!.. ماذا حدث ل

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٥

    ما إن أغلقت الأم الباب وانسحبت بخطوات هادئة نحو الصالة، حتى تحولت ملامح الخضوع الزائف على وجه ليان فوراً إلى قناع من الشراسة والشر المطلق. تلاشت مسكنتها المصنوعة، واندفعت كالأفعى الجريحة نحو مادلين، وقبضت على ذراعها بقوة وغشامة ، وأظافرها تنغرس في بشرتها بغلٍّ مكتوم. ثبتت ليان عينيها المشتعلتين بالشر في عيني أختها، وهتفت بصوت خفيض كالحديث الشيطاني ، ونبرتها تقطر بالتهديد : «كيف تجرأتِ عليّ إلى هذه الدرجة أيتها الغبية؟! كيف ترفعين يدكِ الصعلوكة لِتصفعيني، ثم تدعين أمام أمي أنكِ أنتِ (ليان)؟! هل نسيَ عقلكِ الصغير من أكون وكيف أستطيع مسحكِ من الوجود في لحظة واحدة؟!». رغم الألم الذي اعتصر ذراعها ، لم ترف لمادلين عين، ولم ينقبض قلبها كما كان يحدث في الماضي. كانت برودة ثلجية عجيبة تسري في عروقها ، مدعومة بوعيها الكامل بأن القانون والسجلات الأكاديمية والشهادات الحية تسند ظهرها الآن باسم (ليان). عقدت مادلين حاجبياها ببرود واستعلاء ، وأزاحت يد ليان عن ذراعها بحركة حاسمة وقوية جعلت ليان تتراجع خطوة إلى الخلف من شدة الذهول. نظرت مادلين إليها ب

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٤

    حطّت الطائرة في المطار، ولامست عجلاتها أرض الوطن بعد عام كامل من الغياب والتغيرات الجذرية. هبطت مادلين درجات السلم بخطوات متأنية وواثقة، يتطاير شعرها مع هبات النسيم الدافئ. وقفت للحظات تنظر حولها بنظرات تفحصية حادة، ترتدي نظارتها الشمسية الداكنة وتلتف برداء راقٍ يفيض بالأناقة. خفق قلبها بشدة تحت صدريتها، لكنها اعتصرت ذعرها الداخلي، واستجمعت كل ذرة ثبات لتتقن دور أختها "ليان" ؛ متذكرة نصيحة الدكتور شريف بالتكبر والاستعلاء المعتاد. في صالة الوصول، كان والدها ووالدتها يقفان بلهفة وشوق ينتظران ابنتهما المدللة. اقتربت مادلين بخطوات متمهلة ورأس مرفوع ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غرور مصنوعة ببراعة . ألقت بنفسها في أحضان والديها بفتور مدروس ، وتبادلت معهما القبلات السريعة ، مظهرة الثقة المطلقة التي طالما تميزت بها ليان. جلست معهما في الصالة لبعض الوقت قبل التوجه إلى غرفتها ، وأخذت تحكي لهما بنبرة متعالية عن إنجازاتها العظيمة وانتصاراتها الباهرة في لندن، وكيف أضحت القمة درباً سهلاً تسير فيه، مطبقة بكل دقة ذات الأسلوب الاستعلائي الذي كانت لي

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٣

    مر عام كامل تلاشت فيه آخر معالم الكبرياء لدى ليان ، وانزلقت فيه خطوة تلو الأخرى نحو قاع عالم سري مظلم ، شُيدت أركانه من النفوذ والصفقات المشبوهة. لم تعد الشقة الفارهة مجرد ملجأ فاخر ، بل استحالت مسرحاً مغلقاً لليالي طويلة لا تنتهي، غاب فيها ضوء النهار وحلت محله أضواء خافتة ورايات البذخ الزائف. اعتادت ليان على هذا الواقع الجديد تدريجياً حتى صار جزءاً من كيانها ؛ أصبحت التابع الدائم لأمجد في كل محفل مغلق ودعوة خاصة تجمع كبار رجال الأعمال والشخصيات النافذة. كانت الصفقات الكبرى تُبرم على أطراف موائد القمار وفي أروقة الأجنحة الملكية، وكانت هي الورقة الرابحة التي يلوح بها أمجد لإذابة جمود المفاوضات وتسريع التوقيعات. في تلك الليالي، كانت المشاعر تتأرجح في أرجائها بكثافة قاسية؛ تتذوق أحياناً نشوة السطوة حين ترى أكثر الرجال نفوذاً ينساقون خلف دلالها المعسول ورقتها المصنوعة، ويسارعون لتلبية رغباتها لمجرد ابتسامة مشجعة او ليله ساخنه . لكن هذه النشوة الكاذبة سرعان ما كانت تتبدد ليلة بعد أخرى ، ليحل محلها ألم مكتوم وانكسار داخلي ينهك روحها. تنوعت تلك السهرات وطقوسه

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٢

    على الضفة الأخرى في لندن، كان النقاء والسكون يخيمان على حياة مادلين الجديدة. جليسة هي أمام مكتبها الخشبي الأنيق في حجرتها الجامعية الهادئة، تغمرها أضواء المصباح الدافئة ، وأمامها المراجع الطبية الضخمة والملاحظات الدقيقة التي طالما حلمت بالغوص في تفاصيلها. تنفسّت مادلين الصعداء بعدما وردها الخبر من ليان بتحررها النهائي والكامل من قيد باهر؛ سقط عن كاهلها جبلٌ ثقيل من الهموم والذعر الذي كان يطاردها كلما تذكرت احتمال عودتها لذلك السجن المسمى بالزواج. شعرت لأول مرة في حياتها بآدميتها، وبأن الهواء الذي تستنشقه بات خالصاً نقيّاً لا تشوبه خيانة أو استغلال . ابتسمت مادلين بصفاء وهي تقلب صفحات كتاب التشريح، وسرت في عروقها نشوة عارمة وشغف لا حدّ له . لم تعد تدرس خوفاً أو قلقاً ، بل غدت تلتهم المعلومات بنهم وتفوق ، مدركة أن كل سهر، وكل قطرة عرق، وكل درجات تميزها ستسجل اليوم وفي المستقبل باسمها الحقيقي والشرعي المعتمد رسمياً في النظام: "ليان". كانت تدرك بذكاء وارتياح أن أختها ليان في لويزيانا تسعى وراء الملذات والأموال الزائفة، بينما تصنع هي بيدي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status