Share

الفصل الخامس

last update publish date: 2026-08-04 03:33:11

أُغلق الباب بخفة، وكأن الصوت الضئيل

كان القشة التي قصمت ظهر تمسكها.

انهارت مادلين خلف الباب مباشرة، وسقطت على الأرض

تجرّ أذيال خيبة أملٍ أثقلت كاهلها.

.انهمرت دموعها المحبوسة ساخنةً على وجنتيها،

وجلست تطوّق ركبتيها بيديها الارتجافيّتين،

وهي تردد بصوتٍ خنقه البكاء والنحيب:

«نعم.. لم أرد أن أتزوج! كنتُ سأكون طبيبة

لولا ألاعيبكِ المسمومة يا ليان.. لولا غدركِ بي!».

تداخلت شهقاتها مع صمت الشقة الخالي

إلا من قسوة كلمات باهر التي ما زالت تطنّ في أذنيها.

أغمضت عينيها بشدة تحاول الهرب من واقعها المرير

، ليجرفها شريط الذكريات مجدداً،

وغرقت في بحر أفكارها وشرودها لتعود سنوات طويلة إلى الوراء

.. إلى اليوم الذي انقلبت فيه حياتها رأساً على عقب.

صُفِعَت الحقيقة في وجه مادلين قبل سنوات

، ليعود المشهد أمام عينيها كأنه يحدث الآن.

توسلت بصوت يرتجف: «أرجوك يا أبي دعني أعيد هذه السنة..

وسأنجح بتفوق في المرة القادمة!».

جاءها الرد صفعةً قاسية على وجهها،

وانتشالاً عنيفاً لشعرها من يد والدها وهو يصرخ بغضب عارم:

«هل كنتِ تضحكين عليّ طيلة هذه السنوات؟!

كانت ليان هي من تؤدي امتحاناتكِ، ولذلك كنتِ تتفوقين!».

انهمرت دموع مادلين كالمطر وهي عاجزة عن الدفاع عن نفسها،

في حين اقتربت ليان بخبث متخفٍّ في رداء الرحمة

، فأزاحت يد والدها عن شعر مادلين وطبطبت على كتفه بنعومة:

«لا تتعب نفسك يا أبي.. اهدأ قليلاً لأجل صحتك

. مادلين هذه هي إمكانياتها،

هي ضعيفة قليلاً في الدراسة وهذا ليس ذنبها.

. فلتبقى في المنزل تخدمك أنت وأمي؛

فكلاكما أصبح مريضاً، وأنا كما تعرف حصلتُ على منحة للدراسة بالخارج

لتفوقي ولن أستطيع رعايتكم. بكل الأحوال

، مصيرها الزواج والبقاء في المنزل».

تنهد الأب باقتناع متكئاً على كلامها:

«معكِ حق يا ليان، لن أطاوعها مرة أخرى ولن تخرج من البيت

، فيكفيني أنكِ رفعتِ رأسي.. هل ستدرسين الطب؟».

تلجلجت ليان قليلاً وزاغت بصرها:

«لا.. دراسة الطب طويلة، وفي لندن دراسة الأعمال ممتازة ولها مستقبل باهر هنا في لويزيانا!».

قال الأب بنبرة ملؤها الفخر: «حسناً يا ابنتي، أنا أثق بكِ».

بعد بضعة شهور، شردت مادلين والحرقة تأكل قلبها وهي تتذكر ما حدث

في آخر يوم من الامتحانات؛

حين ركبت ليان رأسها وقالت بفرط أنانية:

«مادلين، ادخلي أولاً لجنتي! لقد تأخرتُ البارحة وكاد قلبي أن يتوقف!».

ردت مادلين بقلق: «لا تقلقي، سأنهي اختباري سريعاً وأتي إليكِ،

ولكن اتركيني أذهب إلى امتحاني أولاً!».

لكن ليان لم تنتظر، بل جرت وجلست في لجنة مادلين

لتضعها أمام الأمر الواقع،

وظلت مكانها متعمدةً حتى انتهى الوقت كلياً

ولم تذهب لامتحانها الخاص.

هرعت مادلين نحوها بعد انقضاء الوقت وسألتها بذهول ودموع:

«ليان! لماذا لم تخرجي؟!».

تظاهرت ليان بالأسف: «أسفة يا أختي.. المراقب لم يوافق أبداً!».

تساءلت مادلين بذعر: «ماذا فعلتِ؟! هل تمكنتِ من حل الامتحان؟».

أجابتها ببرود مريب: «حقيقةً.. لا أدري!». انا كتبت بضعة اشياء لا اعلم

ان كانت صحيحة

عادت مادلين من شريط ذكرياتها إلى واقع شقتها الخالية،

وهمست بكسرة وحزن دفين:

«لقد تعمدتِ يا ليان أن تفعلي ذلك.. لقد سرقتِ مستقبلي!».

في هذه الأثناء.. وفي الأسفل تحت ظلال الليل،

كان باهر يسير بخطوات ثقيلة يذرع الشارع

، يستنشق الهواء البارد لعلّه يطفئ التخبط والشعلة الخبيثة

التي أذكتها ليان في صدره، متمزقاً بين صورته عن زوجته الهادئة،

وبين لمسة شفتين ونظرات جريئة لا تزال تطارده في العتمة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٧

    جمعت مادلين أمتعتها وسحبت حقائبها بخطوات حثيثة ومحسوبة، مغادرةً منزل والديها قبل أن تمنح ليان أي فرصة أخرى للغدر أو المواجهة الجانبية. فور وصولها إلى الفندق الرفيع، دخلت جناحها الهادئ، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بجبال الخوف والإرهاق تتهاوى عن كاهلها. ألقى التعب بثقله الكامل على جسدها المنهك، فارتمت براحة تامّة على السرير الفسيح، وغطّت في نوم عميق وثقيل بملابس سفرها دون أن تجد القوة حتى لتغييرها. مع إشراقة الصباح التالي، انساب ضياء الشمس الدافئ عبر الستائر الحريرية ليوقظها على شعور عارم بالتجدد والثبات . قامت سريعاً، وجهزت نفسها بطلة راقية تعكس وقار دكتورة المستقبل، ثم خرجت لاستكمال الإجراءات الرسمية والأوراق الحيوية التي جاءت من أجلها خصيصاً؛ إذ كان الدكتور شريف قد نسّق لها مسبقاً مع ضابط شرطة رفيع المستوى من أصدقائه المقربين لينهي لها الوثائق النهائية والتصديقات التي تحتاج إليها دون تعقيدات. أنهت مادلين معاملاتها الرسمية داخل مركز الشرطة ببراعة وسلاسة، وخرجت تنزل الدرجات الرخامية الخارجية، والشمس تلامس وجهها بابتسامة ارتياح ونصر مكتوم. وفي

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٦

    وقفت ليان في الممر الخارجي خلف الباب المغلق ، تشعر بذل وهوان لم تتذوقهما طوال حياتها . كانت وجنتها الملتهبة تثور بالحرارة من أثر الصفعة ، وجسدها يرتجف بانهيار وغضب شيطاني عارم. مسحت وجهها بظهر يدها المرتجفة ، وثبتت نظراتها المشتعلة بالشر على مقابض الباب ، وقالت بصوت خفيض كحسيس الأفاعي يملؤه الوعيد القاتل: «حسناً يا مادلين... أقسم لكِ أنني سأجعلكِ تركعين أمامي وتتوسلين أقدامي كي أرحمكِ! هل تعتقدين حقاً أنكِ قادرة على سرقة اسمي وهويتي وحياتي وأنا سأقف متفرجة وأترككِ تتهني بها؟! سأريكِ من تكون (ليان) الحقيقية وكيف تُسحق الأوهام!». استدارت ليان وغادرت المنزل بخطوات حاقدة وسريعة ، والشرر يتطاير من عينيها ، وذهنها يتوقد لتدبير انتقام مدمر يمسح أختها من الوجود. في هذه الأثناء، وداخل الغرفة المظلمة، كانت مادلين ما زالت تجلس خلف الباب، تحاول لملمة شتات نفسها واستعادة أنفاسها المضطربة. مسحت عرق وجنتيها المحمرتين، ثم رفعت هاتفها المرتجف فوراً لتعيد الاتصال بالدكتور شريف. لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى جاءها صوته المليء بالقلق والترقب عبر الخط: «مادلين!.. ماذا حدث ل

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٥

    ما إن أغلقت الأم الباب وانسحبت بخطوات هادئة نحو الصالة، حتى تحولت ملامح الخضوع الزائف على وجه ليان فوراً إلى قناع من الشراسة والشر المطلق. تلاشت مسكنتها المصنوعة، واندفعت كالأفعى الجريحة نحو مادلين، وقبضت على ذراعها بقوة وغشامة ، وأظافرها تنغرس في بشرتها بغلٍّ مكتوم. ثبتت ليان عينيها المشتعلتين بالشر في عيني أختها، وهتفت بصوت خفيض كالحديث الشيطاني ، ونبرتها تقطر بالتهديد : «كيف تجرأتِ عليّ إلى هذه الدرجة أيتها الغبية؟! كيف ترفعين يدكِ الصعلوكة لِتصفعيني، ثم تدعين أمام أمي أنكِ أنتِ (ليان)؟! هل نسيَ عقلكِ الصغير من أكون وكيف أستطيع مسحكِ من الوجود في لحظة واحدة؟!». رغم الألم الذي اعتصر ذراعها ، لم ترف لمادلين عين، ولم ينقبض قلبها كما كان يحدث في الماضي. كانت برودة ثلجية عجيبة تسري في عروقها ، مدعومة بوعيها الكامل بأن القانون والسجلات الأكاديمية والشهادات الحية تسند ظهرها الآن باسم (ليان). عقدت مادلين حاجبياها ببرود واستعلاء ، وأزاحت يد ليان عن ذراعها بحركة حاسمة وقوية جعلت ليان تتراجع خطوة إلى الخلف من شدة الذهول. نظرت مادلين إليها ب

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٤

    حطّت الطائرة في المطار، ولامست عجلاتها أرض الوطن بعد عام كامل من الغياب والتغيرات الجذرية. هبطت مادلين درجات السلم بخطوات متأنية وواثقة، يتطاير شعرها مع هبات النسيم الدافئ. وقفت للحظات تنظر حولها بنظرات تفحصية حادة، ترتدي نظارتها الشمسية الداكنة وتلتف برداء راقٍ يفيض بالأناقة. خفق قلبها بشدة تحت صدريتها، لكنها اعتصرت ذعرها الداخلي، واستجمعت كل ذرة ثبات لتتقن دور أختها "ليان" ؛ متذكرة نصيحة الدكتور شريف بالتكبر والاستعلاء المعتاد. في صالة الوصول، كان والدها ووالدتها يقفان بلهفة وشوق ينتظران ابنتهما المدللة. اقتربت مادلين بخطوات متمهلة ورأس مرفوع ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غرور مصنوعة ببراعة . ألقت بنفسها في أحضان والديها بفتور مدروس ، وتبادلت معهما القبلات السريعة ، مظهرة الثقة المطلقة التي طالما تميزت بها ليان. جلست معهما في الصالة لبعض الوقت قبل التوجه إلى غرفتها ، وأخذت تحكي لهما بنبرة متعالية عن إنجازاتها العظيمة وانتصاراتها الباهرة في لندن، وكيف أضحت القمة درباً سهلاً تسير فيه، مطبقة بكل دقة ذات الأسلوب الاستعلائي الذي كانت لي

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٣

    مر عام كامل تلاشت فيه آخر معالم الكبرياء لدى ليان ، وانزلقت فيه خطوة تلو الأخرى نحو قاع عالم سري مظلم ، شُيدت أركانه من النفوذ والصفقات المشبوهة. لم تعد الشقة الفارهة مجرد ملجأ فاخر ، بل استحالت مسرحاً مغلقاً لليالي طويلة لا تنتهي، غاب فيها ضوء النهار وحلت محله أضواء خافتة ورايات البذخ الزائف. اعتادت ليان على هذا الواقع الجديد تدريجياً حتى صار جزءاً من كيانها ؛ أصبحت التابع الدائم لأمجد في كل محفل مغلق ودعوة خاصة تجمع كبار رجال الأعمال والشخصيات النافذة. كانت الصفقات الكبرى تُبرم على أطراف موائد القمار وفي أروقة الأجنحة الملكية، وكانت هي الورقة الرابحة التي يلوح بها أمجد لإذابة جمود المفاوضات وتسريع التوقيعات. في تلك الليالي، كانت المشاعر تتأرجح في أرجائها بكثافة قاسية؛ تتذوق أحياناً نشوة السطوة حين ترى أكثر الرجال نفوذاً ينساقون خلف دلالها المعسول ورقتها المصنوعة، ويسارعون لتلبية رغباتها لمجرد ابتسامة مشجعة او ليله ساخنه . لكن هذه النشوة الكاذبة سرعان ما كانت تتبدد ليلة بعد أخرى ، ليحل محلها ألم مكتوم وانكسار داخلي ينهك روحها. تنوعت تلك السهرات وطقوسه

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٥٢

    على الضفة الأخرى في لندن، كان النقاء والسكون يخيمان على حياة مادلين الجديدة. جليسة هي أمام مكتبها الخشبي الأنيق في حجرتها الجامعية الهادئة، تغمرها أضواء المصباح الدافئة ، وأمامها المراجع الطبية الضخمة والملاحظات الدقيقة التي طالما حلمت بالغوص في تفاصيلها. تنفسّت مادلين الصعداء بعدما وردها الخبر من ليان بتحررها النهائي والكامل من قيد باهر؛ سقط عن كاهلها جبلٌ ثقيل من الهموم والذعر الذي كان يطاردها كلما تذكرت احتمال عودتها لذلك السجن المسمى بالزواج. شعرت لأول مرة في حياتها بآدميتها، وبأن الهواء الذي تستنشقه بات خالصاً نقيّاً لا تشوبه خيانة أو استغلال . ابتسمت مادلين بصفاء وهي تقلب صفحات كتاب التشريح، وسرت في عروقها نشوة عارمة وشغف لا حدّ له . لم تعد تدرس خوفاً أو قلقاً ، بل غدت تلتهم المعلومات بنهم وتفوق ، مدركة أن كل سهر، وكل قطرة عرق، وكل درجات تميزها ستسجل اليوم وفي المستقبل باسمها الحقيقي والشرعي المعتمد رسمياً في النظام: "ليان". كانت تدرك بذكاء وارتياح أن أختها ليان في لويزيانا تسعى وراء الملذات والأموال الزائفة، بينما تصنع هي بيدي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status