FAZER LOGIN46- شفرة الذكريات المفقودةروزالينالتفتَ إليّ رودجر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة باهتة، حملت في طياتها كمية لا تُحصى من الأسى قبل أن يجيبني بصوت خافت: "حبيبتي السابقة أيضاً... كانت تحب هذا المنزل كثيراً، وتتحرك في أرجائه مثلكِ تماماً."ترددت كلماته بنبرة مكسورة هزت شيئاً ما في أعماقي، ولكنني لم أستطع كبح فضولي هذه المرة أكثر من ذلك. شعرتُ برغبة عارمة في معرفة المزيد عن هذا الفتى الغامض الذي يشبه زيد في ملامحه ويناقضه في روحه.نظرتُ إليه بعينين متسعتين يملؤهما الفضول، وسألتُه بنبرة حذرة: "وأين ذهبت الآن؟ هل انفصلتما؟""إنها تحب شخصاً آخر الآن... وتعيش في عالم بعيد عن عالمي." أجابني وعيناه تتطلعان إلى الفراغ.في تلك اللحظة، بدأتُ أفسر كلمته السابقة حين أخبرني بأنه توقف عن الرسم؛ ربما يكون كل ذلك الانكسار والبعد عن شغفه بسبب حبيبته السابقة التي هجرته.تحرك الفضول داخلي مجدداً، ولم أستطع منع نفسي من السير أبعد في هذا الحديث، رغماً عن خوفي من أن يسأم من أسئلتي المتلاحقة ويكون غضبه مخيفاً وقاسياً كغضب زيد.سألتُه بصوت هادئ شبه مسموع: "هل... هل لا تزال تحبها بعد كل ما حدث؟"أخذ رودجر نف
45 - أصداء الطيف والذكرياتروزالين تبعتُ رودجر في كل ركن بهذا المنزل الذي يجعلني، بطريقة أو بأخرى، أشعر بالتوتر والاضطراب. فأنا بالكاد تخطيتُ تلك المشاهد العنيفة التي داهمت عقلي عند المسبح منذ قليل.لا أعرف كيف اختلط عليّ الأمر من جديد ولم أستطع التفريق بين رودجر وزيد، لكن مظهر رودجر المبعثر والحر هذا قد شتتني للحظات، نظراً لكونه يختلف عن نمطية زيد تماماً.الغريب في الأمر، أن مظهر رودجر الجريء الذي يعطي انطباع "الفتى السيء" يعجبني، بل وقد شعرتُ للحظات أنني أفضله على مظهر زيد الرسمي الصارم.أنا بطبيعتي أحب الألوان وأعشق التغيير، لكن زيد حياته نمطية للغاية ولا يميل إلى كسر القواعد أو التجديد.تابعتُ خطواتي خلف رودجر، الذي لاحظتُ أنه كان شارداً بي لبعض الوقت، وكأنه يبحث في أعماق عينيّ عن شيء مفقود. لكني لم أهتم كثيراً؛ فبعض الأشخاص يشردون عند رؤيتي ويحدقون بملامحي الطفولية، وقد اعتدتُ على هذا الأمر ولم يعد يزعجني.نظرتُ في أركان المطبخ للحظة، وفجأة... تخيلتُ بعض المشاهد تتحرك حية أمام عيني! لا أعرف إن كانت هذه ذكريات حقيقية تراودني من جديد، أم أنني بدأتُ أهلوِس بفعل الصداع؟رأيتُ نفسي أ
44 - شروخ في الذكرياترودمددتُ يدي سريعاً وساعدتُ روز على النهوض عن الأرض الباردة، محاولاً التصرف بشكل طبيعي وهادئ للغاية حتى لا تلاحظ أي مظهر غريب يثير ريبتها، بينما كانت هي تمسح وجنتيها المتوردتين بضعف.وقفتُ أتأملها بدهشة عارمة وعقلي يكاد ينفجر، وهي تحاول بتشتت الاستفهام مني عما يحدث معها وسط بكائها المتواصل بطريقة غير مفهومة ومبهمة.كدتُ أنطق لأهدئ من روعها، ولكن قاطعنا فجأة صوت زيد الجهوري وهو ينادي باسمها من بعيد."روزي؟" تصلب جسد روز وصمتت في صدمة مطلقة، وجحظت عيناها بذهول مرعب ومزيج من الرعب الخالص حينما دلف زيد إلى الحديقة الخلفية واقترب من المسبح.بدأت تتنقل بنظرها بيننا؛ تنظر إلى وجهي ثم إلى وجه توأمي المتطابق بخوف هائل زلزل كيانها، حتى إنها تراجعت إلى الخلف برهبة عدة خطوات وكأنها ترى شبحاً.اقترب زيد وتفقد ملامحها المذعورة بتعجب، ثم نقل نظره إليّ باستنكار وضيق "ماذا حدث؟" ليستفهم عن سبب حالتها هذه، فأجبتُه بتوتر أداري به حقيقة ما جرى: "لا أعلم... لقد خرجتُ إلى الحديقة لأجدها تجلس باكية هكذا."اقترب منها زيد بحنان، محاوطاً خصرها النحيل ليقربها إلى صدره، وأردف قائلاً بابتس
43- خيوط متشابكة وحقيقة عاريةرودضحكتُ بصوت عالٍ هزّ أركان الممر، محاولاً بكل قوتي إخفاء تلك البراكين المشتعلة في صدري؛ براكين من الغيرة القاتلة التي كادت تحرقني حياً عندما أطلق زيد أمام مسمعي ذلك اللقب، "وردتي"، على روزالين... روزالين التي كانت ملكي أنا قبل أي شخص آخر!وأيضاً لأنني رغبت في التأكد من العلاقة بينهما، لهذا وضعت بعض ثياب جديدة مثيرة، لأجل روز، حتى أعرف من رد فعله، إذ كان هناك علاقة حميمية بينهما، أم علاقة حب عادية!لكني توصلت إلى ما يزيد من نيران قلبي الثائر، حين قال عن حبيبتي "مثيرة" وكأنه معتاد على تلقيها بهذا، وقد وترتدي ولم أحصل سوى على إجابة زادت من حيرتي. أردفتُ بمكر أداري به نيراني: "أنا أمزح معك، أخي، أنت تعلم ذلك جيداً."قلب زيد عينيه بضجر وتنهد بملل واضح: "كف عن مزاحك السخيف وهيا معي؛ كي أعرفك عليها، لعل ذلك يجعلها تطمئن قليلاً. فهي لم تعتد على أجواء مثل تلك التي تحيط بمنزلك، وأريدها أن تشعر بالارتياح وهي تتعامل هنا، هي حتى الآن لا تعلم شيئاً عن هويتك أو هوية المنزل، لذا احرص على أن تكون لطيفاً معها ولا تتمادى في سخافتك، حسناً؟"أجبتُه بحماس مصطنع: "لا تقلق،
42 - حبال المكر والخطوط الحمراء زيد فور وصولنا إلى المنزل، لاحظتُ حالة التوتر الشديد التي كانت تتملك روزي وتسيطر على حواسها. ظننتُ في بادئ الأمر أن هذا الوضع طبيعي تماماً؛ فهي ليست المرة الأولى التي تجتاحها فيها هذه المشاعر المقبضة وهي تقدم على أمر جديد، أو تطأ قدماها مكاناً غريباً لا تعرفه. لذا، رحلتُ أبحث بنظري عن رودجر في جميع أنحاء صالة الاستقبال الواسعة، كي يأتي وأعرفها عليه؛ لعل الحديث معه يشغل تفكيرها قليلاً، ويمحو آثار التوتر والخوف اللذين ينهشان صدرها. وحينما لم أعثر له على أثر في الطابق السفلي، اعتذرتُ منها برقة، وطبعتُ قبلة سريعة على شفتيها قبل أن أتركها تتجول في أرجاء المنزل، وصعدتُ إلى الطابق العلوي بحثاً عنه. وجدته واقفاً أمام باب إحدى الغرف، وهو يشير بيده إلى الخدم في الداخل بجدية، موجهاً إياهم لوضع مفروشات وردية اللون بعناية. اقتربتُ بخطوات هادئة وربتُّ على كتف رودجر، ليلتفت إليّ على الفور وترتسم ابتسامة خفيفة على شفتيه، ليردف بنبرة ترحيبية: "أوه زيد! لقد عدت، انظر ماذا فعلت! لقد جهزتُ لكما أفضل غرفة في منزلي؛ كي تشعرا بالراحة سوياً أنت وحبيبتك، كما أنني حرصتُ ع
41 - الغرفة المحرمة والهدية الأخيرة رود ارتسمت ابتسامة باردة على جانب شفتي، بينما أطلقت زفرة طويلة شعرت معها بأن صدري أصبح أخف للمرة الأولى منذ سنوات. روز... حبيبتي التي ظننتها ماتت... ستعود أخيراً. لكنها ستعود هذه المرة برفقة توأمي... زيد. مجرد تخيلها وهي تدخل هذا المنزل بجانبه أشعل ناراً لا توصف في داخلي، لكنني أجبرت نفسي على التزام الهدوء. الغضب لن يفيدني. أنا بحاجة إلى عقل بارد. هناك شيء لا أفهمه حتى الآن. كيف أصبحت روز مع زيد؟ كيف انتقلت مشاعرها إليه بعدما كانت تحبني بذلك الجنون؟ لا... الأمر ليس بهذه البساطة. أنا أعرف زيد جيداً، وأعرف أنه لن يدّعي أبداً أنه أنا، ولن يبني علاقته معها على كذبة كهذه. كما أن حديثه عنها لم يحمل أي إشارة إلى أنه خدعها أو استغل فقدان ذاكرتها. إذن... هناك حلقة مفقودة. شيء حدث في الماضي لا أعرفه. وروز وحدها تملك الإجابة. لهذا لن أتهور. سأدعها تذكره بنفسها... وسأعرف الحقيقة كاملة عندما أقف أمامها. ابتسمت بخفة. هذه فرصتي الأخيرة... ولن أضيعها. --- صعدت الدرج بخطوات سريعة حتى توقفت أمام الباب الذي لم يفتحه أحد منذ سنوات. باب غرفة روز.







