LOGINوقفت شهد في حديقة الفيلا والأنفاس تتصاعد من صدرها، تطالع عقارب ساعتها بقلب يخفق كالطبول ، تترقب في صمت وصول سيارة آدم . لم تمضِ سوى دقائق ثقيلة حتى انشق سكون القصر بصوت محرك مجنون؛ دخلت سيارة آدم الفارهة عبر البوابة المفتوحة بسرعة جنونية، وضغط على المكابح بقوة وحجم هائل، فتصاعدت صرخات الإطارات المحتكة بالإسفلت ورائحة المطاط الحارق تملأ الهواء، مما جعل قلب شهد ينتفض رعباً وتهوي أنفاسها. داخل السيارة، نظرت حور إلى ملامح آدم المتحجرة التي تشبه حديد السندان ، وقالت بنبرة حاولت إظهار الثبات بها: — «أنا سأعود إلى منزلي يا آدم.. لن أبقى هنا». لم يرد عليها بحرف؛ نزل من السيارة بخطوات عاصفة، وفتح بابها المجاور لها، ثم مد يده الحديدية ليقبض على معصمها بقوة وقسوة، وأنزلها من السيارة رغماً عنها، يجرها خلفه نحو الداخل. مرّا بجانب شهد التي تسمرت مكانها في الحديقة؛ لم تنبس شهد ببنت شفه ولا بنصف كلمة عندما رأت شرار النار الحارقة يتطاير من عيني آدم، وشعرت أن أي تدخل في هذه اللحظة سيفجر بركاناً لا يُبقى ولا يذر. دخلت شهد تسارع الخطى خلفهما، ودنت من حور وهي تهمس بلوعة وق
توجه يحيى بخطوات ثقيلة ومضطربة نحو باب غرفة العناية المركزة، ودفعه بقوة ليدخل وعيناه تتفحصان المكان بحثاً عن جثة ابنه أو بقايا أمل. اقترب من السرير بخطوات معذبة وهو يرمق الجسد الممدد، ثم وجه حديثه بنبرة حادة الجمت الحزن إلى الشابة المعصبة برداء الطب: — «كيف الحال أيتها الطبيبة؟ ماذا يحدث بالداخل ولماذا كل هذا التأخير؟». انخفضت حور ببراعة تحت غطاء الكمامة والحجاب، وقالت بنبرة حاولت إخفاء رجفتها بصوت مكتوم وهي تتحرك نحو الباب لتغادر الغرفة: — «الحمد لله.. المريض استعاد وعيه للتو وحالته المستقرة تسمح بالاطمئنان عليه». لم تجعل الفرحة العارمة التي قفزت في عيني يحيى ينتبه للنبرة ولا لصوت حور ؛ فقد اندفع كالمجذوب نحو سرير ابنه، والدموع تتلألأ في عينيه المجهدتين وهو ينادي باسم عامر بلهفة جارفة. في هذه اللحظة الخاطفة، كان آدم يقف بجوار الباب، يراقب حركة الطبيبة بذكائه الحاد وشدة ملاحظته؛ فلم تنطلِ عليه تلك الوقفات المرتجفة ولا طريقة مشيتها. تبع آدم الطبيبة بخطوات حثيثة وهادئة حتى ابتعدت كلياً عن مرمى عيون حراس يحيى المتأهبين في الممر. توقف
انتفضت شهد بجنون وذعر، وارتجف جسدها بالكامل وهي تبتعد عن آدم. أسرعت ونفضت بقايا اللذة لتفتح الباب، وشعرها الغجري مبعثر بعشوائية فوق كتفيها العاريتين، ولم تأبه حتى لملابسها غير المهندمة ولا لآثار الشغف الظاهرة على وجهها. نظرت إلى أروى بعينين تتسعان برعب جارف ، بينما كان آدم يلتقط قميصه الملقى على الأرض ويرتديه بسرعة خاطفة ، يُغلق أزراره بأصابع ترتجف غضباً وهو يرمق أروى بنظرة كالصاعقة: — «ماذا تقولين يا أروى؟! متى خرجت حور؟! وأين كنتِ أنتِ؟ ألم تكن تنام بجواركِ في الغرفة؟!». ردت أروى بدموع حارقة وصوت يتلعثم من الخوف: — «لا أعلم يا آدم! استيقظتُ ودخلتُ الحمام لدقائق، وعندما خرجتُ لم أجدها في السرير، وبحثتُ في كل الغرف ولم اجد أثر لها!». خرجت شهد إلى الممر تصرخ باسم صديقتها بصوت يملؤه الانهيار: «حور! حور أين أنتِ؟!». ركضت نحو الحديقة واستكشفت عتمتها، لكن لا أثر سوى لصفير الريح. اندفع آدم خلفها وأمسكها بقوة من ذراعها ليوقف ركضها الجنوني، وقال بصوت حاد قاطع: — «أنا أعرف تماماً أين ذهبت! ابقي مع أروى بالداخل فوراً ولا تغادري الفيلا!». توسلت شهد ودموعها تنهم
نظرت شهد إلى عينيه بشرر وذهول لم يخبُ بعد، وهتفت بنبرة يمتزج فيها الشك بالغضب: — «لا أصدقك يا آدم! علمتَ أنه يجهز لك فخ الزواج ومخططاً كاملاً.. ومع ذلك ذهبت بنفسك ووقعتَ على عقد الزواج؟!». أمسك آدم ذقنها بأصابعه الثابتة ليرغمها على النظر في عينيه المشتعلتين بالتحدي، وقال بنبرة واثقة: — «نعم.. وقعتُ، وجعلتُ يحيى يعتقد بفضل غروره أنه أجبَرني على التوقيع وكسر كبريائي! لكنني وقعتُ بإرادتي الكاملة. . وكسرتُ حصاره وتحررتُ بكريم بنفس اللحظة». اتسعت حدقتا شهد، واشتعل وجهها بالحمية: — «حقاً؟! وقعتَ بإرادتك.. وتطلب مني أن أعتذر عن الصفعة وتريدني أن أصدق أنك لم تتزوج؟! هل تريد إصابتي بالجنون يا آدم؟! أحب أن أهنئك لأنني بالفعل أصبحت مجنونة بحق بسببك!». انطلقت ضحكة خفيضة وساحرة من بين شفتي آدم، تحيط بها مشاعر الحب الجارف، وقال بنبرة تفيض بدلال رجولي: — «ماذا أفعل لكِ؟ أحب رؤيتكِ غاضبة هكذا. . وأعشق رؤية احمرار وجنتيكِ حين يثور بركانكِ! استمعي إليّ جيداً يا شهد.. ما لا يعلمه يحيى ولا أروى ولا أي مخلوق، أن الشخص الذي حضر في هيئة المأذون وكتب عقد الزواج ليس سوى رجل من ط
وسط عتمة الليل المهيبة، كان ضوء القمر الخافت يتسلل عبر أغصان أشجار الحديقة ، ليعكس بريقاً ساحراً في عيون شهد المندهشة. امتزجت في ملامحها فرحة طفولية بذهول صادم، ورغم أنها لم تستوعب بعدُ كيف أفلتَ من ذاك الزواج المحتوم ، إلا أن نبضات قلبها تسارعت بشغف جارف. وضع آدم سبابته على شفتيها الناعمتين، يهمس بنبرة خافضة تفيض بالحذر والجدية: — «اخفضي صوتكِ يا شهد.. لا أريد أن يعرف هذا الأمر أي شخص آخر على وجه الأرض، سوى أنا وأنتِ فقط! أي تسريب قد يفسد الخطة كاملة ويدمر كل ما أعد له». أومأت برأسها في صمت، فأحاط خصرها بذراعه القوية، وتحرك بها بنعومة داخل القصر الهادئ. ساد السكون التام أرجاء المكان، حيث انسحب الجميع إلى غرفهم يستريحون من وعثاء هذا اليوم الدامي وأحداثه المتلاحقة. دخلا معاً إلى غرفة المكتب الفاخرة، وأغلق آدم الباب الخشبي الثقيل بالمفتاح، ثم أدار القفل مرتين لضمان الخصوصية المطلقة. جلست شهد على الأريكة الجلدية تتنفس بصعوبة، وعيناها تلاحقانه بفضول ملتهب وهي تفرك كفيها: — «هيا يا آدم.. الفضول يأكلني! كيف لم تتزوج أروى ورأيتها بفستان الزفاف ؟!». ابتس
جلسَت حور على المقعد الخشبي في جوف الحديقة المظلمة، وأغمضت عينيها تستنشق الهواء البارد بعمق، لعلها تطرد حشرجة الخوف والندم التي تعتصر حنجرتها. قطعت نبرة آدم الهادئة والمتسائلة صمت المكان: — «ما الذي جاء بكِ إلى هناك أنتِ وعامر يا حور؟ ألم أقُل لكِ ألا تتحركي من الفيلا مهما حدث؟!». فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليه بعينين تفيضان بالدموع والوجع: — «شعرت بغصة في قلبي وقلق قاتل أن يفعلوا بك شيئاً.. فجئنا نراقب من بعيد بحذر، ولكنني لم أتمالك نفسي عندما رأيتك تمسك القلم.. اعتقدتُ حينها أنك لم توقّع بعد وجئتُ لأنقذك!». ضحك آدم بخفة مريرة، وهز رأسه بقلة حيلة: — «لا يا حور.. كنتُ قد وقّعتُ للتو وانتهى الأمر! وهل اعتقدتِ أن بيدكِ المرتعشة وتلك اللعبة المكشوفة سيهابكِ يحيى أو يتراجع؟!». اعتصرت حور كفيها، وهتفت بنبرة مكسورة: — «آدم.. أرجوك لا تذكرني بما حدث وما فعلتُه بعامر! كلما تذكرتُ كيف وجهتُ السلاح إلى صدره ودفعتُه ليفديني بدمائه، أشعر أن روحي تقتلع من مكانها!». اقترب آدم منها خطوة، وسألها بنبرة دافئة يملؤها الفضول الأخوي: — «حققاً يا حور.. متى أحببتما بعضكما بهذه الس






