Home / الرومانسية / هوسه بي فاق الحدود / البارت الثاني : وجودها كعدمه

Share

البارت الثاني : وجودها كعدمه

Author: heleenan
last update publish date: 2026-10-12 21:13:27

بعد نحو ساعة، انتهى دانيال وليليان من قضاء وقتهما معًا، ثم ارتدى دانيال ملابسه على عجل، حريصًا على مغادرة المنزل قبل أن يلتقي بأحد أفراد العائلة. خرج بخطوات سريعة، وهو يلتفت بين الحين والآخر إلى اليمين واليسار، متأكدًا من أن لا أحد يراه.

أما ليليان، فقد استسلمت للنوم العميق، دون أن تكترث بشيء آخر.

لم تستيقظ إلا على صوت والدتها وهي تناديها.

خرجت من غرفتها مسرعة، وقالت بنبرة متذمرة:

«ماذا تريدين؟»

نظرت إليها والدتها باستغراب، ثم سألتها:

«لماذا تأخرت سيرينا اليوم؟»

أجابتها ليليان بهدوء:

«لقد عادت مبكرًا اليوم. إنها في غرفتها، على الأرجح.»

توجهت والدتها إلى الغرفة التي تنام فيها سيرينا، وما إن دخلت حتى وجدتها مستلقية على السرير. اقتربت منها ونادتها بحدة:

«سيرينا! ماذا تفعلين هنا؟ ألم تذهبي إلى العمل اليوم؟»

فتحت سيرينا عينيها بصعوبة، ثم مدت يدها نحو نظارتها ووضعتها على عينيها قبل أن تجيب بصوت متعب:

«كنت مريضة اليوم، لذلك عدتُ مبكرًا من العمل.»

تغيرت ملامح والدتها، ونظرت إليها بغضب.

«سيغضب صاحب العمل منكِ إذا واصلتِ التصرف بهذه الطريقة!»

تنهدت سيرينا، فقد كانت تشعر بإرهاق شديد، ولم تكن تملك الطاقة للدخول في جدال جديد معها.

«لقد أخبرته أنني مريضة، ولم تكن لديه أي مشكلة. لم أستطع الوقوف على قدميّ اليوم.»

أشاحت والدتها بيدها، وكأنها لم تعد ترغب في سماع المزيد.

«حسنًا، كفى كلامًا! .»

ثم أضافت، وكأنها تتذكر أمرًا مهمًا:

«ستزورنا عائلة دانيال اليوم. لقد دعاهم والدك إلى العشاء.»

نظرت إليها سيرينا في صمت للحظات، قبل أن تسألها:

«وماذا سأفعل أنا؟»

أجابتها والدتها ببرود، دون أن يبدو عليها أدنى تردد:

«ستبقين في غرفتك طوال فترة العشاء. هذا هو الأفضل.»

لم تتفاجأ سيرينا من كلامها. فقد اعتادت سماع مثل هذه الأوامر حتى أصبحت بالنسبة إليها أمرًا عاديًا، جزءًا لا يتجزأ من حياتها اليومية.

كانت والدتها تخجل منها، أو هكذا شعرت سيرينا طوال الوقت. لذلك، لم يكن غريبًا أن تطلب منها الاختباء في غرفتها كلما استقبلت العائلة ضيوفًا. لم تكن تريدها أن تظهر أمامهم، وكأن وجودها قد يفسد عليهم أمسيتهم.

أطرقت سيرينا برأسها قليلًا، ثم أجابت بصوت خافت:

«حسنًا، سأبقى في غرفتي.»

غادرت والدتها الغرفة دون أن تضيف كلمة أخرى، تاركة إياها وحدها مع أفكارها.

في الحقيقة، لم تكن سيرينا ترغب في البقاء حبيسة غرفتها. كانت تتمنى لو تستطيع الخروج، أو التجول في مكان ما، أو حتى الجلوس في مقهى صغير بعيدًا عن هذا المنزل الذي لم تشعر فيه يومًا بأنها تنتمي إليه.

لكنها لم تكن تملك حرية الاختيار.

كان والدها يمنعها من الخروج، وكان عليها أن تذهب إلى العمل ثم تعود مباشرة إلى غرفتها، وكأن حياتها لا تتجاوز هاتين المحطتين. لا نزهات، ولا أصدقاء، ولا لحظات بسيطة تستطيع فيها أن تنسى واقعها ولو قليلًا.

كان ذلك هو روتينها اليومي، روتينًا رتيبًا لا يتغير مهما مرّت الأيام.

أغلقت سيرينا باب غرفتها، ثم عادت إلى سريرها واستسلمت للنوم من جديد، دون أن تتناول شيئًا طوال اليوم.

لكن النوم لم يدم طويلًا.

بعد ساعات، بدأت تشعر بالجوع. دفنت وجهها في وسادتها، وحاولت تجاهل الألم الذي يعتصر معدتها، ثم تقلبت في فراشها بحثًا عن وضعية مريحة تساعدها على النوم.

لم تستطع.

كان الجوع أقوى من رغبتها في الراحة.

من خلف الباب المغلق، كانت تصل إليها أصوات أفراد عائلتها وهم يتحدثون ويضحكون ويمزحون مع ضيوفهم. بدت أصواتهم دافئة ومفعمة بالحياة، وكأن المنزل يحتضن أمسية عائلية مثالية.

أما هي، فكانت مستلقية في غرفتها المظلمة، وحيدة، جائعة، ومنهكة.

لم يسأل عنها أحد.

لم تفكر والدتها في إحضار الطعام إليها، ولم يكلف أي فرد من العائلة نفسه عناء الاطمئنان عليها. كانوا يتصرفون وكأنها غير موجودة أصلًا، وكأن غرفتها الفارغة لا تخفي خلف بابها فتاة تتألم بصمت.

شعرت سيرينا بغصة مؤلمة في حلقها.

لم يكن الجوع وحده ما يؤلمها، بل ذلك الشعور القاسي بأنها لا تعني شيئًا لأحد. كانوا يجتمعون حول مائدة واحدة، يتبادلون الأحاديث والضحكات، بينما تُركت هي وحدها لتواجه جوعها ووحدتها.

ولم تكن تلك المرة الأولى.

كانت تعرف جيدًا أن لا أحد سيطرق بابها حاملًا طبقًا من الطعام، ولا أحد سيتذكر أنها لم تأكل طوال اليوم.

ومع ذلك، كان هناك شيء واحد يجعلها أكثر يقينًا من كل ذلك: لو كانت ليليان هي التي بقيت في غرفتها مريضة، لما تركتها والدتها جائعة ولو لدقيقة واحدة.

كانت ستهتم بها، وتسألها عما تحتاج إليه، وربما تحمل إليها الطعام بنفسها.

أما سيرين، فلم يكن أحد يكترث حتى بوجودها.

أغمضت عينيها بقوة، محاولةً كبح الدموع التي بدأت تتجمع فيهما.

لم تكن تريد البكاء.

لكن كيف يمكن للمرء ألا يبكي، حين يشعر بأنه غريب في المكان الذي يُفترض أن يكون بيته؟

في تلك الليلة، لم تكن سيرين بحاجة إلى الكثير. لم تكن تنتظر هدية، ولا كلمة حب، ولا حتى اعتذارًا.

كانت تريد فقط أن يتذكرها أحد.

أن يسأل عنها أحدهم، ولو مرة واحدة.

أن تشعر، ولو للحظة قصيرة، بأنها ليست مجرد شخص زائد عن الحاجة في حياة الآخرين.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • هوسه بي فاق الحدود   البارت الخامس : رجل من عالم آخر

    غادر داميان المكتبة أخيرًا، حاملًا الرواية التي اقترحتها عليه سيرين.اتجه نحو سيارته السوداء الفاخرة، وفتح الباب ثم ألقى الكتاب على المقعد المجاور لمقعد السائق. جلس خلف المقود، وأغلق الباب، لكنه لم يشغّل المحرك على الفور.ظل جالسًا في مكانه، يحدق أمامه بشرود.كان يشعر وكأنه عاد للتو من عالم آخر، عالم انفصل فيه عن كل ما يحيط به طوال الدقائق التي قضاها معها. لم يكن قد شعر بمرور الوقت، ولم ينتبه إلى الأشخاص الذين كانوا يراقبونهما، بل إن كل ما استطاع التركيز عليه كان وجهها وصوتها وهي تتحدث بحماس عن روايتها المفضلة.أطلق ضحكة قصيرة، ثم مرر يده في شعره بعصبية.ما الذي يحدث له بحق الجحيم؟لقد جاء إلى هذا المكان من أجل غاية محددة، وكان ينبغي له أن يستغل وجوده بالقرب منها ليخطو أولى خطواته نحو الانتقام، لا أن يقف أمامها مستمعًا إلى حديثها عن قصة حب خيالية، وكأنه مراهق يكتشف الحب للمرة الأولى.ألقى نظرة على الكتاب الموجود بجانبه، ثم تنهد.«يا للسخرية!»تمتم بالكلمة قبل أن يدير المحرك وينطلق بسيارته.أما داخل المكتبة، فكانت سيرينا لا تزال واقفة في مكانها، تحدق في الباب الذي غادر منه داميان.لم ت

  • هوسه بي فاق الحدود   البارت الرابع : مفتون بها

    ما إن خرجت سيرينا من المبنى حتى عادت صورة الرجل الذي التقت به في الصباح إلى ذهنها.لم تكن قد تأملت ملامحه جيدًا، فقد كان الموقف مفاجئًا، وكل ما شغلها حينها هو مساعدته على التنفس. ومع ذلك، كان هناك شيء مميز في مظهره، شيء جعل صورته تظل عالقة في ذاكرتها رغم مرور الوقت.واصلت سيرينا طريقها نحو العمل، وعقلها منشغل به.ماذا يفعل رجل مثله في مبنانا؟ هل جاء لزيارة أحد الجيران، أم أنه يسكن هناك؟هزت رأسها بخفة، وكأنها تحاول التخلص من فضولها غير المبرر.وما شأني أنا؟لم تكن تعرفه، وربما لن تراه مرة أخرى. لذلك، قررت أن تنسى الأمر وتتابع يومها كالمعتاد.عندما وصلت سيرينا إلى المكتبة، وجدت صديقتها جوليا قد سبقتها.ما إن رأتها جوليا حتى اقتربت منها وسألتها باهتمام:«كيف حالك الآن؟ هل تشعرين بتحسن؟»ابتسمت سيرينا ابتسامة صغيرة وأجابتها:«أنا بخير الآن، شكرًا لكِ.»«هذا جيد. لقد قلقت عليكِ بالأمس.»لم ترغب سيرينا في إطالة الحديث عن حالتها، فاكتفت بابتسامة أخرى، ثم اتجهت نحو مكتبها وخلعت معطفها قبل أن تبدأ عملها.كانت تعمل أمينةً للمكتبة، تتولى ترتيب الكتب وتصنيفها، ومساعدة الزوار في العثور على العناو

  • هوسه بي فاق الحدود   البارت التالث : غريب قرب منزلي

    في الشقة الواقعة في الطابق الثاني عشر من المبنى نفسه، وقف رجل أمام النافذة، يتأمل الشارع بعينين باردتين.كان وسيمًا على نحو لافت، بملامح حادة وقاسية، وقامة فارعة وجسد رياضي يوحي بالقوة. بين أصابعه استقرت سيجارة مشتعلة، بينما كان الدخان يتصاعد ببطء حول وجهه. عبثت نسمات الهواء بخصلات شعره السوداء المتمردة، لكنه لم يبدِ أي اهتمام بذلك، فقد كان عقله منشغلًا بأمر آخر.كيف سيقترب من فريسته دون أن يثير شكوكها؟كيف سيجعلها تسقط في الفخ الذي أعدّه لها، دون أن تدرك ما ينتظرها؟حتى الآن، لم يكن قد التقاها وجهًا لوجه. كل ما يعرفه عنها هو ما جمعه من معلومات، وكل ما رآه من ملامحها لم يتجاوز صورة احتفظ بها لنفسه.لكن ذلك سيتغير قريبًا.كان اليوم هو الأول له في هذه الشقة، غير أن انتقاله إليها لم يكن قرارًا عشوائيًا، ولا خطوة اتخذها دون تفكير. لقد خطط لكل شيء بعناية، وكان يعرف جيدًا أن الوصول إلى هدفه يتطلب منه الاقتراب منها، وأن يصبح جزءًا من محيطها قبل أن يبدأ بتنفيذ ما يريده.سيرينا...ردد اسمها في ذهنه، ثم أدار رأسه نحو الطاولة الصغيرة المجاورة للنافذة. فتح الدرج وأخرج منه صورة فوتوغرافية.كانت ال

  • هوسه بي فاق الحدود   البارت الثاني : وجودها كعدمه

    بعد نحو ساعة، انتهى دانيال وليليان من قضاء وقتهما معًا، ثم ارتدى دانيال ملابسه على عجل، حريصًا على مغادرة المنزل قبل أن يلتقي بأحد أفراد العائلة. خرج بخطوات سريعة، وهو يلتفت بين الحين والآخر إلى اليمين واليسار، متأكدًا من أن لا أحد يراه.أما ليليان، فقد استسلمت للنوم العميق، دون أن تكترث بشيء آخر.لم تستيقظ إلا على صوت والدتها وهي تناديها.خرجت من غرفتها مسرعة، وقالت بنبرة متذمرة:«ماذا تريدين؟»نظرت إليها والدتها باستغراب، ثم سألتها:«لماذا تأخرت سيرينا اليوم؟»أجابتها ليليان بهدوء:«لقد عادت مبكرًا اليوم. إنها في غرفتها، على الأرجح.»توجهت والدتها إلى الغرفة التي تنام فيها سيرينا، وما إن دخلت حتى وجدتها مستلقية على السرير. اقتربت منها ونادتها بحدة:«سيرينا! ماذا تفعلين هنا؟ ألم تذهبي إلى العمل اليوم؟»فتحت سيرينا عينيها بصعوبة، ثم مدت يدها نحو نظارتها ووضعتها على عينيها قبل أن تجيب بصوت متعب:«كنت مريضة اليوم، لذلك عدتُ مبكرًا من العمل.»تغيرت ملامح والدتها، ونظرت إليها بغضب.«سيغضب صاحب العمل منكِ إذا واصلتِ التصرف بهذه الطريقة!»تنهدت سيرينا، فقد كانت تشعر بإرهاق شديد، ولم تكن تمل

  • هوسه بي فاق الحدود   البارت الأول : أختي عدوتي الأولى

    كانت عائدة من العمل في وقت الظهيرة، على غير عادتها. كانت شابة في أواخر العشرينيات من عمرها، طويلة القامة، بشعر كيرلي ونظارات تُبرز عينيها الخضراوين، بينما تزين وجهها بعض النمشات الخفيفة. كانت ترتدي تنورة سوداء طويلة ومعطفًا كلاسيكيًا محتشمًا، لكن ملامحها بدت شاحبة بسبب الألم الذي كانت تشعر به.كانت تمشي ببطء، واضعةً يدها على بطنها، فقد باغتتها آلام الدورة الشهرية منذ الصباح، ولم تعد قادرة على الوقوف طويلًا لأنها كانت تشتغل في مكتبة وعملها يتطلب الوقوف كثيرا . وحين وصلت إلى العمارة، صعدت إلى الطابق الخامس حيث يقع منزل عائلتها, التي كانت تتكون من ختها ليليان وابيها وأمها و هي كانت تدعى سيرينا أخرجت مفاتيح المنزل من حقيبتها بصعوبة، وفتحت الباب ثم أغلقته خلفها. كان والدها في العمل، ووالدتها قد ذهبت لزيارة خالتها، أما أختها ليليان، فكانت تعتقد أنها في عملها كعادتها, لقد كانت أختها تشتغل في شركة مرموقة لتصميم الأزياء عكسها التي كانت تشتغل في المكتبة رغم أن أختها ليليان كانت أصغر منها بست سنوات , وهذا الأمر كان يزعجها كثيرا لأ، والديها دائما كانا يفضلان ليليان عنها هي ,ليليان كانت شابة جميل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status