ANMELDENكان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.
وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحملانِ بريقَ النصرِ، وجهها يفيضُ بـ هيبةِ السلطانة التي لا تقبلُ القسمةَ على اثنين، ليلى التي تحمي عرينَها بـ قلبها وعقلها. شعرَت ليلى بأنفاسها تضيق، وبدأ الصداعُ ينهشُ رأسها. كانت المرايا تتكلمُ بأصواتٍ تشبهُ صدى صوتها، تتلاعبُ بوعيها: "اختاري يا وردة النجع.. أي واحدة فينا إنتي؟ الضعيفة اللي بتبكي على الأطلال؟ ولا الخاينة اللي باعت حبها بـ ثمن بخس؟ ولا السلطانة اللي فاكرة إنها تقدر تقف قصاد قدرٍ مكتوب بـ دماءِ السيوفي؟". أغمضت ليلى عينيها بقوة، محاولةً طرد هذه الأصوات، لكنها شعرت بـ "يدِ قاسم" تلامسُ كتفها في الخيال، وكأن صوته يهمسُ في أذنها: "أنا ما حبيت ضعيفة، ولا حبيت خاينة.. أنا حبيت اللي وقفت في وش المدفع بـ إيمانها". فتحت ليلى عينيها، ونظرت بحدةٍ إلى المرآة التي تمثل "خوفها"؛ تلك المرآة التي كانت تعرضُ صورتها وهي تنكسر أمام نظراتِ قاسم الخائبة. أدركت ليلى في تلك اللحظة أنَّ خوفها الأكبر لم يكن من الموت، ولا من المنظمة، بل كان من أن "تخيبَ ظنَّ قاسم فيها". بقبضةٍ لا ترتجف، سحبت ليلى خنجرها من حزامها، وصرخت بـ إيمانٍ صعيديٍّ هزَّ أركان الوادي: "أنا مش ضعيفة عشان أنكسر، ولا خاينة عشان أبيع أهلي.. أنا "الوردة" اللي شوكها بيحرق كل مين يفكر يقرب من عريني! خوفي الوحيد كان إني أضعف، والنهاردة أنا بكسر الخوف ده عشان قاسم، وعشان العهد اللي بينا اللي ما يعرفش الذل!" بـ ضربةٍ خاطفةٍ وقوية، هوت بالخنجرِ على سطحِ المرآة التي تعكسُ صورتها الضعيفة. تحطم الزجاجُ إلى آلاف القطع، محدثاً دويّاً صاخباً تردد صداه في أرجاء الجبل. لم تتوقف عند هذا الحد، بل التفتت إلى المرآة التي تمثل "الخيانة"، ووجهت إليها ركلةً قويةً حطمت إطارها المذهب، لتتناثر الشظايا كـ المطرِ الأسود. ومع كل تحطمٍ لـ مرآة، كانت تشعرُ بأنَّ قطعةً من قيودِ قلبها تتساقط، وكأنها تتحررُ من وهمٍ طالما أرقَ لياليها. ظلت المرآة الثالثة فقط، تلك التي تعكسُ صورة "السلطانة". كانت الصورةُ تبدو أكثر وضوحاً، أكثر صفاءً، وكأنها تدعوها لأن تقترب. اقتربت ليلى، ولمست سطح الزجاج، لتجد صورتها تمتدُ نحوها، لتمسح بيدها على وجهها، وكأنها تقول لها: "أنتِ القوة.. أنتِ العهد.. أنتِ قاسم". شعرت ليلى بـ طاقةٍ هائلةٍ تتسربُ إلى عروقها، طاقة جعلت يديها تلمعان بـ لونٍ ذهبيٍّ باهت. التفتت ليلى خلفها، لتجد سليم يقفُ مذهولاً، وهو يشاهدُ كيف تحطم الوادي من حولها، وكيف أصبحت هي المحور الذي تدور حوله طاقة المكان. قالت ليلى بـ نبرةٍ واثقة، وملامحٍ لم تعد تعرفُ معنى الوجل: "يا سليم، الخوف ده كان سجن أنا اللي بنيته بـ إيدي.. والنهاردة أنا هديت السجن ده، وهدّيت كل اللي وراه. الطريق لـ قاسم مابقاش بـ الخريطة، الطريق لـ قاسم دلوقتي بـ قلبي.. أنا عارفة هو فين، وعارفة إيه اللي بيواجهه، ومستعدة أواجه معاه أي شيطان في الأرض دي." انحنى سليم احتراماً لها، فقد رأى في عينيها سلطانةً لا تملكُ تاجاً، بل تملكُ روحاً ترفضُ الانحناء. ساروا معاً نحو مخرجِ الوادي، والريحُ خلفهم تحملُ أصداءَ المرايا المحطمة، في إعلانٍ بأن "ليلى" لم تعد تلك المرأة التي تبحثُ عن زوجها، بل أصبحت القوةَ التي ستعيدُ ترتيبَ أوراقِ الصعيد، وتُثبتُ للعالمِ أنَّ عهدَ الراوي، الذي نُقشَ بالحبِّ والدمِ، هو العهدُ الذي لا تكسرهُ أهوالُ الزمانِ ولا مرايا الخوفِ الزائفة. كانت ليلى تسيرُ بخطواتٍ واثقة، وكأنها تمشي على مياهٍ هادئة، وكلما مرَّت على صخرةٍ، كانت تشعرُ بـ وجودِ قاسم يزدادُ قرباً، وكأنَّ قلبها صار بوصلةً لا تخطئ، وروحها صارت درعاً لا يُخترق، لتعلنَ للجميع أنَّ "الوردة" قد أينعت، وأنَّ "السلطان" سيعود، ليس لعرشٍ من خشبٍ وحجر، بل لعرشٍ في قلبِ امرأةٍ أبت إلا أن تكونَ هي الحقيقة، لا الوهم، وهي النصر، لا الهزيمة. خرجت من الوادي بـ وقارٍ لا يملكه إلا الملوك، وعيناها مصوبتانِ نحو الجبلِ الذي يحملُ سرَّ قاسم، مدركةً أنَّ ما تبقى من رحلتهم لن يكونَ مجردَ بحثٍ، بل سيكونُ ملحمةً جديدةً تُروى للأجيال، ملحمةً عن "عشقٍ" كان أقوى من المرايا، وعن "امرأةٍ" تحدت الأقدارَ لتكونَ هي الحصنَ الذي لا يلين. انشق الصمتُ بقوة في وادي المرايا حين هوت ليلى بقبضتها الممسكة بنصل الخنجر الصعيدي العتيق على زجاج مرآة الخوف. لم يكن الانكسار مجرد صوت لزجاج يتحطم، بل كان أشبه بدويّ رعدٍ انطلق من جوف الجبل ليتردد صداه في الدهاليز والمغارات السحيقة، معلناً نهاية عهد الارتجاف وبداية زمن المواجهة. تكسرت شظايا المرآة التي كانت تعرض ضعفها وقلة حيلتها، وتناثرت قطعاً مجهرية لامعة كدموعٍ تحجرت ثم انتحرت على الصخور الباردة. تراجعت ليلى خطوة واحدة إلى الوراء، وأنفاسها المتلاحقة تصعد وتهبط في صدرها كأمواج بحرٍ هائج، بينما كان الغبار الممزوج ببريق الزجاج المحطم يدور حولها كإعصار مصغر. رفعت رأسها ببطء، والدم يسيل من جرحٍ صغير في أنملة سبابتها، خطٌّ قرمزيّ دافئ سال ليمتزج بفضة المقبض ونقوش الأجداد المحفورة عليه. لم تلتفت للجرح، بل صوّبت عينيها الواسعتين نحو المرآة الكبرى التي بقيت صامدة في المركز، المرآة التي لم تكن تعكس شكلاً زائفاً أو خوفاً دفيناً، بل كانت تعرض صورتها الحقيقية؛ صورة "السلطانة" التي ولدت من رحم المعاناة والصبر. في تلك اللحظة، رأت نفسها كما هي وكما يجب أن تكون؛ واقفة بقوامها الممشوق كالنخلة الصعيدية التي لا تنحني لريح، عباءتها السوداء تحيط بها كجناحي صقرٍ يستعد لبسط نفوذه على الوادي، وعيناها تلمعان بنارٍ لا تخبو، نارٍ تغذيها الذكريات وعشق قاسم الذي يسري في عروقها مسرى الدم. نظرت إلى طيفها في المرآة، ولأول مرة منذ اختفاء زوجها، لم تشعر بالوحدة أو الضياع، بل شعرت بجسارة تملأ أركان روحها. تحدثت ليلى، وجاء صوتها عميقاً، جهورياً، يحمل بحّة الشجن الصعيدي الأصيل ومصحوباً بنبرة آمرة لا تقبل التردد أو المراجعة، وقالت وهي تواجه صورتها بملء فمها وكبريائها: ـ "خلاص يا جبل.. خلاص يا مرايا الوهم والغدر. الزمن اللي كنت فيه ليلى الخايفة اللي بتبكي في ركن السرايا عاد وفات. أنتم فاكرين إنكم بـ تخايلوني بـ ضعفي؟ فاكرين إني هسيب قاسم يواجه شياطين الماضي والداخل لـ وحده؟ لاه.. وعزة جدي ومنصور الراوي ما يحصل واصل! أنا مش وردة لـ الزينة، يتفرّجوا عليها الأسياد ويشموا عطرها في الليالي الملاح.. أنا شوك بـ يحمي العرين! أنا الشوك اللي ع يدمي يد كل خاين يمد صابعه لـ السرايا، والسم اللي ع يجريه قاسم في عروق كل مين فكر يبيع ذرة تراب من نجعنا!" الالتفاتة المفاجئة من ليلى جعلت خصلات شعرها الأسود الغجري تتطاير حول وجهها كألسنة لهبٍ مظلمة. تقدمت نحو المرآة الباقية حتى كاد نصل خنجرها يلامس سطحها المصقول. كانت الرومانسية في هذه اللحظة الطاحنة لا تكمن في الهمس أو النظرات الناعمة، بل في هذا العشق العنيف الطاغي الذي تحول إلى قوة قتالية وعقيدة بقاء. كانت ليلى تدافع عن قاسم بتبني صفاته؛ أخذت منه عناده، شموخه، وصلابته الصعيدية التي تجعل الجبال تلين ولا يلين هو. في تلك الأثناء، صعد "سليم" من الممر الضيق ليدخل الوادي، لاهثاً، وسلاحه الآلي في يده بعد أن تتبع خطى عاصم ورسالة الحاجة نبيلة المشفرة. توقف في مكانه متسمراً، وعيناه تتسعان بذهول وهو يرى ليلى تقف وسط ركام الزجاج المحطم، محاطة بهالة من الضوء الذهبي الدافئ الذي بدأ ينبعث من تشققات الصخر بفعل تحطم لعنة الوادي. لم يرَ فيها ابنة النجع التي تحتاج لحراسة، بل رأى مقاتلة صعيدية من طراز رفيع، امرأة تعيد صياغة مفهوم القوة في ديار الراوي. مشى سليم خطوات حذرة، وصوت حذائه العسكري يحتك بالشظايا، وقال بنبرة ملؤها الانباء المترع بالقلق والمؤامرات: ـ "يا ليلى.. اسمعيني زين واهدي. الرسالة وصلتني من أمي الحاجة نبيلة. السرايا مقلوبة، والمحامي الخاين وجابر ع يدبروا لـ فخ كبير. باعتين فوزية بنت عم قاسم ع السرايا بكرة الصبح عشان تعمل شوشرة وتلم العيلة، وفي نفس الوقت جابر ع يبلغ رجالة المنظمة بـ مكاننا هنا في الجبل عشان يخلصوا علينا لـ وحيدنا. المعركة مابقتش بره.. المعركة بـ تنخر في عضم الدار من جوه يا بنت الأصول." التفتت إليه ليلى ببطء، ولم تكن ملامحها تحمل أي مفاجأة أو ذعر، بل ابتسمت ابتسامة باردة تحمل في طياتها دهاءً صعيدياً توارثته الأجيال. ردت بصوت هادئ ومخيف في آنٍ واحد: ـ "عارفة يا سليم.. حاسة بـ فحيح الحيايا من قبل ما أمي تكتب رسالتها. الخونة دول فاكرين إن السرايا صبحت من غير صاحب، وفاكرين إن فوزية بـ شياكة البندر وعقودها القديمة ع تخوفنا. جابر والمحامي باعوا أصلهم لـ المنظمة ولـ جوليا، بس هما غفلوا عن حاجة واصل.. غفلوا إن العرين لسه فيه سباع، وإن قاسم ما سابش وراه حريم تتباكى، ساب وراها سلطانة بـ تقرأ الرمل وتعرف خبيئة النفوس." خطت ليلى نحو سليم، ورفعت الخنجر ليمر ضوء الكشاف العسكري على نصله، وتابعت بنبرة مليئة بالتخطيط والمؤامرة المضادة: ـ "جابر ع يفتكر إنه ع يسلمني لـ المنظمة؟ زين قوي.. خليه يفتكر لـ حد ما يقع في شر أعماله. أمي نبيلة بـ حكمتها أكيد ع تدير اللعبة في السرايا وع تخليهم يجروا ورا سراب في الشمال، وإحنا هنا ع نكمل طريقنا لـ حد ما نوصل لـ البوابة ونجيب قاسم. سليم.. إنت عسكري وتعرف لغة السلاح، وأنا صعيدية وأعرف لغة التار. مش ع نرجع النجع واصل إلا وقاسم ويانا، واليوم اللي ع ندخل فيه السرايا ع يكون يوم الحساب لـ كل خاين وكل كلب أكل من زادنا وخان العهد." سليم نظر إليها بتقدير نابع من أعماقه، وأدرك أن تحذيراته لم تزدها إلا إصراراً. الغيرة التي كانت تحرك ليلى في البداية من ذكرى ماضي قاسم أو ظهور أي طرف ثالث تلاشت تماماً، وحل محلها عشقٌ ناضج، عشقٌ يرى في قاسم الأرض والعرض والكرامة التي لا يمكن التفريط فيها. الغيرة أصبحت وقوداً للنار التي ستحرق الأعداء، وليست ناراً تحرق قلبها بالشك. ـ "أنا وياكِ يا سلطانة،" قال سليم وهو يضرب كفّه على صدره بقوة وعزة. "دم أخوي قاسم مش ع يروح هدر، والكلاب اللي في الداخل ع نلمهم لـ وحيدهم. قوليلي، كيف ع نعدي الممر الجاي والمنظمة بـ تراقب الجبل؟" نظرت ليلى إلى المرآة الأخيرة، وصورتها الشامخة تنعكس فيها بوضوح، ثم قالت بلهجة حاسمة: ـ "ع نعدي بـ اسم العهد يا ولد عمي. الجبل ده بيسمع لـ أهله، والمرايا اللي اتكسرت دي حررت روحي من كل خوف. خليهم يدبروا، وخليهم يجمعوا رجالهم.. الشوك اللي في يد الوردة ع يقطع حبال مكرهم كلها. ياللا بينا.. الفجر ع يشق، وقاسم بـ ينادينا من ورا البوابة، وأنا مش ع خليه ينتظر كتير." انطلقت ليلى في مقدمة الممر، وعباءتها السوداء تخفق وراءها كراية حرب، متبوعة بسليم الذي وضع خطته العسكرية في خدمة بصيرتها واندفاعها الملكي. تركا وراءهما وادي المرايا محطماً، شاهداً على أن امرأة من نسل الراوي قد غسلت خوفها بالدم والتحدي، وأن الرحلة التي بدأت ببحثٍ عن زوجٍ مفقود تحولت الآن إلى ملحمة تطهير لنجعٍ كامل من دنس الخيانة والمؤامرات الخفية التي حيكت في عتمة الليل، معلنةً للكون كله أن العرين محروس، وأن الشوك جاهز للمعركة الكبرى.انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال
كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."
لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟
بعد أن تجاوزا كهوف التاريخ، انفتح أمام ليلى وسليم ممرٌّ طبيعيٌ شاهقٌ يُعرف في أساطير الجبل بـ "وادي الصمت". لم يكن مجرد مكانٍ خالٍ من الضجيج، بل كان فراغاً مشحوناً بطاقةٍ غامضة، وكأن الهواء فيه كُثف ليصبح وسطاً ناقلاً للمشاعر لا للأصوات. بمجرد أن وطئت أقدامهما رماله الفضية، تلاشى هدير الرياح، وخمدت أنفاسهما القلقة، وكأن الوادي يمتص القدرة على النطق كما يمتص الغسقُ النورَ الأخير. كان الصمتُ هناك ثقيلاً، يضغط على طبلة الأذن ويثقل كاهل الروح، جاعلاً من أبسط حركةٍ تبدو وكأنها صرخةٌ مدوية.سار سليم في المقدمة، يده على خنجره، عيناه تجولان في الأفق بحذرٍ عسكريّ، بينما كانت ليلى تتبعه، تحاول بكل قوتها أن تضبط إيقاع أنفاسها. كان الصمت يضغط على أعصابهما لدرجة أن سليم أصبح يسمع دقات قلبه، وكان يشعر وكأن أفكارهما المتوترة تتصادم في الهواء كشراراتٍ مجهرية. لم يكن بوسعهما التحدث لكسر هذا الحصار الخانق، ففي "وادي الصمت"، يُقال إن أي كلمةٍ تنطقها قد تكون الأخيرة، لأنها تفتح ثغرةً في أمان المكان وتجذب الكيانات التي تعيش في طيات السكون.فجأة، وبدلاً من الحجارة الصماء، بدأت ليلى ترى شيئاً يلمع
استفاق "قاسم الراوي" من غيبوبته الزمنية ليجد نفسه في فضاءٍ لا يحده بصر، فضاءٍ يمتزج فيه ضبابُ الأزل ببريقِ الحاضر. كان المكان عبارة عن قاعةٍ رحبةٍ جدرانها من صوانٍ أسود صُقلَ عبر دهورٍ من العزلة، وفي صدرِ القاعة، على مقاعدَ منحوتة من جذوع شجرِ جميزٍ عتيق، جلس سبعةُ رجالٍ يرتدون جلاليبَ صعيديةً من الكتان الخشن، مطرزة بخيوطٍ تبدو وكأنها ضوءُ النجوم، وجوههم محفورةٌ بتضاريس الجبل، ولحاهم البيضاء تنسدل كأنها شلالاتُ حكمةٍ لا تنضب. هؤلاء كانوا "حكماء العهد"، حراس أسرار الراوي الذين لا تدركهم العين البشرية إلا في لحظاتِ الحسم.وقف قاسم بوسط القاعة، جسده العاري إلا من آثارِ معارك الجبل، عضلاته المشدودة تنبض بقوةٍ لا تعرف الوهن. لم يكن خائفاً، بل كان واقِفاً وقفةَ الجبلِ الذي لا تهزه ريح. تقدم أكبر الحكماء سناً، وكان صوته أشبه بوقعِ الخطواتِ على أرضِ مغارةٍ سحيقة: "يا ولد الراوي.. يا مَن حملتَ العهدَ وكسرتَ القيد، لقد أتينا بك لتمتحن. النجعُ يا قاسم أمانة، والوردةُ اللي عشقتها هي قيدُك في دنيا البشر.. فإذا أردتَ النجاةَ والعودةَ للعرين، فعليك أن تختار. هل تضحي بالنجع، بدم أهلك، وبأرض أجد







