Masukانطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.
وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج. تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" الخاص به، الفخ الذي ينبش في أعمق جراح الروح ويجسد أسوأ الكوابيس. في جوف المرآة، لم يرَ سليم أعداءً من المنظمة، بل رأى مشهداً مزق نياط قلبه؛ رأى أخاه قاسم مغلولاً بسلاسل من نار، وجسده ينزف، وبجانبه كان يقف "خالد"، شقيق سليم الراحل الذي مات غدراً بسبب مؤامرات السيوفي القديمة. كان خالد في المرآة ينظر إلى سليم بلومٍ وعتاب، ويقول بصوت صدى يتردد في الجمجمة: "سيبت تاري يا سليم؟ جيت الجبل تدور على ولد عمك ونسيت دم أخوك اللي شربته الأرض؟ إنت عسكري فاشل ما عرفتش تحمي خيك ولا عرفت تاخد حقه!". بدأ سليم يترنح، وكأن قوى غير مرئية تجذبه نحو سطح الزجاج لتبتلعه وتدخله في دهاليز الجنون الأبدي. كانت يداه تمتدان نحو المرآة رغماً عنه، وجبينه يتصبب عرقاً بارداً، وهو يصرخ بوجع وشجن صعيدي يقطع القلوب: ـ "لاه.. لاه يا خالد! وعزة جلال الله ما نسيت دمك واصل! أنا جيت اهنه عشان أطهر الجبل من دنسهم.. قاسم خيي وقاسم هو اللي ع يرجع حقنا كلنا.. ما تبصليش كديه يا خوي.. أنا دمك ع يغلي في عروقي لليوم!". أدركت ليلى فوراً أن سليم يضيع، وأن الفخ يمتص روحه وقوته العسكرية ليحوله إلى جثة خامدة. في تلك اللحظة الحرجة، لم تتردد؛ أغمضت عينيها واستحضرت صورة قاسم في قلبها، وتذكرت الكلمات المنقوشة على الجدار: "اتبعوا النبض". تنفست بعمق، ولأول مرة، شعرت بوجود تلك الطاقة الذهبية الدافئة تتدفق من أعماقها، لم تكن مجرد قوة جسدية، بل كانت "قوة التخاطر الروحي البحتة" التي ورثتها من اتصالها الأزلي بقلب السلطان وبأسرار الأجداد. فتحت ليلى عينيها، وتحول بؤبؤهما إلى لون ذهبي مشع. لم تتقدم نحو سليم بجسدها، بل أرسلت موجة تخاطرية عاتية، صوتاً روحياً اخترق عقل سليم وحطم جدار الوهم الذي يبنيه الفخ. وضعت يدها على جدار الصخر القريب، وركزت كل عشقها وقوتها، وبدأت تتحدث بـ عقله، تهمس في أعماق روحه بلهجة صعيدية آمرة وقوية تفيض باليقين: ـ "افتح عينك يا سليم! اسمعني بـ قلبك يا ولد عمي! اللي بـ تشوفه ده عاد وهم وسحر من حجر الجبل.. خالد خيك مات شهيد ودمه مصان في رقبتنا، وقاسم مش مكسور ولا مغلول، قاسم ع يحارب في البُعد الآخر ومستنينا. الخونة في السرايا ع يستنوا موتنا اهنه عشان يبيعوا الأرض، وإنت درع العرين.. ارفض الوهم واكسر القيد، أنا وياك والعهد ويانا!". كانت كلمات ليلى التخاطرية تتسلل إلى عقل سليم كـ صدمات كهربائية تعيد الوعي للميت. بدأت الصورة الحمراء في المرآة تهتز، وتتلاشى أطياف خالد وقاسم المزعومة تحت سطوة الضياء الذهبي الذي أرسلته ليلى من عينيها وعقلها. وفي ذروة التركيز، أطلقت ليلى صيحة قوية، فاندفعت طاقة غير مرئية من يدها لتضرب المرآة السوداء مباشرة، فتحطمت إلى شظايا صغيرة تلاشت في الهواء كالغبار. استرد سليم أنفاسه دفعة واحدة، وسقط على ركبتيه لاهثاً، وهو يمسك بصدره كمن نجا من الغرق في بئر سحيق. نظر إلى الأرض، ثم رفع رأسه ببطء نحو ليلى التي كانت تقف أمامه، والضوء الذهبي يتراجع تدريجياً من عينيها لتستعيد نظرتها الدافئة، بينما جرح سبابتها الصغير قد التأم تماماً بفعل طاقة التطهير. نهض سليم على قدميه بخطوات مرتجفة، والذهول يملأ تقاسيم وجهه الحادة. لم يكن يصدق ما حدث للتو؛ فالقدرة التخاطرية التي أظهرتها ليلى، وكيفية اختراقها لـ عقله وتدميرها لـ فخ المرايا عن بعد، كانت قوة لم يصل إليها حتى قاسم الراوي نفسه في أوج قوته وجبروته. نظر إليها بإجلال وانبهار شديد، وقال بصوت متهدج يملؤه الاحتاج والتقدير الصعيدي الخالص: ـ "يا بوي على العجب.. إنتي عملتي إيه يا ليلى؟ أنا كنت بـ تموت، كنت بـ غرق في دمي ودم خوي خالد.. إنتي دخلتي جوه عقلي وكسرتي السحر بـ كلمتك! وعزة جلال الله، أنتِ بقيتِ أقوى من قاسم في التخاطر! قاسم كان بـ يحس بـ النبض ويسمع الوشوشة، بس إنتي صبيتي قوتك جوه نفوخي وطردتي الشيطان بـ حِسك.. إنتي بقيتي سلطانة الجبل بـ الفعل مش بـ الاسم واصل!". ابتسمت ليلى ابتسامة رقيقة، مسحت حبات العرق عن جبين سليم، وقالت بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقة تهز الأرض: ـ "القوة دي مش بتاعتي يا سليم.. دي قوة العهد، قوة العشق اللي بـ يربطني بـ قاسم. الجبل ده عرف إني مش جاية أطمع في ملك ولا جاية أسرق سر، جاية أرجع روحي، والأجداد فتحوا لي قلوبهم. قاسم زرع فيا القوة دي لما قالي إن الوردة هي البوصلة.. والنهاردة البوصلة بـ تنقذك عشان تكمل معايا. السرايا ع تنادينا، والمحامي وجابر ع يفتكروا إنهم كسبوا اللعبة، بس هما ما يعرفوش إن الشوك اللي في يد الوردة صِبح بـ يقطع الحديد." التقط سليم سلاحه الآلي من الأرض، ومسح عنه الغبار بـ عزة نفس استعادها كاملة، ونظر إلى ليلى قائلاً بلهجة حاسمة: ـ "خلاص يا سلطانة.. بعد اللي شفته ده، أنا ما بقيتش خايف على قاسم، ولا خايف عليكِ. إحنا ع ندخل الممر الجاي ونفتح البوابة، والكلاب اللي في السرايا ع نحاسبهم حساب عسير. قوليلي بـ تخاطرك وبـ حسك.. قاسم وين ع يكون دلوك؟". أغمضت ليلى عينيها للحظة، واستشعرت النبض الدافئ الذي بات يسري في عروقها، ثم فتحتهما وأشارت نحو نهاية الممر حيث يتوهج ضوء أبيض ساطع، وقالت: ـ "قاسم عدى مرحلة الاختبار وحطم الصولجان بتاعهم.. هو دلوك على أعتاب البوابة بـ يستنانا. المنظمة والسيوفي بـ يجهزوا لـ هجوم بره، بس إحنا ع نخرج له ونكون السند. ياللا بينا يا ولد عمي، الوقت ملوش أمان، والعرين مستني رجوع أسياده." انطلقا معاً، وسليم يتبع خطى ليلى بـ يقين أعمى، مدركاً أن المعركة القادمة لن تكون معركة سلاح فحسب، بل هي ملحمة روحية وتطهير شامل لـ نجع الراوي، ملحمة تقودها امرأة كسرت خوفها، وحطمت مرايا الوهم، لتصبح القوة الأعتى التي تحمي العهد وعشق السلطان من كل غدرٍ وخيانة. انشقت عتمة الممر الأخير في جوف الجبل عن وهجٍ أبيض كاسح، لم يكن ضياءً طبيعياً بل كان أشبه بنور الصواعق التي تضرب قمم الصوان في ليالي الشتاء الوعرة. تداخلت الأبعاد واهتزت جدران الكهف الصخرية اهتزازاً عنيفاً أطاح بالحصى والأتربة، وكأن الجبل يلفظ سراً عتيقاً خبأه في أحشائه منذ مئات السنين. وفي وسط هذا الاضطراب الكوني، تجمعت ذرات الضوء وتكثفت في بقعة واحدة لتحدث ثغرةً زمنية ومكانية، انبعث منها هواءٌ ساخن يحمل رائحة البارود، والتراب المبلل، وعطر المسك الخشن. من قلب تلك الثغرة المضيئة، خطت قدمٌ ثقيلة تعهدت الأرضُ شموخها؛ انبثق جسد "قاسم الراوي" الطاغي، شاهقاً كالنخل، صلباً كالجدار الذي تحطمت عليه أوهام الحكماء وصناع الزيف. كان جلبابه الصعيدي ممزقاً عند الكتفين، يظهر عضلات صدره التي نحتتها معارك النجع وصراعات العرين، وعيناه الصقريتان تشتعلان بنار العودة، نارٍ لم تستطع مغريات السلطة المطلقة ولا صولجان الزمان أن تطفئ جذوتها. تجمدت الأنفاس في تلك اللحظة التي خطفت القلوب، وبدا كأن نبض الوادي كله قد توقف احتراماً لظهور السلطان. لم تكن ليلى بحاجة إلى استخدام قدرتها التخاطرية الجديدة لتدرك وجوده، فقلبها الذي بات بوصلةً للعهد انتفض في صدرها كطائرٍ عاد لموطنه. سقط الخنجر الصعيدي من يدها ليرتطم بالصخر، وتلاقت نظراتهما في عناقٍ صامتٍ صاعق، تلاشت معه كل كوابيس وادي المرايا وصمت المغارات. لم ينطق قاسم بكلمة واحدة في البداية؛ بل اندفع نحوها بخطواتٍ تنهب الأرض نهباً، كإعصارٍ جارفٍ حطم كل القيود التي تفصله عن وردته. ارتمت ليلى في أحضانه بقوةٍ هزت كيانها، وطوق قاسم خصرها النحيل بذراعيه الفولاذيتين، ساحباً إياها إلى صدره العريض ليلتصق جسدها به حتى غابت الفواصل بينهما. ضمها بعمقٍ تلاشت فيه الشهور والأيام، ودفن وجهه الحاد في عنقها، مستنشقاً شذى عطرها الذي كان وقوده للصمود في البعد الآخر. كانت ليلى تبكي بدموعٍ حارة غسلت غبار المعركة عن وجهها، ويداها تتشبثان بظهره الممشوق وكأنها تتأكد أن هذا الجسد الصلب حقيقةٌ وليس طيفاً من أطياف الوادي التي عذبتها. كان العناق مشحوناً برومانسيةٍ عنيفة، رومانسية صعيدية لا تعرف الضعف بل تولد من رحم الجبروت والتحدي. شعر قاسم بنبضات قلبها المتسارعة التي تحاكي نبضه، واعتصرها بين ضلوعه وكأنه يريد أن يخفيها داخل روحه بعيداً عن غدر الخونة ومؤامرات الداخل التي تحاك في ظلام السرايا. تنحنح سليم وتراجع خطوتين للوراء، واضعاً يده على سلاحه الآلي، وعيناه تلمعان بدموع الفرح والارتياح وهو يرى أخاه وسلطانه قد عاد بجسده وعقله، بطلاً لم تنل منه غيابات الجبل. رفع قاسم رأسه قليلاً، وأمسك بوجه ليلى بين كفيه الخشنتين، ويمسح بابهاميه الدموع السخية المنحدرة على وجنتيها، ونظر في عينيها اللتين لا تزالان تحتفظان ببريق الضياء الذهبي، وتحدث بصوته الجهوري العميق الذي يحمل بحة الشجن والوعيد، قائلاً بلهجة صعيدية تقطر عشقاً وصلابة: ـ "وعزة جلال الله وعقد الأجداد، ما غبتِ عن عيني واصل يا ليلى. قلت لكِ ع أرجع، والراوي كلمته هي صولجانه وقدره. الوعد بالدم يا ليلى.. دم الخونة اللي ع يفتكروا إن العرين مات، ودمي أنا اللي رخص لجل ما أشوف النظرة دي في عيونك. أنتم فاكرين الجبل ع يبلع السلطان؟ لاه.. أنا حطمت صنمهم ورجعت لـ وردتي اللي شوكها حماني وأنا في عز الغربة." لثمت ليلى كفيه بقبلاتٍ متلاحقة، وصوتها يخرج متحشرجاً بدموع الانتصار: ـ "قاسم.. يا سلطان قلبي وداري. الجبل كله كان بـ يصرخ بـ اسمك، ومرايا الوهم بغت تسرق مني روحي، بس نبضك كان البوصلة. سليم واجه معايا الحيايا، وعرفنا إن الخيانة ع تعشش جوه السرايا. جابر والمحامي باعوا النجع لـ المنظمة ولـ جوليا، وباعتين فوزية بكرة الصبح عشان تقلب الدار علينا. الدار بـ تضيع يا قاسم من غيرك." التفت قاسم نحو سليم، ولمعت عيناه بنظرة عسكرية حاسمة امتلأت بالتقدير والمؤامرة المضادة. تقدم نحو أخيه وضربه على كتفه بقوة، ورد سليم بضربة مماثلة تجسدت فيها كل معاني الأخوة والولاء. قال قاسم بصوتٍ يملؤه الهدوء المخيف: ـ "سمعت وشوشة الحيطان وأنا ورا البوابة يا سليم. خابر زين إن جابر وجوليا ع يخططوا لـ كسرنا، وخابر إن فوزية جاية بـ ورق قديم عشان تعمل هرج ومرج في الدار. بس هما غفلوا عن حاجة واصل.. غفلوا إن اللي يحطم صولجان الزمان، ما يعجزوش محامي خاين ولا رجالة منظمة ع يستخبوا في الضلمة. أمي نبيلة بـ حكمتها أكيد ع تدير اللعبة دلوك وتخليهم في عمى، وإحنا ع نرجع النجع بس مش من الباب الكبير.. ع ندخل كـ الأشباح." سليم ابتسم بمرارة ودهاء، وقال وهو يجهز سلاحه: ـ "ليلى بقت داهية يا قاسم، عقلها بقا يخترق الحجر والتخاطر بتاعها رد لي روحي لما كنت ع أموت في فخ المرايا. إحنا وراك يا سلطان، والرجالة اللي عند سفح الجبل ع نلمهم لـ وحيدهم. قولي، كيف ع تكون الخطة؟" أمسك قاسم بيد ليلى، وشبك أصابعه القوية بأصابعها، ونظر إلى الممر المظلم المؤدي إلى خارج الجبل، وقال بنبرة تفيض بالرومانسية الحميمة والتوعد الحاسم: ـ "الخطة إن الوردة ترجع لـ مكانها، والشوك يقطع الرقاب. ليلى ع تدخل السرايا كأنها جاية مكسورة من الجبل، عشان جابر والمحامي يطمنوا ويطلعوا كل اللي في جعبتهم، وفوزية تفتكر إنها ملكت الزمام. وأنا وسليم ع نكون في ضهرهم، أول ما يمدوا يدهم لـ ورق الملكية، ع يلاقوا عزرائيل واقف بـ شكل قاسم الراوي. بكرة الصبح ع يكون يوم الحساب في نجع الراوي، والدم ع يغسل كل خيانة. ياللا بينا يا سلطانة قلبي، عرينك مشتاق لـ خطوتك، والسلطان مش ع يرتاح إلا والكلاب دي تحت رجليه." انطلق الثلاثة في جوف الممر، وقاسم يقودهم بيدٍ تمسك ب ليلى ويدٍ تتحسس نصل الخنجر المسترد، وعباءته الممزقة تخفق وراءه كراية حربٍ أزلية. كانت الأجواء مشحونة بالمؤامرات الخفية والترقب، لكن حضور قاسم الطاغي أعاد ترتيب موازين القوى، لتتحول رحلة البحث الضعيفة إلى زحفٍ ملكيٍّ عاتٍ سيمحي كل أثر للخيانة من أرض الصعيد الحرة، ويؤكد للكون أن العهد بين السلطان والوردة صكٌّ كُتب بالدم، ولا يملك بشرٌ على الأرض أن يمحو سطوره.التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا
كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.
انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال
كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."
لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟







